الفراغ خطر قاتل يدمّر الكفاءات والمواهب
كتبه: سعد مغيمش الشمري
حرر في: 2015/08/27
القراءات: 1096

إن مشكلة الفراغ الذي يعاني منه الشباب في المجتمعات الحديثة مشكلة لها آثارها السلبية على الفرد والمجتمع، ويظهر هذا الفراغ بشكل واضح في فصل الصيف وبخاصة لدى طلاب المدارس بعد نهاية كل عام دارسي، فيفكر كل منهم في كيفية قضاء إجازته التي ينتظرها بعد عناء طويل من الدراسة.

وبالرغم من أن العطلة المدرسية ترتبط بفصل الصيف، ووجود الرغبة بالاسترخاء والاستراحة، فإن هناك شريحة من الطلبة يجدون في هذه العطلة فرصة سانحة لمراجعة المستوى العلمي والقدرات الذهنية وما حققوه في العام الدراسي المنصرم، بما يمكنه من إنضاج خبراته، وبلورة كفاءاته، واكتساب المهارات الجديدة، الى جانب إشباع حاجته إلى الترفيه الذي يحتاجه الشاب على المستويين النفسي والاجتماعي. لذا يمكن القول: إن العطلة الصيفية في مجتمعاتنا تمثل نقلة للطلاب والشباب من هموم الدراسة والمذاكرة، الى ما يشبه حالة التحرر من الالتزامات والقيود المدرسية الثقيلة التي تمنعهم من ممارسة الكثير من الاعمال او تحقيق ما يدور في الذهن من أنشطة رياضية او مهنية او فنية أو أي عمل آخر يعبر عن شخصية الشاب ومكنوناته.

 

  فرصة الانفتاح على العالم

من هنا نجد إجماع علماء النفس التطبيقي على أهمية ملء وقت الفراغ والعطلة الصيفية الطويلة بشكل صحيح، وينصحون بضرورة العمل على تنظيمهما وحسن استثمارهما لاستعادة الحيوية الى جسم وذهن الطالب، إضافة إلى ذلك، يؤكد علماء الاجتماع بدورهم على أن وقت الفراغ والعطلة الصيفية، يوازيان من حيث الأهمية، مسألة البناء الثقافي وايضاً جانب الابداع والعمل لدى الطالب، حيث ان استغلال وقت الفراغ بالشكل الأمثل، يرفع من مردودية الإنسان ويحقق التوازن في حياته المهنية والشخصية، ويطور قدراته، ولكن هذا ما لا نجد له تفاعلاً عند بعض العوائل التي تتجه الى عكس الاستغلال الأمثل، بتمكين أولادهم لاقتناء بعض وسائل اللهو وقضاء الوقت، لاسيما ما استجدّ من حديث ومتطور في الهاتف النقال، وما تحمله من برامج وتطبيقات متنوعة ومواقع تواصل واسعة حول العالم، ثم يتجاهلون او يتناسون طريقة الاستفادة من هذه التقنية المصحوبة بالانفتاح الواسع في العلاقات بين بني البشر حول العالم، حيث بات من الممكن لأي شاب او مراهق عراقي او مصري او خليجي، عقد صداقة مع نظيره او ربما أكبر سنّاً يسكن في بلد افريقي أو في اميركا الجنوبية او في اوربا، وبكل سهولة.

وهنالك حقيقة تغيب عن بعض العوائل وهي أن فترة المراهقة لدى الاطفال تبدأ في سن مبكرة، بسبب حالة التحفيز الموجودة في الساحة الثقافية، بما يطلق عليه منذ سنوات بـ «الانفتاح الثقافي»، وبدأ هذا منذ انطلاق القنوات الفضائية ومواقع النت التي سهلت مهمة التبادل الثقافي والفكري حول العالم، والتي جعلت العالم ينساب بعضه على بعض، فلا حدود ولا قيود تقف في وجه انتقال المعلومات والصور، التي كثيراً ما يشوبها التزييف والمبالغة لإثارة الغرائز وشدّ الانتباه من قبل الشريحة الناعمة والطريّة العود.

وبسبب غياب ثقافة التخطيط والمتابعة وتنظيم الوقت، ومع انشغال الأسر في مشاكلها اليومية، وثقل المسؤولية الملقاة على عاتقها نتيجة ضغط الظروف المادية و المعيشية، بدأنا نلحظ مؤخراً تخلّي بعض الأسر عن دورها التربوي خصوصا أيام العطل المدرسية، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى ظهور مجموعة من السلوكات الشاذة والبعيدة عن الالتزامات الاخلاقية لدى بعض الأطفال والمراهقين الذين يصعب عليهم مقاومة المغريات والإثارات اذا لم تُمد اليهم يد العون والمساعدة من الكبار والعقلاء.

من هنا نعرف أن الفراغ يدمر الكفاءات والمواهب، ويخفيها وراء ركام هائل من الاستهانة، كما تختفي معادن الذهب والفضة في مناجم مجهولة، وينتج عن هذا الإهدار الهائل للوقت، مصائب لا حصر لها في الأحوال النفسية، الاجتماعية والسياسية، ويستحيل أن تحرز هذه الأجيال الصاعدة من البشر سهماً من النجاح في الدنيا والآخرة، إلا إذا غيرت اسلوبها في الحياة ومحت آفة الفراغ القاتل، ولعلنا نجد تجسيد ذلك في الحديث الشريف: «الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك».

 

  الاستفادة المطلوبة من الوقت

ان من الاشياء المهمة والمفيدة في هذه الفترة، بث روح الاطلاع الحر وحب القراءة واكتساب العلم والمعرفة في أوقات الفراغ الصيفية، وهو ما ينبغي أن نشجع عليها أبناءنا منذ الصغر، حتى يصبح الكتاب خير صديق لهم في حياتهم، وحتى لا يكون الكتاب الدراسي عدواً لهم في فترة الدراسة، فهربوا منه لمجرد انتهاء العام الدراسي.

وإلى جانب التفتح الذهني بالقراءة والاطلاع، فإن الجهد العضلي ينمو بممارسة مختلف أنواع الرياضات البدنية، ومن ثمّ، فالنشاط الترفيهي يكون مطلوباً خلال العطلة الصيفية من الناحية النفسية، ويشمل هذا النشاط تنظيم رحلات ترفيهية للتلاميذ والطلاب لزيارة المعالم الأثرية، والمزارات المقدسة، وايضاً المناطق السياحية لغرض الاستجمام مثل الشواطئ والمناطق الجبلية، وكل ما يمتّ الى الطبيعة بصلة، ويمكن تنظيم هذه الرحلات إما بوساطة العوائل نفسها، أو بواسطة المدارس، وتحت إشراف هيئات التدريس فيها، وحتى من قبل متعهدين بالشؤون السياحية.

هــــــــــذه الرحلات الترفــــــيهية والسياحية، لها آثار نفسية وروحية جمّة عند طلبة المدارس، فهي تزيل عن النفوس تراكمات الارهاق والتعب وشريط السلبيات الذي يملأ النفوس خلال عام كامل بسبب مشاغل ومنغّصات الحياة. وفي الوقت نفسه، تمثل شحناً للروح والفكر بالحكمة والتجارب والعبر من خلال زيارات المشاهد المشرفة، لما لها من استذكار لحوادث تاريخية واحداث اجتماعية وسياسية. وقد بشرنا أمير المؤمنين، عليه السلام، في هذا المجال بأن «القلوب تمل كما تمل الابدان فابتغوا لها طرائف الحكمة». فاذا كانت مؤسسات الدولة، والعوائل وأولياء الأمور، يهتمون بالطلاب و بالجيل الجديد خلال العام الدراسي، وبالشأن التربوي والتعليمي، فإن هذا الاهتمام يجب ألا يغيب خلال العطلة الصيفية فالمسؤولية كبيرة خلال هذه الفترة لمراقبة الأطفال والشباب، والحرص على استغلال الوقت المتاح لديهم فيما يعود عليهم بالنفع والفائدة، وحذار من تركهم في فراغ ينشأ عنه التفكير فيما يضرهم ويستدرجهم إلى الوقوع في براثن الشيطان، فيتجه بعضهم إلى ما  يحمد عقباه من أعمال مخلّة بالآداب او تنتهي بالضرر على الشاب نفسه مثل تعاطي بعض المسكرات والمخدرات واللجوء الى العلاقات المحرمة.

لذا فإن المسؤولية تقع بالدرجة الاولى على المؤسسة الدينية، متمثلة بالحوزات العلمية والعلماء والخطباء والمبلغين، وايضاً على المؤسسة الاجتماعية (الأسرة) بانتهاز فرصة العطلة الصيفية لحثّ الشباب والصغار على مصادقة القرآن الكريم، بالحفظ والتلاوة ومداومة القراءة، وايضاً مصادقة الكتاب الثقافي والفكري الاصيل والنافع، بما يشكل لديهم سلاحاً يواجهون التحديات الفكرية والثقافية بعد انتهاء مرحلة المدرسة ودخولهم الجامعة، ثم تخرجهم، ودخولهم معترك الحياة.

وهذا يتطلب الاستثمار الجيد للعطلة من خلال برمجة وتخطيط محكمين، ومن خلال تقسيم وتنظيم أيام العطلة بين فترات الراحة و الترفيه، وفترات المطالعة و المراجعة استعداداً لأيام الدراسة، وذلك من خلال تنظيم برنامج يومي دقيق يبدأ من الصباح وحتى المساء، موزع على باقي أيام العطلة الصيفية، يشمل كل الأنشطة المختلفة التي يرغب التلميذ أو الطالب في إنجازها، و ذلك عبر تحديد أهداف واضحة مع توقيت للإنجاز، ووضع خطة دقيقة تمكنه من بلوغ الأهداف المنشودة، فالهدف بلا خطة واضحة لبلوغه يصبح حلماً صعب التحقيق.

وإذن؛ فإن الأبناء أمانة يجب المحافظة عليها ورعايتها في هذه المرحلة العمرية الحرجة، حتى يشبوا على الأخلاق الإسلامية الصحيحة، وهذا بحاجة إلى التجدد والتطور وإلى من يستثيرها، ويحتاج منا تحديد الأداء بغية إيجاد الدواء، كما يحتاج منّا تسليط الضوء على سلبياتنا سواء كانت نقاط الضعف لدى الأبناء خلال العام الدراسي من جهة، أو سلبيات الآباء والأمهات تجاه أبنائهم من جهة أخرى، من حيث العناية والرقابة والتوجيه. والعطلة الصيفية خير فرصة لتفادي ما يمكن تفاديه من الأخطاء، وخير فرصة ذهبية لمعالجة الأخطاء، وتقوية نقاط القوة لدينا، فلنحاسب أنفسنا قبل أن نخسر أنفسنا وأبناءنا، ولنجدّد حياتنا سوية بإيمان واعٍ، وثقافة أصيلة، واهتمام صادق.


ارسل لصديق