ليكن التغيير ثقافة عامة
كتبه: العلامة الشيخ محمد علي المحفوظ
حرر في: 2015/09/22
القراءات: 611

يلعب صياغة الوعي دوراً كبيراً في الارتقاء بالمجتمعات حيث يُسهم في الارتقاء بمستوى التفكير عند الناس، ويفتح آفاق التفكير والتطلع من أجل التحول والعمل دائماً من أجل الأفضل، والتكامل في الأداء والسلوك الاجتماعي والسياسي، ولذلك فإن السعي من أجل الصدارة والريادة على مختلف الأصعدة، يبقى هاجساً كبيراً عند الأمم الطموحة وهو حق مشروع ومتاح في نفس الوقت للجميع، ولكن الفرق يكمن في من يحمل المشروع ويسعى لتحقيقه، فيصنع الفارق بينه وبين الآخرين، وهي قضية ينبغي أن تسترعي الانتباه والتفكير في حالنا وموقعنا بين الأمم.

إن الحقيقة المرة، والتي قد تكون مؤلمة، هي أننا نعيش على هامش العالم، وربما أقل من ذلك، وربما خدمتنا «العولمة»، أو التواصل الكوني في عالم اليوم، عبر شبكات «النت» العملاقة، أو الفضائيات ولكن في حدود أن يعرف البعض أننا نعيش على هذا الكوكب ليس إلا، والحال إنه ينبغي أن نعمل على أن يكون لنا دور في عالم اليوم، وليس مجرد متفرجين على مسرح الأحداث يتابعون صناع الأحداث والقرارات، وهذا يقودنا إلى الحاجة لبناء أرضية تفكير ترتقي بواقع الحال عندنا إلى واقع جديد يتبنّى عملية التغيير وتكون لديه القدرة على تحمل تبعات التغيير ومتطلباته، وخاصة فيما يرتبط بالمشهد السياسي الذي بات اليوم يمثل نقطة الضعف الرئيسية وحجر الزاوية في أي عملية تغيير، حيث يمكن ملاحظة الفارق الكبير بيننا وبين المجتمعات المتقدمة في هذا الجانب، فالجميع هناك يسعى نحو التغيير والارتقاء والحكومات تعمل على ذلك والأفراد والمؤسسات، حتى بات التغيير، ثقافة دائمة وركيزة أساسية من ثوابت العمل السياسي.

وعلى الرغم من كوننا ننتمي إلى دين عظيم يحفز الناس ويستنهض هممهم من اجل التغيير، حيث يبارك الله -عز وجل- هذا الأمر، ويتوجب على الناس أن يبدؤوا أولاً؛ حيث يقول ربنا -عز وجل- في ذلك: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (سورة الرعد:11)، ثم نجد أن الآخر هو من تبنى  هذه الثقافة، بينما بقينا نحن نعاني من جمود وانكفاء لا مبرر له.

إن عملية التغيير، تتطلب شجاعة، ولكنها في نفس الوقت تتطلب تضحيات كبيرة حيث ينبغي أن يتخلى البعض عن التعصب لشخصه أو بُناة أفكاره، أواعتبار ذلك من المقدسات التي لا ينبغي المساس بها، وربما تتحول بعض الأعراف والتقاليد في مجتمعاتنا إلى أمور أشبه بـ»دين»! - والعياذ بالله- وهو ما يؤدي إلى حالات الاستبداد والطغيان؛ سواءً على الصعيد الرسمي للحكومات والأنظمة، أو حتى على الصعيد الاجتماعي، لا فرق، وهو ما يفسر حالة الجمود التي تعاني منها مجتمعاتنا. وبينما تدفع قيم الدين السامية الناس للسير والسعي في الأرض واقتحام آفاق السماء والبحث عن المعرفة والعلم: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (سورة الحج:46)، وبينما كانت فلسفة بعث الأنبياء، عليهم السلام، وأحد مهماتهم العظيمة هي استثارة عقول الناس، وهو ما جاء على لسان الإمام علي، عليه السلام، حيث يقول في سياق حديثه عن هدف بعثة الرسل، عليهم السلام: «ليستأدوهم ميثاق فطرته وليذكروهم منسي نعمته ويثيروا لهم دفائن العقول»، وليس هذا فحسب، فقد أشارت آيات القرآن الكريم تقريباً (250مرة) إلى دور التذكرة، وهو دور عظيم في حياة البشر، حتى سُمّي القرآن الكريم؛ ذكراً، كما سُمّي الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، بالذكر حيث يقول ربنا عز وجل: {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}، (سورة يوسف: 104)، {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ}. (سورة الزخرف :44)

إننا بحاجة إلى أن نتبنى ثقافة التغيير التي تقوم بصياغة وعي تغييري، يعزز ثقة الناس بأنفسهم وبقدراتهم وإمكانياتهم، ولكي نكون قادرين على ذلك تأتي الحاجة إلى تضحيات كبيرة لا بد من تقديمها تبدأ من حق الناس، واحترام حرياتهم ورغباتهم، ولا تنتهي عند حفظ الكرامات وحق الناس في الشراكة السياسية والاقتصادية والوطنية، معنىً ومضموناً، لا شكلا وصورة، وهي أمور بحاجة إلى نقاش طويل وبحث مستمر ولكن من سار على الدرب وصل .

---------------------

* أمين عام جمعية العمل الاسلامي في البحرين، ويقضي حكماً جائراً بالسجن مدى الحياة.


ارسل لصديق