دور التطوير والتحديث في نجاح المهمة التبليغية
كتبه: الشيخ ماجد الطرفي
حرر في: 2015/08/27
القراءات: 715

إن قضية التبليغ واحدة من القضايا الأساس في حياة المجتمع، وهي لا تختص بحقبة معيّنة دون سواها فالتبليغ الذي عبّر عنه القرآن الكريم بكلمات مثل «البلاغ»، و»البيان»، و»التبيين»، وغيرها، هو من جملة واجبات الأنبياء، والعلماء، والمفكرين، والمصلحين. و»التبليغ» في اللغة؛ «الإيصال».

فما هو الشيء الواجب إيصاله؟ إنه إيصال الحقائق والمعاني إلى أذهان وقلوب المخاطبين، تلك المعاني التي يؤدي الجهل بها إلى الضرر والخسران. وهذا ما يرفع من قيمة التبليغ؛ إذ تكون له صفة إنسانية. فالتبليغ الذي أمر به الإسلام، وحرص عليه علماء الإسلام على امتداد التاريخ، له صبغة إلهية، فهو رسالة السماء الى الارض، ورسالة الحضارة والتقدم الى الانسانية، فلابد من الصدح بها؛ ﴿...لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ.

ولمن يلاحظ الساحة الثقافية يجد أن وسائل الاعلام والتواصل المتطورة، كلها تؤدي دوراً أقرب ما يكون الى «التبليغ» لرسالتها الخاصة، وهو ما يحظى بجذابية كبيرة لدى عامة الناس. بيد أن الحقيقة؛ فان أيّاً من هذه الوسائل، مهما أوتيت من تقنية ومهنية ومهارات فنية، لا تسد مسدَّ «التبليغ الرسالي»، وإن كنا لا نلغي دور وسائل الاعلام المتطورة، إلا أنها أيضاً لا تغني عن التبليغ بأسلوبه وطريقته الخاصة، وهي مدار بحثنا، حيث من المهم أن يجلس المرء الى جانب اخوانه المؤمنين في مكان واحد، كأن يكون مسجداً او حسينية، لإحياء مجالس الذكر والوعظ الديني والبحوث الثقافية والفكرية التي تُعقد بشكل منتظم يومياً، او خلال المناسبات، وفي هذه المجالس يبين الخطيب (المبلغ) باسلوبه الخاص، طريقة اتباع المعارف الإلهية، وينصحهم ويشرح لهم الأخلاق الفاضلة ويرشدهم إلى الصراط المستقيم، إذ تلتقي خلالها بين المتحدّث والمخاطب، الأنفاس والنظرات. وعلى الأوساط العلمائية والحوزات العلمية المباركة أن لا تفرّط بهذه الاجواء، بأي ثمن كان، بل يدركون أهمية هذا التبليغ، فمن الواضح؛ مهمة التبليغ، إيصال رسالة الإسلام إلى القلوب، وبالتي هي أحسن، ومن خلال الوسائل والطرق الناجحة، مستفيدين من الحديث الشريف عن الامام الصادق، عليه السلام: «كونوا لنا دعاتاً صامتين» أو غيره من الوسائل.

 

 توسيع دائرة التبليغ

في الظروف الراهنة، على الحوزة العلمية في كل مكان، الاستفادة من الأرضية المهيأة لتبليغ رسالة الإسلام، وإيصال صوت أهل البيت، عليهم السلام، إلى أقصى نقط في العالم، وذلك من خلال توسيع دائرة عملنا التبليغي أكثر من السابق.

فثمة فرق بين اليوم الذي كانت فيه دائرتنا التبليغية عبارة عن جلسة تضم خمسين أو مئة أو خمسمائة شخص، في أقصى حد، وتنعقد في مسجد ويتحدث فيها عالم دين بصفة إمام جماعة أو خطيب، وبين يومنا الحاضر، حيث ينتظر الناس نشاطنا التبليغي في كل نواحي البلد والمجتمع. فكم يوجد من الشباب المتلهفين لمعرفة شيء عن الدين! وكم من الأفراد المتعلمين وذوي العلم والثقافة، من الذين كانوا حتى فترة طويلة، منفصلين عملياً عن الدين والثقافة الدينية، واليوم يرغبون بفهم تفاصيل عن الدين وأحكامه ونظامه العام في الحياة.

من جهة أخرى فان البعض يتصور أن التبليغ للإسلام إنما يتم من خلال التوجه إلى الشعوب غير المسلمة، والتي لم تطّلع على الإسلام بعد، والقضية لا تتعدى أن يقوموا بعرض الإسلام على تلك الشعوب، وإطلاعهم على ما فيه، أو دعوتهم إلى التبصّر بنور الاسلام. بلى، هذا يعد أحد اهداف التبليغ للإسلام، لكنه ليس الجانب الأهم فيه؛ إنما الأهم هو ذلك التبليغ الذي يتم داخل المجتمعات الإسلامية بهدف إزالة الشبهات والاستفهامات عن كثير من الامور التي يخوض فيها المسلمين عن جهل، ونراهم يتخبطون في الاحكام والافكار، وهذا ما تقوم به بعض المؤسسات الدينية بإرسال المبلغين إلى بلاد مختلفة في أنحاء العالم، كأفريقيا، وأقاصي آسيا، وإلى مناطق أخرى، في سبيل أن يجعلوا الناس يؤمنون بالاسلام، وينطقون بـ»لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله»، هذا في الوقت الذي نرى أن كلمة «لا إله إلا الله» غير مطبقة في البلاد الاسلامية ذاتها. ولطالما يسود الشرك بالله وباشكال ومظاهر مختلفة، مثل اتباع الحاكم الظالم والسكوت عليه واتخاذه ولي النعمة والأمر بحيث يمنع الكلام ضده. وكما يقول الشاعر: «طبيب يداوي الناس وهو عليل».

 

 تنويع وتحديث الوسائل

من هنا تبدو الحاجة ملحّة اليوم الى تنويع الأساليب التبليغيّة باختلاف وتنوّع الظروف والمستجدات على صعيد الزمان والمكان، بهدف الوصول أسهل وأسرع الى شريحة أوسع في المجتمع، وهنالك فرص جيدة لتنويع الاساليب والطرق منها:

1- التحرك على رياض الأطفال وتقديم الافكار الجميلة ذات البعد الانساني من خلال قصص مبسّطة ومعبرة، تتناسب وقدرتهم الذهنية، وإعداد سيناريوهات مبسّطة لمسرحيّات قصيرة تجسد قصص الأنبياء وأبنائهم، وما جرى لهم.

2- إشراك الشباب الطامحين الراغبين باختبار هوايتهم في فن التمثيل المسرحي الذي يمكن ان ينقل الكثير من الافكار القرآنية، وذلك بحضور أولياء الأمور والمشرفين والمسؤولين، وهو ما من شأنه ان يضخ قدراً كبيراً من الثقة والاعتزاز في النفوس، ثم يقوي العلاقة بالقيم والمبادئ. ولا بأس بتنظيم فرق الإنشاد والتمثيل ومختلف انواع الفن، من خط ورسم ومهارات أخرى، ثم تثمين الجهود وتكريم المتفوقين والمبدعين بجوائز قيّمة.

كل ذلك وغيره، يكون باشراف ورعاية من المبلغين، من خطباء وعلماء عاملين في اوساط المجتمع، في جميع زواياه، من مدارس وجامعات وأسواق ودوائر حكومية، وكذلك المساجد والحسينيات.

3- حريٌ بالمبلغين في هذه المرحلة بالذات، الاهتمام بلغة الحاسوب والاستفادة ما أمكن من الشبكة العنكبوتية (الانترنت)، من خلال دورات تأهيلية للمبلغين، وجعل الحاسوب والإنترنت جزءاً من المنهج الدراسيّ في حوزاتنا ومعاهدنا ومدارسنا. وإنشاء مواقع للثقافة الدينية والتعريف بالاسلام وما يقدمه للانسان والحياة بشكل عام، وياحبذا، لو يكون لكل مسجد صفحة خاصة به على النت، يقدم المقالات والمشاركات عن مختلف الامور، وهو ما من شأنه ان يجيب على كثير من الاسئلة، ويزيل الغموض عن كثير من القضايا الفكرية والاجتماعية، وذلك باسلوب هادئ ومتوازن يحترم آراء الجميع.

4- إقامة مراسيم الابتهاج والفرح في الاعياد، مثل عيد الاضحى، وعيد الفطر، وعيد الغدير، والمبعث النبوي الشريف، والمناسبات الاخرى المتعلقة بالمعصومين، عليه السلام، بهدف نشر تراث وثقافة أهل البيت، عليهم السلام، والتعريف بمآثرهم ومواقفهم وسيرتهم في الحياة.

ومن هذه المظاهر البهيجة، بالامكان تكريس النموذج المطلوب للاحتفال والابتهاج البعيد عن الابتذال والممارسات الماجنة المخلّة بالآداب العامة والاخلاق الاسلامية. بل حتى التذكير بخطورة بعضها، مثل الألعاب النارية وإطلاق المفرقعات وزيادة رفع صوت المكبرات وإزعاج الجيران، وغيرها من الاعمال التي تقدح بالمناسبات البهيجة وتخرجها عن إطارها المطلوب.

 

 المضمون التبليغي

للمضمون التبليغي أهميّة قصوى في العمليّة التبليغيّة، لان كل ما موجود من فعاليات وأعمال، انما هو ظاهر القضية، يبقى الجوهر المسألة وما تحمله هذه الفعاليات من رسالة وأهداف هو الأهم، وهو ما يجب ان يدركه المخاطب من ابناء المجتمع، ويمكن الاشارة الى ما يلي:

أولاً: ايجاد حلقة الوصل بين المبلِّغ والناس.

ثاثياً: كونه يُشكّل العنصر الأهمّ في البناء الفكريّ والثقافي.

ثالثاً: كونه العنصر المباشر الذي يرتبط بمبدأ الهداية والتزكية، ويشكل المقياس الذي يحدد ميزان صلاح المجتمع أو فساده.

 

 إعداد المضمون التبليغي

يجب قبل المباشرة بإعداد المضمون التبليغيّ، بغض النظر عن حجمه ونوعه، مراعاة عدة أمور أهمّها:

1- نوع المناسبة، و المكان، والوقت، فهذه عناصر لها ارتباط وصلة بإعداد المضمون، إذ معرفة المناسبة، ومكان عرض أو تقديم المادة، والوقت المحدّد لها، يرتبط بالتخطيط الأولي للمضمون، وتنعكس على تفاصيل المضمون أيضاَ.

2- معرفة الجمهور والمخاطب؛ حيث يجب أن تكون لدى المبلّغ فكرة عامّة عن خصائص من يستمعون إليه؛ متوسّط أعمارهم، ومستوى تعليمهم، واتجاهاتهم نحو موضوع الحديث، وحجم هذا الجمهور. فقد تختلف قدرة الناس على الفهم تبعاً لمستوى وعيهم وتعليمهم؛ فحديثك عن الصلاة والاحكام العبادية، أو التوحيد والمسائل العقائدية - مثلاً- لمجموعة من الأطفال دون الثامنة، يجب أن يختلف عن حديثك عن ذات الموضوع لطلاب في نهاية المرحلة الثانوية. والاختلاف يكون عادة في المفردات وطريقة الطرح والمعلومات الّتي تقدّمها.

3- الاتّجاهات؛ فإذا كنت تتحدّث في موضوع جدلي، عليك أن تعرف اتّجاه جمهورك نحوه؛ هل يميل معظمهم إلى وجهة نظرك أم لا؟ فإذا كان الاحتمال الثاني، فالمبلّغ مطالب يتقديم المزيد من الأدلة والمعلومات لإفادة المستمعين.

4- الحجم؛ تتطلّب المجموعة الكبيرة من الحضور، حديثًا أكثر رسمية من المجموعة القليلة العدد. والحديث لمجموعة كبيرة قد يكون من على المنبر أو المنصّة، بينما يمكن أن تتحدّث مع مجموعة صغيرة وأنت جالس في مقعدك، هذا بالإضافة إلى أثر حجم الجمهور في الأسلوب العامّ لإلقائك.

 

 بين إفساد المجتمع‏ وإصلاحه

إن العلماء في أي مكان كانوا، وحيث إن الناس تتطلع إليهم، من الطبيعي أن يتركوا تأثيرهم على الناس شاؤوا ذلك أم أبوا. فإذا كانوا صالحين فإن الناس سيتجهون نحو الصلاح، وإن كانوا غير ذلك، فإن الناس سيبتعدون عن الصلاح، وينزلقون نحو الفساد. والسبب في كون هذه الشريحة من «العلماء»، ومن الذين يمتلكون العلم والمعرفة والحقائق اكثر من غيرهم. لذا تقع عليهم مسؤولية ادارة الوضع الثقافي والفكري في المجتمع.

مثال ذلك؛ رئيس الدائرة، فانه محط أنظار جميع الموظفين والعاملين، فإذا كان صالحاً وأميناً، فإن ذلك سيؤثر فيهم تلقائياً، وذلك بسبب توجههم وتطلعهم إليه. وإذا ما أرادوا القيام بعمل خاطئ فإنهم يقومون به بشكل خفي ودون أن يلتفت إليهم أحد، ومع مرور الزمن فإنهم سوف يصبحون صالحين. وأما إذا كان رئيس الدائرة -لا سمح الله- رجلاً غير نزيهاً وفاسداً ولا يمتلك اليد النظيفة، فإن أعمال الاختلاس واللصوصية سوف تنتشر بشكل تلقائي وعفوي بين الجميع. وهكذا الامثال تجري على مستويات عديدة، تصل الى رئيس وقائد البلاد.

من هنا؛ يجب على المبلغين أن يتحلّوا بالصفات والخصال الحسنة، بل أن تكون أنفسهم قريبة من الملكوت، وتكون خالية من العلائق والقيود الدنيوية، وأن يفكروا بإصلاح أنفسهم وتزكيتها أولاً، من أجل مستقبل الإسلام والمجتمع، فإذا زكوا أنفسهم، فإن المجتمع سيكون مهذباً.

إن جميع المفاسد والانحرافات التي نشهدها في بلادنا، ناشئة من فساد الطبقة المتعلمة والمثقفة، فعندما تتجه الى المصالح الضيقة وتنصاع لأهوائها ومصالحها الشخصية، وتهادن هذا، وتتزلف لذاك، تحت تأثير الوعود أو الخوف على المنصب والامتيازات، فمن الطبيعي أن لايجدوا آذاناً صاغية لهم حتى وإن جاؤوا بأعظم الافكار وأنبل القيم والمفاهيم، لانها موجودة في بطون الكتب، وليست ملكاً لأحد، إنما تنتظر من يطبقها على أرض الواقع. 


ارسل لصديق