وهي تقف على الطريق الطويل للإصلاحات، الأمة أمام اختبار المنهج الصحيح وتحقيق الطموحات المنشودة
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2015/09/22
القراءات: 694

لاشك، أن كل مجتمع بشريّ، لا يخلو - بأي حال من الاحوال- من نقاط ضعف فيه، وانتكاسات تعتريه خلال مسيرته في حقبة زمنية معينة، ولهذا تحتاج المجتمعات الى مراجعة نفسها، وإصلاح ومعالجة مواطن الخلل في مسيرتها، اذا ما ارادت اعتلاء موقع الصدارة بين المجتمعات والأمم. وقد يكون من الطبيعي جداً وجود هذا الخلل في مسيرة الأمم؛ لإمكانية وجود الخطأ لدى المجتمعات، فلا أحد منّا يدّعي العصمة إلا المعصوم، كما ان سنّة التطور، هي إحدى مسببات الخلل في الفترات اللاحقة لفترة التطور، فحينما يتغير الواقع مع تقادم الزمن، فان نفس ذلك التطور يصبح بحاجة الى إصلاح، وهذا ما يجعل الأمم الناهضة تعي الحاجة الماسّة إلى المراجعة المستمرة و التغيير والإصلاح.

 

 مقاييس ومناهج الإصلاح

نحن بني البشر نعترف بأننا غير معصومين، ونعترف بمحدودية عقولنا، وفي الوقت ذاته نعلم ان هناك خالقاً خلقنا، وهو المدبّر لأمورنا وقد أنزل علينا كتبه وشرائعه وتعاليمه لسعادتنا وإصلاح أمورنا.

هنا يأتي السؤال: من يحدد مظاهر الصلاح والفساد؟ أ هي رؤى البشر؟ أم رؤى خالق البشر؟ و أيّ مسار يأخذه الانسان في إصلاح شأنه وذاته؟ فهل يتبع خططاً يضعها هو لنفسه، وهو المعترف بعظيم أخطائه، وحاجته الدائمة الى إصلاح خططه ومناهجه؟ أم يعتمد في مسيرته الإصلاحية، خطة ونهج العالِم بخفايا الامور، الذي خلق عقولنا، و أودعها شيئاً يسيراً من العلم، فقال تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}؟

لاشكّ انه ليس هناك من عاقل من يقول بترك نهج خالق العقول ومودعها العلم، و اتباع مخلوقه (العقل)، وتقدم مناهجه على مناهج الخالق العظيم.

وهكذا؛ نكون بأمس الحاجة اليوم ان نستنطق القرآن العظيم في وضع مقاييس لتحديد مظاهر الفساد وجذوره أولا؛ وتحديد طرق ومناهج إصلاحها ثانياً.

 

 الإصلاح الحقيقي

ان ابتعاد الناس عن شريعة الله، كمنهج لإصلاح أمورها؛ أدى بها إلى الضياع وفقدان الرؤية السليمة للإصلاح، فاتبعت اهواءها و وضعت لنفسها أسساً وقواعد ومقاييس للإصلاح ضاربة بذلك عرض الحائط كل توجيهات الله تعالى فأخذت تتخبط يميناً وشمالاً، وجرت العالم الى الويلات والحروب والثبور والظلم الذي يعمّ العالم اليوم، اذ يقول تعالى {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (سورة العنكبوت، الآية:41)، ومعلومٌ ان الفساد هو ضد الإصلاح؛ هذا الفساد إنما حلّ بالبشرية نتيجة ابتعادها عن قيم السماء، واتباعها اهواءها، واستخفافها بشرائع الخالق وسنن الحياة. ان الله سبحانه وتعالى انما ارسل الرسل، وانزل الشرائع، لهداية الناس وإصلاحها بالعودة الى فطرة الله التي فطر الناس عليها، و أي إصلاح يبتغي غير ذلك، فانه؛ و إن حقق نجاحاً ما، إلا انه - ولا شك- لن يكون إصلاحاً حقيقيا، ولذا فان ماتقوم به المجتمعات من إصلاحات - كما تسميه هي- ما هي إلا إصلاحات لا يمكن وصف الناجع منها، إلا بانها ترقيعية لا غير.

 

 المنطلقات، الإيمان وتحمل المسؤولية

كثيراً ما نجد في آيات الذكر الحكيم، إقتراناً بين الايمان بالله، وبين العمل الصالح، مما يشير الى الترابط الوثيق بينهما الى درجة يمكننا القول معها: إن الايمان هو قاعدة و أرضية الإصلاح التي يبتني عليها. فالايمان بالله يغير الانسان ويصلحه، وهذا التغيير الناشئ بسسبب الايمان، هو الصلاح الحقيقي، وهو ثمرة الإصلاح المنشود. يقول تعالى: {لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا}. (سورة الطلاق، الآية:11)

واذا كان الايمان هو أرضية الإصلاح، فان الشعور بمسؤولية الانسان تجاهه، يمثل جذر شجرة الإصلاح. لأن الإصلاح ليس فعلاً بسيطاً يمكن ان يتحقق في فترة زمنية قصيرة، بل هو هدف عظيم تنشده السماء؛ ومن أجل ذلك أرسل ا لله - تعالى- الرسل والكتب لتحقيق. ولازال هذا الهدف والى يومنا هذا بل والى قيام الساعة، هو هدف وضالة المؤمنين المصلحين. وقد قدمت البشرية ما قدمت على مذبح الإصلاح من أنبياء و أوصياء وعلماء ومؤمنين والى يومنا هذا؛ ولهذا فان الإصلاح هو مسؤولية عظيمة للقيادة والناس على حد سواء، ولكل نصيبه وفق ما حمّله الله تعالى منها.

1- القيادة ومبادرة الإصلاح

اذا ما اردنا تحقيق نهضة الإصلاح والتغيير في الأمة؛ فعلى القيادات الدينية والسياسية في الأمة ان تتولى المبادرة، وأن تتصدى للإصلاح والتغيير، وإلاَّ فاننا قد نمر بظرف خطير جدا، فهناك هيجان في أوساط الأمة، فإذا لم تنطلق مبادرات لاحتوائه، عبر إصلاحات حقيقة؛ فاننا ولا شك سنمر بمنعطف خطير، ربما يعصف بالأمة وحاضرها ومستقبلها.

ان بلاد المسلمين اليوم بحاجة الى مبادرات ومواقف شجاعة، وقادرة على تحمّل تبعات تلك المواقف، حيث إن أي قيادة دينية تريد الإصلاح، سوف تتعرض -ولاشك- الى هجمة شرسة من قبل المتنفذين، ومافيات السلطة الفاسدة في الأمة، فتبليغ رسالة الإصلاح يحتاج الى ان لايخشى المبلغ إلا الله تعالى، وكذا الحال عند أي قيادة سياسية تبتغي التغيير والإصلاح، فان مساعي التسقيط ستطالها لامحالة، وستكون تحت ضغوط داخلية وخارجية، تحاول منعها من بلوغ مسعاها الإصلاحي.

ولعل سيرة الامام علي، عليه السلام، وظروف تولّيه الخلافة، هي خير نموذج يقتدى به، فقد ورث إمامنا، سلام الله عليه، اوضاع أمة متهالكة، تمزقها الفرقة والتخلّف والفتن، حيث ان الفساد والتمييز والطبقية والمحاباة وغيرها من مظاهر الفساد ومناهج الافساد، كانت قد دبّت في كل مرافقها وشؤون الحياة فيها، ولكنه، مع كل ذلك بادر الى تطبيق منهجه الإصلاحي، غير مكترث بكل هذه المعوقات الكبيرة، والتي بينها في تبرير رفضه (الخلافة) الذي كانت غايته، قبولهم نهجه الإصلاحي كشرط لقبول الخلافة. إذ قال: «دَعُونِي والْتَمِسُوا غَيْرِي، فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وأَلْوَانٌ، لا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ، ولا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُول، وإِنَّ الآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ، والْمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ. واعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ ولَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وعَتْبِ الْعَاتِبِ».

ان رفض الواقع الفاسد، والرغبة في الإصلاح، قد تنشأ في نفوس الكثير من ابناء الأمــــة، وبخـــــاصة المخلصون منهم، ولكن ومع ذلك لا تــــراهم يقومون بالإصلاح حتى تبادر القيــــادة باعلان مبادرة الإصلاح، حينها يكون التفاعل.

إن فلسفة بعث الرسل و الانبياء وتنصيب الاوصياء، وتحميلهم مسؤولية الإصلاح، لدليل واضح على ان مبادرة الإصلاح إنما تقع على عاتق القيادات الربانية أولاً؛ تتبعها القيادات الاجتماعية، لانها عمق المجتمع والمعبرة عن معاناته، تليها القيادات السياسية والتي غالباً ما تكون هي المسؤول الاول عن الفساد والتخلف في المجتمعات، كما انها غالبا ماتكون ضد الحركة الإصلاحية التي تقودها القيادات الدينية والاجتماعية.

2- الناس ومسؤولية تحقيق المبادرة

وبعد ان تتحمل القيادات، بشتى انواعها؛ الدينية، والاجتماعية، والسياسية، مسؤولية المبادرة وتحديد آلياته وبرامجه، يأتي دور ابناء الأمة في تحمل مسؤوليتهم في الاستجابة لبرامج الإصلاح والتغيير، وتطبيق آلياته، و أن يساعدوا في تحمل تكاليف الإصلاح، حيث ان عملية الإصلاح غالبا ما تكون لها آثار صعبة وقاسية على المجتمع في بداياتها، ولكنها تؤتي أكلها بعد حين، وهذا ما لاحظناه في كل التجارب الإصلاحية في العالم قديماً وحديثاً، حيث انها تحتاج في بادئ الامر الى تضحيات الناس؛ ليشقّ الإصلاح طريقه. أما مجرد التغنّي بالشعارات والتمنيات، دون المساعدة في تحمل التكاليف، فانه لن يغيّر من واقع الأمة شيئاً. فالأمة التي تسكت وتتوانى على الخلل، وتستفحل عندها الاخطاء، بانتظار من يصححه لها بجهد خارجي، أو بتدخل العامل الغيبي، وهي لا تحرك ساكناً؛ فانها ستدفع ثمن الإصلاح غالياً جداً! وهذا ما رأيناه في عملية إسقاط صدام على يد القوات الاميركية، بدلاً من الشعب العراقي، وكيف كان الثمن غالياً جداً علينا، وكذا الحال في سائر البلدان.

 

 إصلاح النفس، البداية

اذا كان الايمان أرضية الإصلاح والمسؤولية جذره، فان الخطوة الاولى على طريق إصلاح الأمة والمجتمع انما يكمن في إصلاح النفس اولا؛ فاذا اصلح كل انسان نفسه أُصلِح المجتمع بالمحصلة ، كما ان إصلاح الانسان نفسه يجعل منه مشروعاً إصلاحياً ناهضاً، فيصلح غيره من الناس، وكذا إصلاح ما يحيط به من أوضاع فاسدة ايضا. فمن قدر على نفسه، كان على غيرها أقدر. إن منشأ الفساد بكل انواعه؛ الاخلاقي والاداري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، إنما مردّه، النفس الانسانية، وبإصلاحها تُصلح الاوضاع الفاسدة في الأمة.

 

 الثقافة بيئة الإصلاح

ان الإصلاح منهج وسلوك. والثقافة مهيمنة ومؤثرة في السلوك وتمثل القاعدة العامة له. وهكذا لابد من غرس الثقافة المناسبة للإصلاح في الأمة، والتي لايمكن بدونها نجاح عملية الإصلاح. وما دمنا قد حددنا هدف الإصلاح، ألا وهو الرجوع بالانسان والمجتمع الى الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها، وكذا حددنا ماهية الإصلاح الحقيقي، وانه نهج شريعة الله، صار واضحاً ماهية الثقافة المطلوب غرسها في نفوس ابناء الأمة، كما اصبح جلياً مصادرها، ألا وهي القرآن الكريم، وسنّة رسول الرحمة وآله الاطهار، صلوات الله عليه وعليهم اجمعين.

ان امتنا اليوم أحوج ما تكون الى غرس ثقافة الوحي في نفوس ابنائنا، تلك الثقافة التي عمّت كل مجالات الحياة بلا استثناء، وسبقت كل الازمان بلا مقياس؛ إذا ما اردنا إصلاحاً شاملاً ولكل مجالات الحياة.

 

 الارادة درع الإصلاح

ان الكثير من المصلحين يمتلك الرؤيا الإصلاحية، ولكنه لا يبادر الى الإصلاح، والبعض الآخر يبادر ولكنه لايستمر في مسيرته؛ وما ذلك إلا بسبب عدم وجود الارادة في الاول، وضعفها في الثاني. إن الذي لايمتلك الارادة فانه لا يمتلك القدرة على التنفيذ، وليس له الاستعداد لدفع الثمن، فلا إصلاح بالمجان، ولا يحقق عديم الارادة الإصلاح مطلقاً، فإذا لم يكن المصلح على أتم الاستعداد لدفع الثمن المطلوب فلا يبدأ به أبداً، وان بدأ به، فانه لن يحققه، وسينكفئ وسط الطريق، ولذلك قال الإمام الحسين، عليه السلام، لمن تبعه في خروجه بقوله: «من كان باذلاً فينا مهجته، وموطناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا»، فالمتردد يدفع الثمن غالياً، بلا نتيجة ترتجى.

وهكذا فان أهم ما يرتبط بالإصلاح هو مقاييسه ومناهجه، ومصدر تلك المقاييس والمناهج. فاذا ما اعتمد الانسان مقاييس غير سليمة؛ فانه سيزداد إفساداً لاموره من حيث يشعر او لايشعر. ولما كان تعالى قد خلق الخلق، وهو أعلم بما يصلح شانهم، ولما كان تعالى قد أنزل إلينا مناهج الإصلاح المتمثلة في شرائعه؛ فحريّ بنا اتباع هذه المناهج، وتحكيمها في حياتنا، ودساتيرنا وقوانيناً، وانظمتنا، واساليب ادارتنا؛ اذا ما اردنا الإصلاح الحقيقي، والسعادة في الدنيا والآخرة. أما اتباع مناهج إصلاحية مستوردة والانبهار بها، إنما هو أمر بحاجة الى إعادة نظر وتفكير عميقين. ان حالة الانبهار والاعجاب بتلك المناهج؛ انما هي بسبب ازدواجية النظرة الى واقع الغرب وواقعنا؛ إذ ننظر الى واقعهم بعين، وننظر الى واقعنا بعين اخرى. فنحن ننظر لهم بعين لاترى إلا كل ما هو جيد ومتطور ومتحضّر، وهو موجود وكثير، بينما ننظر الى واقعنا بعين لاترى إلا السيئ، والمتخلف، وهو بالفعل موجود ايضا. في حين ان هذه الازدواجية في النظرة لاترى الجوانب السيئة عندهم، وما أعظمها! و تغفل النظر عن الجوانب الايجابية عندنا وهي عظيمة ايضا. اننا اليوم امام مسؤولية عظمى في إصلاح النظرة الى ماهية الإصلاح الحقيقي وهدفه أولاً، ثم تحمل مسؤوليات تحقيقه ثانياً.


ارسل لصديق