طموحات الشباب تضيع في محنة العمل
كتبه: قاسم الكَرعاوي
حرر في: 2015/08/27
القراءات: 851

الشباب هم الأساس في أي مجتمع. لذا نرى كل التوجه والانظار تتوجه نحو هذه الشريحة الطامحة نحو العمل والدراسة ومواكبة الزمن وعجلة التطور، ولكن كل هذا يصطدم بعقبات في الطريق تخلقها الظروف الاجتماعية القاهرة للشباب، فبدلاً من أن يرى الشاب الايدي التي تساعده على تحقيق طموحاته في الحياة، فانه يرى نفسه وحيداً في مسرح الحياة، يتوجب عليه تحمّل مسؤولية توفير لقمة العيش لعائلته، الامر الذي يجبره على نسيان طموحاته وأنه يجب ان يكون متعلماً واعياً ذا قدرات عالية، يسهم في إسعاد نفسه اولاً، ومن ثم أهله ومجتمعه و وطنه.

 

  الشباب والحكم «بالأعمال الشاقّة»

ننطلق من الحديث النبوي الشريف: «خير الناس من نفع الناس». هذا الكلام العظيم، الصادر من رجل عظيم، يذكرنا بصفات النبي محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، مثل الصدق والامانة، وكان يضرب لنا اروع الدروس في التضحية والعمل والمثابرة وتحمل المسؤولية.

وحتى نكون على خطى الرسول الكريم، صلى الله عليه وآله وسلم، لابد ان نتبع التعاليم التي أتى بها من قبل الباري عز وجل، لاسيما من قبل المسؤول في الدولة الذي يمتلك الامكانيات والصلاحيات التي من شأنها ان تخفف الوطأة عن كاهل الشباب. بينما الملاحظ هو عدم الاهتمام، بل وتعكير الاجواء على الناس والشباب، وعدم احترام أبسط حقوقهم المشروعة والمنصوصة من الله تعالى.

ان الشريحة الفقيرة والمستضعفة في المجتمع التي يمثلها الشباب في سوق العمل، ينتظرون تنفيذ الوعود الانتخابية من هذا المسؤول او ذاك، بانه سيعمل على توفير الرخاء والنعيم للشباب وجميع شرائح المجتمع، ويراعون حقوق الايتام والفقراء، بيد ان هذا الشعب توصل الى نتيجة حاسمة، أن معظم الوعود - إن لم نقل كلها- مجرد سراب يحسبه الظمآن ماء!

هذه الشريحة لا تطالب اليوم، بسوى الماء والكهرباء وسبل العيش الكريم، على أقل التقادير، كما يتوقع الطالب الشاب الذي قضى تسعة أشهر من السنة في الدراسة والجدّ والاجتهاد، بأن يقضي العطلة الصيفية في حالة استراحة واسترخاء ذهني وبدني، ثم يتفرغ لمساعدة أهله وعائلته، لا أن يتحول الى معيل من الدرجة الاولى، يخرج من الساعات الاولى من الصباح الباكر، ولا يعود إلا في وقت متأخر من الليل.

إن السياسات الفاشلة والقرارات الخاطئة وغير الصحيحة التي يصدرها هذا المسؤول او ذاك، هي التي تدفع الشباب - قهراً وإجباراً- الى سوق العمل، من النوع الثقيل والشاق.

فنرى الشاب يلجأ الى أي فرصة عمل تنقذه وتنقذ عائلته من الفقر والعوز، وبالنتيجة؛ سيكون هذا الشاب محروماً من التعلّم والوعي والثقافة القرآنية، في حين أمامنا كمٌ هائل من الاحاديث التي تدعو الى التعلّم من الصغر، منها قول رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، «من تعلّمَ في شبابهِ كانَ بمنزلةِ الرسمِ في الحجَرِ، ومنَ تعلّمَ وهُو كبيرُ كان بمنزلةِ الكتابِ على وجهِ الماءِ».

وايضاً عن الامام الصادق، عليه السلام: «لست اُحبّ أن أرى الشبابّ منكم إلا غادياً في حالَينِ: إما عالماً أو مُتَعلّماً، فإن لَم يفعَلْ فرّطَ ضَيّعَ، وإن ضيّعَ أثِمَ سَكَنَ النارَ والذي بعَثَ مُحمّداً بالحقّ».

 

  مخاطر الانحراف... من المسؤول؟!

في شريحة الشباب هنالك الثلّة القليلة الصابرة المحتسبة والمؤمنة، وهؤلاء مهددون بالتأثر بالاغراءات الموجودة في المجتمع، علماً أن الشاب، يبقى انساناً مثل سائر الشباب، له عواطف وميول وغرائز، فليس من الصعب أن يميل بعض الشباب نحو ملذات الدنيا وشهواتها بالطرق غير السليمة. فمن المسؤول عن هذا الوضع الخطير؟ 

إن اصحاب المناصب في الدولة، ومن بيدهم مصير الناس والشباب، يقفون في مقدمة المسؤولين عن الواقع السيئ الذي يعيشه شباب اليوم، والدليل على ذلك، ما نسمعه بين الحين والآخر من قرارات غريبة من هذا الوزير أو ذاك، تستهدف المواطنين الفقراء، وتتجاهل أوضاعهم ومعاناتهم، فهم يصدرون القرارات التي تقيد حركة العمل لدى هؤلاء المواطنين، لاسيما الشباب، بينما المعروف حصولهم على الملايين، بين راتب شهري وحوافز وامتيازات وسيارات، بل حتى الخدمات، مثل الوقود والعلاج والماء والكهرباء، كلها تأتيهم بالمجان وعلى حساب الحكومة، وتقتطع من أموال الشعب.

ان الطريقة التي يتعامل بها المسؤولون مع الشعب، تؤدي الى اندلاع الفتنة والاضطراب الاجتماعي والسياسي، كل هذا وغيره، سوف يكون وبالاً عليهم، ويتحول الى ديون ثقيلة يحملونها الى يوم الحساب، كما يحملونها في الحياة الدنيا.

هذا القصور من قبل المسؤولين، يؤدي الى الابتعاد شيئاً فشيئاً عن نهج القرآن والسماء، وعن السنة الشريفة للرسول الكريم محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، الذي عمل على انقاذ الناس من الظلم الجور، ونقلهم من الظلام الى النور، وجاء بالأخلاق السامية والصفات العالية، وكان هو الملقب بـ «الصادق الأمين»، قبل أن يكون نبياً.

 لابأس أن انقل لكم هذه الرواية المعبرة، لعلها تنفعنا جميعاً، وهي عن الامام الصادق، عليه السلام، انه قال: «مرّ أمير المؤمنين، عليه السلام، بمجلس من قريش، فإذا هو بقومٍ بيض ثيابهم، صافية ألوانهم، كثير ضحكهم، يشيرون بأصابعهم إلى من يمرٌّ بهم، ثم مرّ بمجلسٍ للأوس والخزرج، فإذا أقوام بُليت منهم الأبدان، ودقّت منهم الرقاب، واصفرّت منهم الألوان، وقد تواضعوا بالكلام.

فتعجّب علي، عليه السلام، من ذلك، ودخل على رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: بأبي انت وأمي...! إني مررت بمجلس لآل فلان ثم وصفهم، ثم قال:

وجميعٌ مؤمنون، فأخبرني يا رسول الله بصفة المؤمن.

فنكس رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، ثم رفع رأسه وقال: عشرون خصلة في المؤمن فإن لم يكن فيه لم يكمل إيمانه؛ إن من أخلاق المؤمنين يا عليّ: «الحاضرون الصلاة، والمسارعون إلى الزكاة، والمطعمون المساكين، الماسحون رأس اليتيم، المطهّرون أطمارهم، المتّزرون على أوساطهم، الذين إن حدّثوا لم يكذّبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا تكلّموا صدقوا، رهبان بالليل أسدٌ بالنهار، صائمون النهار، قائمون الليل، لا يؤذون جاراً، ولا يتأذى بهم جارٌ، الذين مشيهم على الأرض هون، وخطاهم إلى بيوت الأرامل وعلى إثْر الجنائز، جعلنا الله وإياكم من المتقين».

هذه هي صفات المؤمنين الحقيقيين، فهل نجدها في المسؤولين الذين يدعي معظمهم أنه خريج المراكز الاسلامية ويحمل الثقافة والفكر الاسلامي؟

 

  ما يتوقعه الشاب من المسوؤل

إن الشباب اليافعين من طلبة المدارس والمعاهد والجامعات لا يتوقعون الكثير من المسؤولين، سوى نوع من الرعاية والاهتمام، حتى وإن كان بالشكل المعنوي منه.

فالنائب الذي وصل الى قاعة البرلمان وحجز له مقعد العضوية وحظي بالامتيازات والامكانات، هل سنحت له الفرصة يوماً أن يلتقي يوماً بشاب من طلبة الاعدادية، والتحدث اليهم عن هموم الدراسة وامتحانات «البكلوريا» وطموحاتهم نحو الجامعة وغير ذلك؟ وهل التقى بجمع من طلبة الجامعة وأصغى لهم، وعرف اهدافهم وطموحاتهم؟

ان القيام بجولات تفقدية من هذا القبيل واللقاء بالشباب، يمثل نقلة نوعية في العلاقة بين المسؤول والشعب، لاسيما الشباب، فاذا حصل الشباب على الدفع المعنوي وتعززت لديهم الثقة بالنفس، فان ذلك ينعكس على المجتمع، لانهم سيتحركون بقوة واندفاع نحو الدراسة والعمل والابداع.

من جهة أخرى يجدر بالشباب أن يواصلوا طريقهم رغم الصعاب، بغض النظر عما اذا شملتهم العناية من المسؤولين أم لا، ولا يكونوا متقاعسين يائسين، إنما يحملون الأمل دائماً في نفوسهم، فمن خلال الشباب تبنى الأمم، فهم بمنزلة العمود الفقري للبلاد، لان أي عمل مرتهن بروح وعزيمة وطاقات الشباب الطموحين لإصلاح الوضع المتردي.


ارسل لصديق