مؤمنون.. تحدّوا بريق الذهب!
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2015/08/26
القراءات: 558

أن ينبهر المرء بما يملك من زينة الدنيا، فهذا أمر طبيعي، أما ان ينبهر الانسان بما في يد غيره من المال والثروة، فهذا امرٌ مثير للعجب، وما يثير العجب اكثر، ان أمثال هؤلاء كُثر في المجتمع، فيحترمون صاحب المال لماله، لا لشخصه، ويعتبرونه القدوة الصالحة للحياة، فيعتبرون كل افعاله صحيحة ومقبولة، فهو المعيار للصحيح والخطأ في الحياة، وليس لأحدٍ أن يعترض عليه، او يعلمه الطريق او يعترض على افعاله، فهو صاحب الكلمة لأنه صاحب الثروة!

 

 لا للتصفيق للأثرياء

انها الطريقة المتبعة عند السواد الاعظم في المجتمع، وهي الطريقة الخطرة التي تهوي بالمجتمع الى واد الفساد السحيق، وبالتالي الندم الشديد. والأخطر من ذلك؛ تدني مستوى الايمان بالله - تعالى-.

ففي كتاب الله المجيد، نجد مثالين للمؤمنين بالله، الذين لم يعمهم بريق الثروة عن التمييز بين الحق والباطل، ولم تخرسهم الدراهم والدنانير عن قول الحق للمخطئ - وإن كان ثرياً - و أول هذين المثالين؛ ذلك الرجل المؤمن الذي راح يرشد صاحبه المشرك المغترّ ببساتينه المثمرة والأيدي العاملة تحت سلطته وغير ذلك، لانه عَمي عن الحق بسبب ما يملك من جنّة وارفة الظلال، معطاءة الثمار، تدر عليه الارباح الكثيرة، وبذلك ظلم نفسه وادعى ان ما يملكه من خير باقٍ ودائم، حتى انكر القيامة والمعاد، وزاد في ظلاله انه اعتبر المال والثروة معياراً لمقام العبد عند ربه، فاعتبر عطاء الله في القيامة سيكون افضل مما هو هنا في الدنيا، أليس الله يحبه فاعطاه في الدنيا هذا الخير؟!

انها اقوال اكثر الاغنياء في الدنيا؛ المغترين بثرواتهم وارصدتهم في البنوك، والمتغافلين - بما يملكون- عن رؤية الحقيقة ووعيها، وتصفيق اغلب المجتمع لهم يزيدهم اصراراً على ضلالتهم.

وفي المقابل ينبري المؤمن لانقاذ هذا المسكين عبر الحوار الهادف والهادئ، وتذكيره بالخالق الرازق، وان ما يملكه هو عطاءٌ من الله سبحانه وابتلاءٌ منه، فليس المال يبقى للانسان دائماً لامكان زواله بأيسر ما يكون.

لنقرأ معاً، وبتأمل، المثل القرآني لهذه الحالة التي تصيب اصحاب الثروة، وموقف المؤمنين لانقاذهم: قال تعالى في «سورة الكهف»، الآيات؛ (23 - 44):

{وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَ حَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَ جَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً *}.

إن سوق المثل لبيان حقيقةٍ واحدة تتكرر مع اشخاص مختلفين، فليس مهماً ذكر اسم الشخص وبيان نسبه، بل المهم ذكر صفته وبيان عمله - الصالح او الطالح - ومن ثم تبيين النتيجة المترتبة على ذلك العمل.

{كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَ لَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَ فَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً*}. عدم ظلم الجنتين بمعنى اثمارهم بمقدار تصور الزارع لها، ووجود النهر داخل الجنان دليلٌ على توفر الماء الضروري للزراعة.

{وَ كانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَ أَعَزُّ نَفَراً *}. خلال حواراتهم، يحاول بعض الاغنياء ان يثبتوا لبعضهم البعض انهم اكثر ثروة وغنى، فيعددون املاكهم ويظهرون زينتهم وغير ذلك، وهذا الأمر يصدق عليهم في علاقتهم بالفقراء والمستضعفين ايضاً، لأنهم يستفيدون من الثروة كورقة ضغط لتحقيق مآربهم.

{وَ دَخَلَ جَنَّتَهُ وَ هُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبيدَ هذِهِ أَبَداً * وَ ما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَ لَئِنْ رُدِدْتُ إِلى‏ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً *}.

لم يصفق له صاحبه - كما يفعل اكثر الناس- بل قام بمحاولات لتبصيره الطريق الصحيح بعد العمى الذي اصيب به: {قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً * لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَ لا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً*}.

ذكّره صاحبه المؤمن بخالقه، الذي خلقه من تراب ثم اودعه الاصلاب ومنها الى الارحام و... أي نقله من مرحلة عجز، الى مرحلة ضعف، و رزقه القوة شيئاً فشيئاً حتى وصل الى ما هو عليه.

وفي مقابل الاغترار بالمال والنظرة الذاتية للثروة، دلّه المؤمن على الطريقة السليمة للتعامل مع الثروة، فقال: {وَ لَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَ وَلَداً * فَعَسى‏ رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَ يُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعيداً زَلَقاً * أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطيعَ لَهُ طَلَباً *}.

ویبدو - من سياق الآيات - ان الرجل رفض النصح واستمر في غروره وتكبره، فكانت النتيجة:

{وَ أُحيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى‏ ما أَنْفَقَ فيها وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى‏ عُرُوشِها وَ يَقُولُ يا لَيْتَني‏ لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً * وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ ما كانَ مُنْتَصِراً * هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَ خَيْرٌ عُقْباً *}. بلى؛ انه الرب القادر على سلب ما اعطاه و أخذ ما منحه، وليس لأحدٍ من خلقه ان يقف امام ارادته ومشيئته، وبطبيعة الحال لا يبقى للكافر الذي انزل عليه الرب العذاب سوى الندم والحسرة.

 

 التجمع الإيماني في مواجهة المد المادي

ويقدم لنا القرآن كتاب الله المجيد، مثلاً آخر لظاهرة الغني المفتون بغناه، والمؤمن البصير بالحقيقة والساعي لاصلاحه، وذلك عبر ذكر قصة قارون، الذي كان من قوم موسى، عليه السلام، ومن أرحامه؛ ذلك الرجل الذي أعطاه الله مالاً كثيراً يصعب على الاشداء من الرجال ان يحملوا مفاتح خزائنه، امتحاناً له وابتلاءً للمجتمع الاسرائيلي.

راح قارون يتفاخر - كما صاحب سورة الكهف- بما يملك من ثروات، وذلك عبر الخروج الى الناس بزينته وامواله: {إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏ فَبَغى‏ عَلَيْهِمْ وَ آتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ}. هذه المرة، لم تتساهل الطليعة المؤمنة في المجتمع من القيام بمسؤولياتها الشرعية تجاهه، كونه «ثرياً» او كونه «من أقارب القائد»، بل جابهوه بمر الحق: {إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحينَ * وَ ابْتَغِ فيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَ لا تَنْسَ نَصيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَ لا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدينَ *} (سورة القصص، الآية:76-77)، فدعوه الى عدم الاغترار بالثروة، وعدم نسيان الآخرة بسببها، و نصحوه بالاحسان الى الناس، ونهوه عن السعي في الارض بفساد.

الا ان ثروته ورجاله وزينته ورؤيته الخاطئة تجاه الحياة الدنيا ونعمها منعته من الاستماع الى الناصحين، كما ان وجود مجموعة كبيرة في المجتمع تؤيده وتتبعه، كان له دور كبير في ابقائه على موقفه {فَخَرَجَ عَلى‏ قَوْمِهِ في‏ زينَتِهِ قالَ الَّذينَ يُريدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظيم}. (سورة القصص، الآية:79)

وانبرت الطليعة المؤمنة - مرة اخرى- لمعالجة الانحراف الفكري الحاصل في المجتمع، وذلك عبر بث الوعي في الاوساط الاجتماعية {وَ قالَ الَّذينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً وَ لا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ}. (سورة القصص، الآية:80)

وكانت عاقبة قارون مشابهة لعاقبة صاحب الجنتين مع وجود فارق، ان الامر هنا شمل شخص قارون مضافاً الى كل ثرواته، لبغيه وطغيانه وافساده في المجتمع بعد ايمانه الظاهر بالرسالة: {فَخَسَفْنا بِهِ وَ بِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ ما كانَ مِنَ المُنْتَصِرينَ * وَ أَصْبَحَ الَّذينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ يَقْدِرُ لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ}. (سورة القصص، الآية80-81)

ومن هنا ؛ لابد للمؤمن أن يعامل الناس بعيداً عن مستواهم المادي، فيعتبر صاحب الثروة كغيره من ابناء المجتمع، يحتاج الى النصح والارشاد، إن حاد عن الطريق، كما قد يحتاج الامر الى المجابهة ان بغى في الأرض الفساد، فليس ثمة مجال في الشرع المقدس، للمهادنة مع الفاسد، وإن كان ذا ثروة او صاحب قوة وسلطة.


ارسل لصديق