«فوضى خلّاقة» لدول فاشلة!
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2015/09/19
القراءات: 632

في وقت متقارب مع إعلان نظرية «الفوضى الخلاقة» على لسان وزير الخارجية الاميركية، كوندي ليزارايس، عام 2005، كانت هنالك تصريحات في دعم ومساندة الخارجية الاميركية لمئات من المنظمات والجماعات في دول المنطقة لتحقيق أهداف عديدة، خصّت بالقول منها: «الأقليات الدينية» و «المرأة»، الى جانب المطالبة بالحريات وإعادة الحقوق.

وفيما كانت الحكومات في دول المنطقة، تقضي آخر سنواتها العسلية، نهباً واختلاساً وانتهاكاً للحقوق والكرامات، كانت ثمة مراكز اميركية، وربما غربية ايضاً، تعمل على تدريب وتأهيل العشرات من الافراد الشرق أوسطيين، ليكونوا الدعاة الى الحرية والكرامة والحقوق، وبشكل عام، لما تطمح اليه شعوبهم، وهو الشعار الذي طالما يدغدغ مشاعر شريحة من الشباب المثقف والباحث عن دور حقيقي - ربما وبصدق النية- في اوساط مجتمعه وشعبه، من خلال تنظيم التظاهرات والاعتصامات وغيرها. بيد أن هبوب رياح «الربيع العربي» كشفت حقيقة تلك الشعارات التي عجز عن تحقيقها الحكام السابقون، وسقط فيها هؤلاء الشباب، الذين عدوا انفسهم قارب النجاة من الحكومات الديكتاتورية الفاشلة، في حين إن الديمقراطية التي تحدثت عنها «رايس» في تلك الفترة، لم تكن متطابقة مع الصورة الذهنية لدى هؤلاء الشباب، فهي ليست عملية ثقافية تؤسس لعلمية سياسية ثم بناء هيكل الدولة بشكل صحيح.

إنما هي «فوضى» تغرق فيها الشعوب ومعهم الحكام ومن ثم الدول، لـ «خَلق» و ابداع مكسب سياسي وحضاري من نوع جديد لاميركا والغرب بأجمعه.

لا علينا عما تبحث عنه اميركا والدول الغربية وغيرها من القوى الكبرى الطامحة لتحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية، فهذا شأنهم.

إنما الكلام مع الشريحة المثقفة والواعية التي تتابع كل شيء، فهل تحدثت عن مستقبل ما بعد الديكتاتورية؟ وما هي مقومـــات النجـــاح بعد الفشل في ادارة الحكم بمعظم دولنا؟ وبغض النظـــر عن البرامج السياسية او الحديث عن البديل، فهي ليست دائماً معنية بأن تكون بديلاً سياسياً عن التجـــارب السيئة القـــائمة، فهل هي بعيدة عن الاجـــواء الاجتماعية الموغلة في الاحبـــاط واليأس والضياع بسبب الاوضـــاع الاقتصادية والسياسية والامنية؟ وهل يحتاج العاطل عن العمل وسكان العشوائيات والفقراء وكل اصحـــاب المطالب الحقّة، الى أكثر من التظاهر والاحتجاج للمطالبة بحقوقهم؟ هذا الحق مكفول في الاسلام منذ تأسيس أول دولة ناجحة في التاريخ البشري، فقد طالبت المرأة بالزواج حتى لا تبقى عانساً، وطالب الفقير بالمال وفرصة العمل، وطالب هذا وطالب ذاك، في حوادث يمكن مراجعتها في كتب السيرة النبوية، والجميع حصل على مبتغاه من النبي الأكرم، وهو جالس بين أصحابه.

فهل جرى الحديث لهذا الفقير وتلك المرأة عن جدوائية الاسلام، أو فائدة النبوة والاحكام والشريعة اذا كانوا جياعاً أو فقراء؟!

من هذه الثغـــرة الدقيقة تحديداً، نفذ الاميركيون في مجتمعاتنا وتمكنوا اليوم من نشر اليأس والاحبـــاط والفوضى في كل شيء، حتى لم يعد بامكان الانسان، الحديث عن الأمل والايجابيات، حتى وإن كان بين اصدقائه، وكلهم يملك بيتاً وسيارة ومرتباً شهرياً جيداً،لان أصغر مطلب يحتاج لتحقيقه تحطيم كل شيء! نعم؛ يتحدث البعض عن التغيير أو «الاصلاح»، في حين هذا البعض لا يتحمّل استقبال النصيحة والملاحظة البسيطة على سلوكه ومنهجه وتصرفاته، من الآخر.

إن الناس في كل الدول المأزومة، بحاجة الى ثقافة الأمل وتعزيز الثقة بالنفس والايمان بأحقية القيم والمبادئ التي يحملها.

هذه الثقافة، هي التي تمكنه من اختيار النائب والوزير والرئيس الصالح، كما تمكنه من معالجة ظواهر شاذة مثل «الفساد»، ولا يحتاج الى تصفير الدولة من المناصب الرئيسية، مثل رئيس الجمهورية او رئيس الوزراء او رئيس القضاء وحتى المحافظين في المدن وغيرهم، لانه -ببساطة- بحاجة اليهم في ايجاد مصاديق التغيير والاصلاح على أرض الواقع.

وإلا فمن الذي سينصلح ويتغير...؟!

دائماً نتحدث عن مسؤولية علماء الدين والمؤسسات الثقافية في صنع الأمل وخلق الروح الايجابية في نفوس افراد الأمة في كل مكان، الى جانب العمل على الإصلاح والتغيير.

ففي بلادنا الموارد البشرية والثروات المعدنية والعقول والموقع الجغرافي، وقبل هذا وذاك؛ التجربة الحضارية الرائدة التي طالما يسعى الغرب لتغييبها ويستجيب البعض - للأسف - لهذا السعي المشبوه.

واليوم؛ تتبلور هذه المسؤولية أمام المعنيين أكثر من أي وقت مضى، عندما نلاحظ سعياً حثيثاً وخطوات متلاحقة لتنفيذ خطّة «الدول الفاشلة»، من خلال «الفوضى»، ثم «الارهاب»، ثم «الهجرة»، وربما القادم أسوأ وأكثر وطأة علينا.


ارسل لصديق