تاريخ حافل وعطاء متواصل ... بوصلة الاصلاحات والغايات المنشودة و دور الحوزة العلمية
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2015/09/22
القراءات: 737

تُعد المرجعية الدينية والحوزة العلمية الامتداد الطبيعي لمنظومة الامامة والولاية، والتي تشكل بدورها الامتداد اللازم والمترابط لأصل النبوة في أبعادها المختلفة، لاسيما العقائدي والاجتماعي والسياسي، وقد رسم هذا الامتداد الطريقة المثلى التي تنتهجها وتسلكها للتعاطي مع جميع الظروف والاوضاع بما فيها الاوضاع الاجتماعية والسياسية وما يترتب عليه من اتخاذ مواقف اصلاحية وتغييرية تتلاءم مع المراحل كافة.

ومن أجل الإحاطة بمقومات وركائز المشروع التغييري والاصلاحي والتعرّف على بوصلته وغاياته المنشودة التي تتبناه المرجعية الدينية والحوزة العلمية، لابد من تسليط الضوء على أهم الأدوار القيادية التي قام بها الائمة المعصومون، عليهم السلام، في مسيرتهم الرسالية، حيث لخّص البعض ثلاث مراحل تاريخية لهم، عليهم السلام، في قيادة الامة واصلاح المجتمع وهي:

المرحلة الأولى: وهي التي عاش فيها قادة أهل البيت، عليهم السلام، مرارة الانحراف وصدمته بعد وفاة الرسول الاكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، والتي كانت من الممكن ان تمتد وتقضي على الاسلام وعلى الأمة الاسلامية، فتصبح قصة من قصص التاريخ، لا وجود لها على أرض الواقع، فقام الأئمة، عليهم السلام، في هذه المرحلة بالتحصينات اللازمة بالقدر المستطاع، كما في قوله تعالى:{إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}،(سورة هود/ 88).

وقد بدأت هذه المرحلة بعد وفاة الرسول الاكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، واستمرت حتى حياة الامام الرابع من أئمة أهل البيت، عليهم السلام.

المرحلة الثانية: بناء الكتلة الواعية، وقد وُصفت بالمرحلة التي شرع فيها قادة أهل البيت، عليهم السلام، بعد ان وضعوا التحصينات وفرغوا من الضمانات الاساسية ضد حركة الانحراف ببناء الكتلة وبناء الجماعة المنظمة تحت لوائهم، المتعايشة مع كل الحدود و الابعاد والمفاهيم الاسلامية، مسترشدة بإرشاداتهم، مطيعة لأوامرهم، عليهم السلام، حتى تكون هذه الجماعة هي الرائد والقائد والمحامي للوعي الاسلامي الذي حُصن بالحد الأدنى، وهذا الدور مارسه الامام الباقر، عليه السلام، على مستوى القمة، وهذه المرحلة استمرت الى زمن الامام الكاظم، عليه السلام، وفي زمنه، عليه السلام، بدأت المرحلة الثالثة.

المرحلة الثالثة: ظهور الكتلة الواعية بمستوى تسلّم زمام الحكم، ولا تحدد هذه المرحلة بشكل بارز، موقف الحكم المنحرف من الأئمة، عليهم السلام، أنفسهم وذلك لأن الجماعة التي نشأت في ظل المرحلة الثانية، التي وضعت بذرتها في المرحلة الاولى، نشأت ونمت في ظل المرحلة الثانية، هذه الجماعة غزت العالم الاسلامي آنذاك، وبدا للمخالفين ان قيادة أهل البيت، عليهم السلام، اصبحت على مستوى تسلم زمام الحكم والعودة بالمجتمع الاسلامي الى حظيرة الاسلام الحقيقي، وهذا بدوره خلق بشكل رئيسي ردود الفعل لدى المخالفين تجاه الأئمة، عليهم السلام، من ايام الامام الكاظم، عليه السلام، وهذه المرحلة امتدت من حياته، عليه السلام، الى الامام الحسن العسكري، عليه السلام.(1)

وبما أن المرجعية الدينية والحوزة العلمية لاتباع أهل البيت، عليهم السلام. - كما اشرنا سلفاً- هي الامتداد الطبيعي لبحر الامامة والعصمة وما يكنزه هذا البحر من جواهر عقائدية وتربوية واصلاحات اجتماعية وسياسية، فإن عمل و أداء المرجعية يكون وفق ما قام به أئمة أهل البيت، عليهم السلام، من أدوار ومواقف مختلفة، بدءاً من الموقف العلوي، عليهم السلام، وانتهاء بالموقف العسكري، حيث ان مراجع الدين لا تقتصر وظيفتهم على كتابة الرسائل العلمية وادارة شؤون الحوزات العلمية، وان كانت هي من أهم الوظائف، ولكن هنالك مسؤولية مهمة، وهي الترشّح الى مرتبة يكونون قادرين على ان يشخصوا للأمة النمط الصحيح وفق الظروف والمعترك السياسي الحاصل، وما اذا كانت وفق ظروف أمير المؤمنين، عليه السلام، حتى يكون الدور او الموقف علوياً، أم هي ظروف سياسية للإمام الحسن، عليه السلام، حتى يكون الموقف حسنياً، أم هو المعترك السياسي والظروف التي عاشتها الامة في زمن الامام الحسين، عليه السلام، حتى يكون الموقف حسينياً، وهكذا الى آخر قائمة أهل البيت، عليهم السلام.(2)

فكلما اختلفت أدوار ومواقف الأئمة، عليهم السلام، على الرغم من ان هدفهم واحد، كذلك تختلف مواقف وادوار مراجع التقليد- وبالتبع الحوزة العلمية- من ظرف الى آخر، فمنهم من قام وقاوم بشكل مباشر، انظمة الحكم الجائرة في زمانهم، لأنهم رأوا ان هذا التصدي للحكومات الجائرة هو الانسب في ذلك الظرف، ومن أمثال هؤلاء المراجع العظام؛ الشيخ محمد تقي الحائري الشيرازي قائد ثورة العشرين والسيد الشهيد محمد باقر الصدر والسيد حسن الشيرازي والسيد محمد صادق الصدر، ومنهم من قاد مشروعاً اصلاحياً تحررياً عبر المقاطعة، كالمرجع الديني السيد محمد حسن الشيرازي الكبير، قائد ثورة التبغ ضد الشركة البريطانية- الهندية التي تمددت لاحتلال ايران، ومنهم من قاوم الفكر الالحادي والانحراف في الأمة، كالسيد حسين البروجردي في عهد شاه ايران، والشيخ محمد جواد البلاغي والسيد محسن الحكيم، والشيخ فضل الله النوري أحد قادة ثورة المشروطة (الدستور)، والسيد حسن المدرس قائد الكتلة البرلمانية ضد سلطنة رضا شاه في ايران، ناهيك عن الثورة الاسلامية في ايران التي قادها السيد روح الله الخميني.

وفي سياق المشروع الاصلاحي، فقد تصدت المرجعية الدينية، والحوزة العلمية للحركات والتيارات الفكرية والسياسية المنحرفة التي ظهرت داخل المجتمع او تغلغلت من الخارج، كالشيوعية والقومية والعلمانية والليبرالية، وكذلك الوهابية؛ وهي فرقة ضالة منحرفة ظهرت في اوائل القرن الماضي حيث كان هدفها شقّ وحدة المسلمين وتفريق كلمتهم واضعاف الخلافة الاسلامية السنّية والتمهيد لسيطرة المستعمرين على البلاد الاسلامية ونهب ثرواتها. وعلى الرغم من ان المسلمين كانوا ينظرون اليها على أنها فرقة خارجة عن الدين ومفسدة في الارض ومنتهكة للحركات والمقدسات، ولكن وبعد أن استتبت لها الامور وسيطرت على رجالات المذهب السنّي، وضعف صوت المعارضين السنّة ضدها، اصبحت اليوم من القوى الرئيسية المسيطرة، والتي تتكلم فضولياً نيابة عن المذاهب السنية الاربعة، بل فرّخت تنظيمات ارهابية وتكفيرية، مثل «طالبان» و «القاعدة» و «داعش» و «النصرة» و «بوكو حرام»، وغيرها، وقد عجزت المذاهب السنيّة عن مواجهة الوهابية او اضعافها، وهم يعلمون مدى الخطر الذي تحدثه هذه الحركة الشاذة والمستوردة التي زرعتها بريطانيا في قلب الامة، ويُعزى ذلك العجز الى عدم وجود فكرة المرجعية الدينية عند اخواننا أهل السنة. ويذكر التاريخ، انه عندما حاولت الوهابية ان تسيطر على العتبات المقدسة وتدميرها وتدنيس حرمتها في النجف الاشرف وكربلاء المقدسة خلال القرن التاسع عشر، تصدّت لها الحوزة العلمية والمرجعية الدينية في كلتا المدينتين، و أوقفتها عند حدّها، بحيث جنّد المرجع الديني الشيخ كاشف الغطاء-قدس سره- نفسه و أولاده و الاهالي وحثّهم على حمل السلاح والدفاع عن العتبات المقدسة.

وقد تعرضت المرجعية الدينية وحوزاتها العلمية في العصور القريبة الى فتن داخلية اخرى، كالخلاف بين الاصوليين والإخباريين، إلا ان المرجعية، برؤيتها الاصلاحية الحكيمة، أخمدت هذه الفتنة وعملت على لمّ الشمل و رتق الفتق، حتى عادت الوحدة بين أهل المذهب الواحد، ثم تعرّضت لفتن اخرى متلاحقة، مثل ظهور الشيخية والكشفية والبابية والبهائية، وقد قامت بالدور الرائد في حلّها واذابتها، فانحسرت تلك الفتن ورجع الكثير الى جادة الحق وانضموا تحت لواء التشيّع، وذلك بفضل النهج الاصلاحي المستمر الذي دأبت عليه المرجعية والحوزة العلمية.

وعندما تعرض العراق الى هجمة التكفير الداعشي، انبرت المرجعية الدينية والحوزة العلمية لإصدار فتاوى الجهاد الكفائي لردع ذيول الوهابية الجديدة في المنطقة، بعد احتلالهم محافظة الموصل وأجزاء من المناطق الغربية في العراق،(3) حيث تقدم ابناء المراجع ورجالات الحوزة وابناء الحشد الشعبي كافة للتصدي الشجاع لهذه الزمرة و مساندة القوى الامنية في هذا المضمار، مشددين على وحدة العراق وسيادة أرضه وحفظ العتبات المقدسة من كل خطر غاشم. وبعد عام من مشروع مواجهة خطر التكفير الداعشي، ارتأت المرجعية الدينية ان تجفف منابع الارهاب وحواضنه السياسية المتعددة والمنتشرة في الجهاز الاداري السياسي في العراق، عبر اطلاق حزمة اصلاحات ومواجهة الفساد، فيما عدت بيانات المرجعية الدينية في كربلاء المقدسة، أن الارهاب والفساد وجهان لعملة واحدة ولا بد من مقاومتهما ومواصلة مشروع الاصلاح.(4)

-------------------

1- أهل البيت، عليهم السلام، تنوع أدوار ووحدة هدف/ الشهيد محمد باقر الصدر/ ص 115-116.

2- دور المرجعية الدينية في المجال السياسي/ د. رزاق الغراوي

3- اشارة الى فتوى الواجب الكفائي للمرجع الديني السيد علي السيستاني.

4- اشارة الى بيان السيد المرجع المدرسي، اثر تفجيرات ديالى ومدينة الصدر ومشروع الاصلاح.


ارسل لصديق