هجمة جديدة تستهدف الشباب، دروع القيم لا تخترقها «الألوان»
كتبه: الشيخ إبراهيم الاشتري
حرر في: 2015/08/27
القراءات: 611

من الضروري جدا لكل ذي لبّ، أن يعي حجم التحديات التي يتعرض لها في كل آن، و يتخذ التدابير اللازمة في مواجهتها،  ومن ثم يكون في مأمن من حبائل إبليس، وسحر هامان.

واذا كان الانسان لم يخلق للخلود في الدنيا، والبارئ -عز وجل- اقرب اليه من حبل الوريد، فلماذا الغرور اذاً؟ وربنا يقول:

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}. (سورة ق/16)

ان ما يتمتع به الشباب من الحيوية والنشاط والقابليات الهائلة والحماس والجد والمثابرة، تجعله من أهم العناصر المؤثرة في المجتمع، والتي علينا ان نستثمرها  بالتخطيط والتنفيذ الدقيقين، وأن نحول هذه الطاقات وعناصر القوة، الى سلوكيات ايجابية، تؤتي أكلها كل حين في المجتمع.

وما يدعونا الى ذلك، أن الهجمات المستمرة على هذه الثروة الهائلة  - الشباب - تروم تحويل طاقات الشباب وقدراتهم الى سلوكيات سلبية، اخفاق في الدراسة، لعب بالقمار، معاقرة للخمور، تسكع وميوعة وانحلال، فضلاً عن الانحرافات الجنسية المختلفة.

وفي الحياة قوانين حاكمة، يعد من ابرزها قانون «التأثير والتأثر». قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (سورة عبس/24)، يفسرها المعصوم، عليه السلام، بأن ينظر الانسان الى علمه من اين يأخذه، لأنه يتأثر بمن يتعلم على يديه سلباً أو ايجاباً.

ويجري هذا القانون على جميع عناصر الخليقة، ومنها الانسان الذي يُعد أغلى هذه العناصر على الاطلاق، بفارق كبير ومهم جداً، وهو ان التأثير بالإنسان لا يتم إلا عبر اختياره و ارادته  مما يميزه على جميع العناصر.

وللشباب النصيب الاعلى من هذا القانون، فيتأثر الشاب بأبيه أو أخيه أو رفيقه أو معلمه، سلباً أو ايجاباً.

ومن هنا كان لزاماً علينا ان نتدبر عواقب أمورنا، واذا هممنا أمراً، تدبرنا عاقبته، إن كان رشداً، مضينا به، وان كان غيّاً، انتهينا عنه، ذلك لأن قافلة الشباب في مسير دائم نحو التقدم والرقي، فيما مصير كل من تخلف عن هذه القافلة الضياع والاغتراب.

 

  قتل القيم والاخلاق لدى الشباب

فقافلة الشباب المؤمن تسير اليوم على هدى القيم الأخلاقية التي يمتلكها، الى ميادين العلم والمعرفة، وايضاً الى ميادين الجهاد والتضحية، بيد أن هذا لا يروق للكثير ممن يقتات على ضياع الشباب وانحرافهم، فقاموا بمحاربة روح الشباب ببث اليأس في صفوفهم، ونصب جدار فاصل وكبير بينهم وبين المعرفة، و إبعادهم عن الحوزات والجامعات والمكتبات التي ترفد الامة بالقدرات العلمية والمعرفية، ونتيجة لشغف الشباب في التعرف على كل جديد، راحوا يؤثرون عليهم سلباً بالثقافات الدخيلة الوافدة الينا من بلاد الغرب بعناوين متعددة، فتارة تحت عنوان «الحداثة»، و»الاعتدال» تارة أخرى، وهكذا.

كل ذلك ليحولوا  الشباب الى لقمة سائغة  في افواههم، ولكن هيهات؛ فمن يتخذ من مبادئه دستوراً يهتدي به لم ولن تؤثر فيه التيارات المنحرفة، والابواق المستهلكة.

واليوم نلاحظ المساعي المحمومة هنا وهناك، وبمختلف الاساليب والطرق، مهما كانت دنيئة ورخيصة، مثل إثارة المشاعر الانسانية والغرائز، والترغيب بالحداثة الجميلة والتنوع في السلع والمظاهر الخلابة التي تؤدي أحياناً أن ينسى الشاب رجولته فيتحول إلى فتاة بين ليلة وضحاها، كما تبتلى الفتيات والنساء ايضاً بهذا الداء، فيسحقن أنوثتهن ليتقمّصن الشخصية الرجولية في الملبس والمعشر والسلوك. والهدف من كل ذلك إغلاق الباب بإحكام على العقل الشاب والمتوثب نحو الابداع والعطاء، واستبداله بالميول نحو ارتياد أماكن اللهو واللعب المشوب بالحرام، ومعاقرة الخمور وتعاطي المخدرات، ومن المظاهر الطافحة على السطح ازدياد مقاهي «الاركيلة» في عديد بلادنا الاسلامية، وظهور حالات شاذة بين فترة وأخرى، تضرب الجيل الشاب، فتارةً من خلال «الأيمو»، تارةً، و «المثلية» تارةً اخرى، والمحاولات مستمرة على هذا الطريق.

وآخر تقليعة لدعاة الميوعة والتحلل، استيراد لعبة جديدة هندية المنشأ يمارسها الشباب من البنين والبنات في مكان واحد، تحت عنوان «مهرجان الالوان» او «هولي»، واللعبة عبارة عن تقاذف بالالوان والمياه في حديقة او مكان خاص، في أجواء من المرح المزعوم. هذه اللعبة او الطقوس تعود بالأساس الى الطائفة الهندوسية التي يقيمونها في فصل الربيع في الهند وباكستان وسيرلانكا والبلاد التي يتواجد فيها الهندوس، مع ذلك فقد شقت طريقها بسهولة الى العراق، فكانت التجربة في البصرة ثم بغداد.

بغض النظر عن الجهات المشبوهة التي وقفت خلف هذا المشروع، وحاولت تكراره في مدن أخرى في مقدمتها كربلاء المقدسة، فان هناك أهدافاً واضحة وراء ذلك يمكن الاشارة اليها بما يلي؟

1- سلب القوه الدفاعية للأمة؛ فالشباب حصن البلاد، ودرع المقدسات، وحماة الاعراض، والتقليد الاعمى للغرب يزرع في الشباب روح اللامبالاة، فلا يبقى للبلد حبٌّ ينبض في قلوبهم، وتنسلخ عنهم روح التقوى والايمان، فلا يتحرك ضمير الشباب للدفاع عن المقدسات، ولا تصان عندهم الأعراض والاموال، فلا يأبه اذا ما أعتدي على عرضه وماله، و أخيرا من المستفيد؟!

2- بث روح اليأس في صفوف الشباب، بتكبيلهم بقيود الشهوة والانحلال، وحصر السعادة بهذه الطرق غير المرضية عرفاً وشرعاً.

3- تعطيل عجلة الابداع، بتكوين طبقة من الشباب الكُسالى الخاملين غير المنتجين، فالشباب الذي عانق العلوم وتمرّس على الآداب، بات اليوم شغله الشاغل؛ مهرجانات «الالوان»، أو فعاليات تحت شعارات ثقافية مزيفة، او ارتياد أماكن اللهو واللعب وقتل الوقت.

 

  طرق المواجهة والعلاج

السؤال هنا؛ كيف نواجه هذه التحديات؟ وما هي السبل الكفيلة بتجاوز هذه الفتن؟

مما لاشك فيه ان النظام الاجتماعي في الاسلام، لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا وأحاط بها، لاسيما ما يتعلق بالشباب، فقد حصّن الشباب بدروع القيم التي لا يتمكن من اختراقها شيء. ومن بين هذه الدروع التي بينها الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، واهل بيته المعصومون، والكفيلة بنقل الشباب الى بر الأمان، وتجاوز فتن الزمان؛ «درع القرآن الكريم»، فالشاب الذي يقرأ القرآن في شبابه يحصن نفسه ويحميها، حيث يخالط القرآن الكريم، لحمه ودمه، كما في الحديث الشريف عن الامام الصادق، عليه السلام، قال: «من قرأ القرآن وهو شاب مؤمن اختلط القرآن بلحمهِ ودمهِ، وجعلهُ الله مع السفرة الكرام البررة، وكان القرآن حجيزاً عنه يوم القيامة».

فهذا النور هو سبيل النجاة في الدنيا والآخرة، والقنطرة لتحقيق الكمالات، وما علينا إلا ان نتعرض لنفحاته وكمالاته، فكما لا يمكننا ان ننتفع برؤية الطبيب فحسب متجاهلين النصائح التي يسديها؛ كذلك لا يمكن ان ننتفع من القرآن بمجرد النظر اليه، فلابد من تحويله الى سلوك عملي نتجاوز به المسافة بين القول والعمل، وبين النظرية والتطبيق. 

وديننا الاسلامي يحثنا دوما على المثابرة والعمل، فلو كانت بيد أحدنا شجرة، فالإسلام يوجهنا الى غرسها، ومنهجنا: «زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون»، لا أن نعيش أعمارنا بحدود الذات وصومعتها، تأخذنا الهجمات الثقافية ذات اليمين وذات الشمال، بل نكون كالجبال الراسيات امام الغزوات الثقافية والهجمات البربرية المتتالية، فهل نترك القيم في مواجهة التحديات دون مناصرتها؟

من هنا؛ يمكن القول: إن مستقبل الامة مرهون بعنصر قوتها، وهم شريحة الشباب، فالآمال معقودة على قواهم الذهنية والعضلية، وعلى نفوسهم الخيرة وثقتهم بالنفس وعزيمتهم وارادتهم. كل ذلك يرسم للأمة بهجة الحياة، فبالقيم تتقدمون وعلى الصعاب تعبرون، لأن القيم من خير الزاد وخير الزاد التقوى.


ارسل لصديق