جذور التطرّف والتكفير في تاريخ الأمة، الأسباب والحلول
كتبه: حيدر الرماحي
حرر في: 2015/08/30
القراءات: 1205

حينما تحمل بيدك حجراً لتضرب به الثمار التي لا تتمكن من الوصول إليها فذلك بداية التطرف، لأن من حق الأشياء عليك أن تعاملها بلطف وعناية، وأن لا تنسى أنك إنسان، لديه قيم ومبادئ سامية.

 

 الجذور في الجاهلية الاولى

لقد كان مجتمع الجزيرة العربية قبل مجيء الإسلام، مجتمعاً يتصف بعدة صفات عنصرية وقبلية وبدوية، وأن الواحد منهم كان يعتقد أن نسبه أرقى الأنساب وأعلاها، حتى ظهرت عندهم المفاخرات بين القبائل، وابرز مثال على ذلك المفاخرة بين العدنانيين-عرب الشمال-والقحطانيين-عرب الجنوب-. وكانوا ينظرون إلى المرأة نظرة احتقار واشمئزاز، حتى غدت عندهم مسلوبة الحقوق، وأهمها حق الحياة، ومحرومة من قيمها الإنسانية وابرز دليل على ذلك ما ذكره القرآن الكريم حيث قال تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} (سورة التكوير،8-9). فلم يكن عرب الجاهلية يخضعون لسلطة حكومية غير سلطة رئيس القبيلة. وحينما جاء الإسلام، رفض كل ألوان الظلم والتخلف. فقد رفض أي أنواع التفاضل العنصري وأكد أن معيار التفاضل هو التقوى. إذاً؛ فالتطرف حالة فكرية لها وجود تاريخي عند العرب قبل مجيء الإسلام. ولعل القضية تعود إلى أبعد من ذلك فمنذ خلق الله الخلق، وحدثت حادثة أولاد أبينا آدم، عليه السلام، سجل لنا التاريخ في سجلاته أول حادثة قتل للإنسان على وجه البسيطة. حينما قتل الأخ أخاه.

 

 الإسلام ورصد الحركات الأولى للتطرف

إنّ الواقع المتردي الذي كان عليه عرب الجاهلية وطبيعة حياتهم الاجتماعية المتوحشة، ترك آثاره في نفوس الكثير منهم، لذلك وبما كان يملكه رسول الله، صلى الله عليه وآله، من ذهنية كبيرة تسير بهدى الوحي ونور العقل، استطاع أن يشخص واقع المسلمين وأن يقرأ ماضيهم المملوء برواسب الجاهلية العمياء. وعلى هذا الأساس فقد حذر رسول الله، صلى الله عليه وآله، المسلمين من الحزب القرشي ورجالاته الذين لا يريدون للإسلام والمسلمين خيرا. لهذا فقد اعتلى الحزب القرشي الصدارة في تطرفه وحربه ضد القيم والمبادئ الإسلامية. وقد ترجموا تطرفهم الفكري إلى عنف مادي في كثير من المراحل. ولا شيء أدل على ذلك من محاولاتهم العديدة لاغتيال الرسول، صلى الله عليه وآله، ومن جانب آخر كانت الأيادي الخارجية تفعل فعلها عبر بث أفكارها الفلسفية ونشرها بين المسلمين فكان «النصارى واليهود والفرس والفلاسفة اليونان، وبالرغم من أفكار هؤلاء تتداخل وتتفاعل في كثير من الأحيان إلاّ أنها قد تتميز عن بعضها في التفاصيل مما يدل على تأثيرها جميعاً في ثقافة المسلمين»(1). ثم تلا ذلك بروز بعض الفرق كالمرجئة والقدرية وقد ذمّها رسول الله، صلى الله عليه وآله، وحذر منها الأمة الإسلامية قائلاً : «صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية»(2).

 

 التطرف في مرحلته الثانية

بعد وفاة رسول الله، صلى الله عليه وآله،. ظهر إلى العلن ما كان مخفياً طيلة السنين الماضية، وبرزت إلى السطح النوايا الخبيثة عند البعض، في حبها للزعامة وعشقها للسلطة وإمرة المسلمين، فحدث ما حدث في سقيفة بني ساعدة، وانحرفت اهداف الرسالة عن خطها الإلهي حينما تبناها الإنسان الظلوم الجهول. ولا أود التركيز على أسباب هذه الحادثة ولا حشد الأدلة على أحقية جانب دون آخر. بقدر ما أُريد الإشارة إلى رصد هذه الحادثة كإحدى علامات التاريخ الفارقة التي سجل فيها الإنسان أعلى درجات العنجهية والأنانية وحبه للدنيا وزبرجها. وهذا يدل على فشل هؤلاء في استيعاب التعاليم النبوية الرامية لتهذيب النفوس، وعلى عدم إيمانهم الحقيقي بهذه التعاليم والسعي للاهتداء بهدى الوحي وأحكام الرسالة. حيث لم يتمكن هؤلاء من التخلص من جذورهم التاريخية المنتمية إلى ذات البيئة المتطرفة التي أفرزت الحزب القرشي ورجالاته. «فحينما حازت قريش السلطة واعتلت ذرى الهياكل الإسلامية الحساسة واجهت مجموعة من المصاعب؛ إذ هي تمثل الإسلام في وجهه السياسي والعقائدي والشرعي، فالشرع شرع أبي بكر وعمر وعثمان و...، والسياسة سياسة هؤلاء، والعقيدة لا تعدو عقيدة هؤلاء، وما سيرة الشيخين، وضرورة التعبد بها إلاّ تطبيق حيّ لما قلناه» (3)

 

 ظهور الاتجاهات الفكرية المنحرفة

في ذات المرحلة السابقة نمت وتوسعت بعض الاتجاهات الفكرية في الامة، كنتيجة طبيعية إزاء مختلف القضايا والمسائل الدينية والأحداث السياسية. فبرزت مذاهب وفرق تتباين في أفكارها ومعتقداتها وقد تختلف حتى فيما بينها- داخل المذهب الواحد - على بعض المسائل الفقهية أو الكلامية والفلسفية. فظهرت فرقة الخوارج في النصف الأول من القرن الأول الهجري، عملوا على تكفير المسلمين وأفتوا بكفر الخلفاء كعثمان بن عفان، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، عليهما السلام، رغم الفارق بينهما. وقد عالج الإمام أمير المؤمنين، عليه السلام، هذه الظاهرة بحكمته وأخلاقه العالية، فناقشهم وحاول أن يقنعهم بخطأ تفكيرهم، فأثمرت محاولاته عن رجوع مجموعة كبيرة منهم الى رشدهم، ولكن بقي منهم آخرون، وحينما استفحل أمرهم وقاموا بقتل الأبرياء، اضطر الإمام، عليه السلام، لمحاربتهم. وبعد ذلك ظهرت فرق أخرى لديها انحرافات فكرية كّونت مدارس علمية ذات اتجاه خاص كالمعتزلة والاشاعرة وغيرهما.

تأثير هذه المدارس على المسرح الفكري للمسلمين، أنهم تكلموا بالصفات الإلهية كالقضاء والقدر والعدل، فأحدثوا نقاشاً طويلاً في علم أصول الدين (علم الكلام)، واستحدثوا طرقاً جديدة لفهم النص الديني واستنباط الأحكام الشرعية كالقياس والاستحسان وغيرهما، ووضعوا نظريات تبرر لهم موقفهم الداعي إلى التمسك بقول جميع الصحابة كنظرية «عدالة الصحابة».

 

 التطرف القديم في ثوبه الجديد

من أعجب المفارقات الواقعية هو أن يُقتل الجميع تحت شعارٍ واحد، أن يُقْتَلَ الدين في محراب العبادة، وأنّ يذبح الإسلام في بيداء الوجود. والأغرب من كل ذلك ان يُهدّم بيوت الله رجل ينتمي للإسلام ديناً وعقيدةً، بينما تأتي طالبة من دولة غربية لتناصر الفلسطينيين الذين يختلفون معها في الدين والجغرافية واللغة والقومية ولتقف أمام جرافات الاحتلال الإسرائيلي وتقدم حياتها ثمناً لهذا الموقف الانساني الكبير. لم يكن ذلك الموقف ردة فعل اتجاه فتوى سمعتها من احد رجال الدين، إنما أخرجها إحساسها الفطري بالالتزام الأخلاقي اتجاه المظلومين في العالم.

إذن؛ المشكلة تكمن في طريقة فهم الدين، وليس في الدين نفسه، وهذه هي المشكلة المستعصية منذ صدر الاسلام وحتى اليوم. فبالأمس استخدم الخوارج شعار «لا حكم إلا لله»، لتبرير قتل أمير المؤمنين، عليه السلام، ومن معه، واليوم هو ذات الشعار الذي يستخدم أيضاً لقتل المسلمين الأبرياء.

إنّ الأفكار الهمجية التي بسببها تم تكفير أمير المؤمنين، عليه السلام، الذي يمثل الإسلام الحقيقي في الأمة، هي نفسها التي تم تكفيرنا بسببها. بمعنى أن التوجهات الفكرية في الأمس واليوم، هما وجهان لعملة واحدة، وذلك للصلات الوثيقة، والتشابه الكبير بين آراء وشعارات الخوارج، وشكل ونمط الحياة عندهم وبين آراء وشعارات وشكل ونمط الحياة لدى الوهابية، ولا سيما بالنسبة لتشددهم على المسلمين، واعتبارهم كفاراً، ثم تساهلهم مع غير المسلمين والانسجام التام بينهم وبين قوى الاستكبار العالمي. وبعد ذلك لا أشك أبداً في أنّ العقل السلفي - الوهابي صنع بأيادٍ خارجية (خارج الدائرة الإسلامية) وكذلك في رسم منهجهم التعبدي بجميع النصوص. القائم على فهم القرون الأولى.

هنالك أسباب عديدة أدت بالمسلمين الى سلوك طريق التطرف والتكفير، نذكر منها ما يلي :-

1- الابتعاد عن ثقافة الوحي الإلهي؛ ثقافة الأخلاق والتسامح والرأفة والمحبة واحترام الآخرين. التي تمثل المقاصد العليا في الشريعة الإسلامية.

2- ترك التمسك بالعترة، كونهم عَدل القرآن وترجمانه، كما أشار إلى ذلك حديث الثقلين.

3- عدم قدرة البعض منهم على التخلص من جذور الجاهلية ورواسبها المتأصلة في نفوسهم.

4- انحراف نفوس البعض نحو حب السلطة والجاه.

5- الدور السيئ الذي قام به فقهاء السلطان، وما أحدثوه من وضع الأحاديث وتحريف الروايات، مما حدا بالكثير منهم أن يوظفوا النص الديني لصالح الحاكم الجائر، واختراع روايات تحرم الخروج عليه، و»...إن جلد ظهرك وفعل كذا وكذا...»! وغير ذلك مما لا يقبله الضمير الإنساني والوجدان الحي.

6- الاختلافات العقائدية بين الفرق الإسلامية، هي الاخرى تسببت في تشنج العلاقة بين شرائح الامة، فتطرف كل فريق لصالح أفكار فريقه. وقد يترجم بعض هذا التطرف إلى سلوك عنيف كما حصل مع الخوارج، وما يحصل اليوم من الجماعات التكفيرية.

7- الفهم الخاطئ للنص الديني، أدى إلى ظهور التطرف في كثير من الأحيان. مثلاً الفهم الخاطئ لمفهوم السجود على التربة، دعاهم إلى وصف هذا الفعل العبادي (بالبدعة) وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وبالتالي فاعلها كافر يستحق نار جهنم. أو أن من يفعل ذلك فقد ارتد والمرتد يجب قتله!

8- الوهم النفسي بامتلاك الحقيقة المُطقلة، وكل من خالفهم فهو كافر، و زنديق يجب قتله.

9- تقديس الآخرين مما يفضي إلى عدم نقدهم والإلتزام المبرر بأفكارهم مهما كانت. هذه بعض الأسباب وكل سبب له جذوره التاريخية القديمة.

أما الحلول لمسألة التطرف، فهنالك افكار ومقترحات يمكن ان تكون مفيدة وعملية:

1- وضع القوانين الرادعة من قِبل الدولة اتجاه مختلف ألوان التكفير، قد تصل عقوبتها إلى الإعدام. في حال الإفتاء بتكفير الآخرين أو إباحة دمائهم و إعراضهم، مهما كان المُفتي من أي جهة أو طائفة.

2- العمل وفق المشتركات الدينية والاجتماعية بين المذاهب المختلفة. فنتعاون ونحترم بعضنا فيما نتفق فيه ويَعذر بعضنا بعضاً، فيما نختلف فيه.

3- العمل وفق القاعدة القرآنية؛ {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}.(سورة الحجرات،10) فهذا المفهوم الإنساني، خير جامع بين بني آدم، وقد قال أمير المؤمنين: «الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق». وقد أُعتُبِر هذا النص احد مصادر التشريع الدولي بعد التصويت عليه من قِبل اللجنة القانونية في الأمم المتحدة.

4- تهذيب المناهج الدراسية من الأفكار المتطرفة، والاتجاه صوب الأفكار الإنسانية والاجتماعية لبناء الذات السليمة.

5- العمل على توجيه الإعلام بكل أنواعه المرئي والمسموع والمقروء، نحو مفاهيم التسامح والرأفة والرحمة وحب الآخرين واحترام الآخر.

6- عمل ورشات عمل مشتركة بين الحوزات العلمية والجامعات لردم الهوة الكبيرة بين الجانبين، والخروج بنتائج تستوعب طلبة الجامعات وتعرّفهم بأصول دينهم لضمان عدم التشظي بالأفكار الطلابية داخل الجامعة.

7- إقامة ندوات الحوار للتقريب بين المذاهب الإسلامية.

8- التشجيع على إقامة مؤسسات المجتمع المدني بعد دعمها من قِبل الدولة للقيام بدورها الإنساني والاجتماعي داخل إطار الضوابط الحكومية.

-------------

(1) العرفان الإسلامي، السيد المرجع المدرسي (دام ظله):ص20.

(2) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 5: ص7.

(3) الرسول المصطفى ومقولة الرأي، باسم الحلي:316.


ارسل لصديق