«الحكم الاسلامي» .. والتجربة النموذجية في منهج الإمام علي عليه السلام
كتبه: الشيخ حسين الخشيمي
حرر في: 2012/08/17
القراءات: 1445

رحل أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام الى جوار ربه في شهر رمضان المبارك، ورحلت معه تلك القيم التي تجسدت في شخصه، ولم يبق لنا منه سوى آثاره الخالدة.. تلك الكلمات المضيئة التي استمدت ضياءها من شمس الرسالة المحمدية، وحقاً ان من اراد الفوز بنور هذا الضياء الوهاج ما عليه إلا ان يتجرد عن هوى نفسه ويتقبل كلمات الامام علي عليه السلام الجامعة في الدين والثقافة والسياسة وفي شتى الحقول، فهو منظومة متكاملة من القيم العليا.
وعهده عليه السلام لمالك الاشتر النخعي عندما ولاه على مصر، هو من أهم الآثار التي تركها امير المؤمنين عليه السلام في حقل السياسة، والذي لخص فيه اهم ملامح الدولة الاسلامية، و وظيفة الحاكم الاسلامي. وكتاب (الحكم الاسلامي) لسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله)، واحد من الكتب التي تسلط الضوء على هذا الاثر العظيم الذي لو طبق في بلادنا الاسلامية لشهدت تلك البلاد عصور النور والحضارة و الازدهار، وهذا ما يحاول سماحته ان يعرضه للقارئ من خلال إضاءاته و رؤاه في هذا الكتاب القيّم الذي صدر عن دار المحجة البيضاء للطباعة والنشر عام 2010 و الذي وقع في 275 صفحة.
اهم ما يميز هذا الكتاب هو الأسلوب الحضاري في فهم النصوص المأثورة، وبالخصوص عهد الامام عليه السلام، حيث ان ربط النص بالواقع، كان ربطاً دقيقاً يسهم في تطبيق اسلوب حكم الامام، اذا ما كانت هناك نيّة للتطبيق اليوم..! ويوضح ذلك سماحته في تحديد مسؤوليات الدولة في ضوء عهد الامام عليه السلام والذي جاء في مقدمته ما نصه: «هذا ما أمر به عبد الله، علي أمير المؤمنين، مالك بن الحارث الأشتر في عهده إليه حين ولاه مصر جباية خراجها و جهاد عدوها و استصلاح أهلها و عمارة بلادها..» 
سماحة المرجع في بيان هذه الفقرة من العهد يقول «يحدد أمير المؤمنين عليه السلام في افتتاحية العهد مسؤولية الدولة في كلمات اربع:
1- جباية الخراج، أي تحصيل الضرائب، وهي مسؤولية وزارة المالية.
2- جهاد العدو، وهو مسؤولية وزارة الدفاع.
3- استصلاح الناس؛ بالتثقيف والتربية والتعليم، وهو من مهمة وزارة الثقافة والاعلام، الى جانب وزارة التربية والتعليم، و وزارة التعليم العالي. كذلك ببسط الامن بوضع قوانين رادعة للجريمة، وهو مسؤولية وزارة الداخلية.
4- واخيراً عمارة البلاد، وهي مسؤولية وزارات الدولة التي تسمى بالوزارات الخدمية.»
وهذا النوع من التفصيل تميز به سماحة المرجع المدرسي في العديد من مؤلفاته عن باقي المؤلفين الذين تناولوا شرح وتفصيل النصوص المأثورة للأئمة عليهم السلام.
ثم يشرع سماحته في تفصيل وشرح العهد على شكل فقرات قصيرة حتى نهاية الكتاب، مستخرجاً من هذه الفقرات كنوز الحكمة في كيفية التعامل مع الرعية. 
سؤال أمني..!
لعل الأمن هو الهاجس الأكبر الذي يشغل العالم اليوم، فأينما رميت ببصرك اليوم وجدت واقعاً هشاً لهذا الجانب الذي يعد من أهم الجوانب الأساسية في حياة المجتمعات، الذي من خلاله يستمر عيش الإنسان، فلولا الأمن لما استطاع الإنسان أن يمارس نشاطاته التي بها يطلب رزقه ويقدم الخدمات للآخرين. والسؤال المطروح الآن؛ من يوفر هذه الحاجة الملحة التي تفتقر لها اغلب البلاد؟ وما هي الآلية المعتمدة في توفير الامن؟
يقول سماحة المرجع المدرسي «دام ظله» في الإجابة عن هذه التساؤلات: «ان الامام علياً عليه السلام أشار الى هذه القضية من خلال إيلائه الأهمية لمسألة استصلاح الناس، باعتباره مهمة تقع على عاتق الحكم الإسلامي .. إذ الاستصلاح يتم عبر التربية والتثقيف.»
ويرى سماحته ان التثقيف والتربية هما اللاعبان الأساسيان في سلامة و أمن الناس، فالمجتمع الذي يتربى تربية صحيحة، تتوفر لديه الثقافة الصحيحة، فلن يشهد إلا واقعاً آمناً، وحياة ملؤها التفاهم والانسجام، بعيدة عن الانقسامات والصراعات التي تزعزع أمن البلاد، كما يعد سماحته ان القوة ليست وسيلة ناجحة في بسط الامن في البلاد، ولم تكن هدفاً بحد ذاتها، بل هي وسيلة لردع المجتمع وتربيته، فقطع يد السارق او جلد الزاني والزانية مثلاً لابد من ان يكون امام مرأى الناس والهدف من هذا العمل هو ان يشهدوا لحظات تنفيذ الحكم لكي يكون رادعاً لمن تسوّل له نفسه ارتكاب هذا العمل القبيح وغيره من الرذائل، وهذا هو المنهج التربوي الناجع الذي ينشده الحكم الإسلامي من خلال القوة.
 يقول سماحة المرجع المدرسي: «ينبغي ان نعرف بأن الهدف من استخدام القوة في الاسلام ليس هدفاً ذاتياً او مطلقاً، وانه ليست ثمة صلاحية مطلقة قد انيطت بالحاكم... لأن مطلقية القوة وذاتيتها تعني استفحال الرغبة في الاستبداد والظلم والقسوة والتكبر من جانب الحاكم، وهو الامر المرفوض جملةً وتفصيلاً.»


ارسل لصديق