المساواة في ظل دولة القانون والمؤسسات
كتبه: العلامة الشيخ محمد علي المحفوظ
حرر في: 2015/08/30
القراءات: 1221

دائماً ما كانت قضية المساواة بين الناس عبر العصور تمثل تحدياً كبيراً أمام المجتمعات البشرية حيث إن المشكلة تكمن عندما يعطي البعض من الناس لنفسه الحق أن يتميز على الآخرين من أبناء مجتمعه، أو الناس بصورة عامة، وقد يجعل لذلك غطاءً وتبريراً من خلال الجنس أو اللون أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة وهكذا. ومن الطبيعي أن تؤدي هذه النظرة في التمايز عن الآخرين إلى حالة من التفضيل والتمسك بالامتيازات والخصوصيات التي تعطيه الحق في الاستئثار والهيمنة والاستفراد التي يراها البعض حقا طبيعياً وربما مشروعاً وهو ما يؤدي إلى نشوء حالات من النزاع والتصادم وعدم الاستقرار في كثير من المجتمعات التي عانت من هذه الحالة.

 

 الإسلام والرؤية التقدمية 

حاربت الأديان السماوية هذه النزعة البشرية السيئة عدّتها حالة سلبية من شأنها أن تؤثر في البناء الاجتماعي والاستقرار البشري، وفي قبالها رسخت المفاهيم الدينية، الحالة الأخلاقية والسلوكية التي تدعو إلى النظر للناس من خلال نظرة إيجابية تقوم على أساس التعارف والتواصل والاحترام، بدلاً من الشك والريبة والخوف.

وفي هذا الشأن يطرح القرآن الكريم رؤية سامية ومتقدمة في بناء نمط راق من التفكير، فيقول ربنا عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (سورة الحجرات/13).

 

 المساواة في بلادنا «حبرٌ على ورق»

وقد أسهمت التطورات الاجتماعية والسياسية بعد عقود من الصراع المرير من أجل تحقيق المساواة، في تقديم الكثير من النظريات والأطروحات التي تدعو إلى تحقيق المساواة وعدّها ركناً أساسياً في بناء المجتمعات الحديثة، وعنصراً ضرورياً من أجل بناء الدولة الحديثة المعاصرة التي ترى حق الناس في أن يعيشوا في حالة من المساواة والتكافؤ في الفرص، واعتمدت الدول المعاصرة في ذلك المساواة كمادة رئيسية في دساتيرها، وجعلت ذلك من مظاهر التميّز في سياساتها وإعلامها وبرامجها على طريق التنمية والنهوض بمجتمعاتها.

وقد يكون من الصعب أن تجد دستوراً لدولة متقدمة أو حتى متخلفة لا يتبنى قضية المساواة كمادة رئيسية في بنوده، ولكن المشكلة تكمن دائماً في التطبيق العملي على أرض الواقع.

وعلى الرغم من أن الدستور البحريني واضح في التعامل مع هذه القضية، وقد نصت مادته الثامنة عشرة، على تساوي المواطنين لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة، ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة، إلا أن الناس يرون أن هذا الأمر في كثير من الأحيان، هو مجرد حبر على ورق، عندما يرتبط الأمر بالتطبيق على أرض الواقع، وقد كشفت الكثير من التقارير والحقائق هذا الأمر، عندما تم الحديث واستعراض حقائق مذهلة فيما يرتبط بالسيطرة والتصرف بأملاك الدولة وتملك السواحل القديمة والجديدة ومسألة السيطرة على أراضي البلد ومسألة ضعف الأجور وتدني الحالة المعيشية عند الناس وقضية التمييز في الوظائف والامتيازات والحديث يطول... ولو كان الأمر مجرد ادعاءات ليس لها دليل، لكان الأمر مختلفاً، ولكن المدهش في الأمر أن هناك أدلة دامغة من الحقائق بالأرقام والوثائق كشف عنها أعضاء المجلس النيابي؛ معارضة وموالاة، حتى لا يكون هناك شك في تحيّز البعض أو تشدده إضافة إلى ما كشفت عنه الصحافة في تقارير متعددة بين فترة وأخرى.

إن دولة القانون والمؤسسات، تعمل على احترام حق الناس في الحياة، أعزاء في ظل حياة حرة وكريمة، فلماذا نجعل الناس ضعفاء، لا حول لهم ولا قوة؟ ولماذا نجعل الناس يتسولون و»يستجدون» عيشهم وسكنهم بينما الأراضي موجودة والأموال متوفرة؟ ولماذا نجعل الناس يزحفون على ركبهم استجداءً لمسكن أو للحصول على وظيفة أو راتب مجزٍ يضمن للناس عيشاً كريماً وعزيزاً؟

إننا بحاجة لقيام الدولة التي يفتقدها الناس في حياتهم اليومية ويفتقدها الوطن في نهضته وتنميته. بحاجة لدولة القانون والمؤسسات ليس في الدساتير فحسب، وإنما على أرض الواقع والتطبيق العملي.

---------

* أمين عام جمعية العمل الاسلامي في البحرين.

يقضي حالياً فترة سجن مدى الحياة بحكم جائر.


ارسل لصديق