الإصلاحــات الحــقيقية و دورهــا في معالجة ظاهرة الهجرة الجماعية
كتبه: الشيخ إبراهيم الاشتري
حرر في: 2015/09/23
القراءات: 629

في فطرة الانسان حنين الى الوطن، فتراه يتغنّى بجمال البساتين، وعذوبة المياه، وسحر الجبال. فسماء وطنه هي الأجمل من كل سماء، و زرع أرضه، من بين الزروع أينع، وهذا من الايمان كما جاء في الحديث الشريف: «حبّ الاوطان من الايمان»، والدستور السماوي أكد شرعية هذا الحب، بل كافأ المحبين بالجنان! ولعلك تسأل كيف تكون الجنان مكافأة عن الحب؟

تكون بالمغفرة والرحمة التي يهبها الله لمن يدافع عن أرضه ومقدساته، و أي جزاء أرفع شأنا وأعظم منزلة من هذا الجزاء! فالله -عز وجل- يقول: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}،(سورة، آل عمران:157).

ومن تُختم حياته بالمغفرة والرحمة الالهية، فهو من المتقين: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ* فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ}،(سورة، القمر:54-55).

 حياة الاوطان الآمنة، المفعمة بالحب والتضحية والسعادة، لا تروق للكثير ممن يتربصون بنا الدوائر، لأنهم اعتاشوا على زرع الخلافات والصراعات هنا وهناك، ولو تعمقنا في جذور المشاكل لوجدنا شعارات شيطانية ترفعها مجموعة من البشر، هدفها بث روح اليأس والانهزام في المجتمع على اختلاف طبقاته.

وما لم تواجه هذه التحديات بـ «حكمة الدول والشعوب»، ستنمو شيئاً فشيئاً في جسم الامة حيث لا يمكن استئصالها حتى بباهظ الاثمان.

من هنا كان نداء الضمير، وعمق المسؤولية، يدعونا الى تشخيص ظاهرة غاية في الاهمية، ألا وهي «الهجرة الجماعية» لمختلف شرائح المجتمع الى حيث المصير المجهول.

فأبناؤنا اليوم قلوبهم ملأى بالحنين، وهم على أمواج الهجرة القاسية، فيا ترى ما الذي دعاهم الى هذا الهجران المفاجئ؟

جملة من الأسباب تتزاحم على السنتهم؛ فهذا تدفعه البطالة، وآخر، ضنك العيش بسبب سوء الخدمات، وهنالك من أعيته وطأة الخيبة واليأس وفقدان الامل، الى جانب اسباب اخرى، ولكن هل تبرر هذه الاسباب هجران الوطن؟

 ان مسؤولية وتبعات الهجرة تقع على عاتق جهتين اساس؛ الاولى: الدول، والثانية: الشعوب.

 

 الدولة واستحقاقات الإصلاح

فلطالما طالب ابناء الشعب بـ «الإصلاحات الحقيقية»، وتوفير فرص العمل والسكن اللائق، والخدمات العامة والبسيطة، مثل الصحة والتربية والمواصلات وغيرها، مما توفر الحياة الكريمة للإنسان والمجتمع، وتمكّن الفرد من التفرّغ للإبداع والانتاج وتقديم شيء يذكر لبلده وأمته، وبالنتيجة تصبح البلاد مستقطبة للعقول والخبرات غير منفرة لها، ولكن بفعل الفساد المالي والاداري الذي استشرى في جسم الدولة العراقية، حيث لا يمكن التخلص منه بواسطة «الاصلاحات المزيفة» أو «الاصلاحات الترقيعية»، لذا فان كل عملية اصلاح مزعومة، كانت تقابل بخيبة امل.

وعليه؛ يجب ان تكون الاصلاحات ناظرة الى جملة امور منها:

أولاً: حاجات المجتمع؛ فلا يمكن لرئيس الوزراء - مثلاً- أن يقوم بإصلاحات بعيدة عن حاجات المجتمع ومتطلباته، واذا ما لامست الاصلاحات، أرض الواقع، بعيداً عن تقارير المستشارين، ستكون النتائج مرضية قطعاً، لأنها تكون نابعة من رحم المعاناة، وصميم الواقع.

ثانياً: صدق الوعود؛ فان الـ «سين» و «سوف»، حرفان يدخلان على الفعل المضارع، والمضارع ما دلّ على الحاضر والاستقبال، ولكن في عالم الاصلاح المعهود، عندما يمتزج هذان الحرفان مع الفعل المضارع، فان عملهما يتعطل تماماً، حتى أن لا محل لهما من الاعراب، فعلى الحكومة اذا ما أرادت الاصلاحات الحقيقة، أن تعطي نموذجاً إصلاحياً واقعياً، يعيش المواطنون ايجابياته بشكل ملموس، وليس حبراً على ورق. كـ «سنعمل»، و»سنقوم»، و»سوف» نقدم الخدمات وما شابه.

ثالثاً: لبن البناء، لا ينفع الجدار المنهار، فهل ينتفع من يقابل المرآة ممتدحاً نفسه وملقباً إياها، بـ «يا أيها الملك»، او «يا أيها الامير»، وهو لا يقوى على رفع حجر صغير من مكانه؟ بالطبع كلا، كذلك على الحكومة ان تبتعد عن الإصلاحات المزيفة والعناوين الرنانة للإصلاح التي لا تحاكي الجذور وتقتلع مشاكلها. فيجب ان تكون الاصلاحات جذرية غير سطحية، كالكلمة الطيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء.

رابعاً: محاربة الفساد الاداري، بمحاربة اسبابه، ومن بين اهم اسبابه؛ الروتين الاداري، فربما يعيش المواطن في مدينة في الجنوب - مثلاً- ولا يستطيع ان ينجز معاملة بسيطة إلا بمراجعة العاصمة، فيقوم بالبحث عن بدائل لإنجاز معاملته، ومن هنا يأتي الفساد الاداري.

خامساً: القضاء على الرشوة، عبر تفعيل المنابر الاعلامية ببيان قباحة الرشوة، ومصير المرتشي، وايضاً بملاحقة المرتشين بلا هوادة، وتنفيذ الجزاء العادل بحقهم، لكي يكونوا عبرة للآخرين.

سادساً: محاربة الفساد الثقافي، بالإصلاحات الجذرية في وزارتي التربية والتعليم العالي، لان الثقافة الفاسدة خير بيئة للواقع الفاسد.

سابعاً: تذويب التفاوت الطبقي. وهو يكاد يكون من أهم الاصلاحات التي تحد من المشاكل التي تمر بها الشعوب، فبين غني مترف وفقير مدقع، لا تستقيم الحياة، ولا يشعر ابناء البلد انهم متساوون في الحقوق والواجبات.

 

 الشعب ومسؤولية التسديد

أما الركن الثاني من المسؤولية فيقع على عاتق الشعوب.

وكما بينّا آنفا؛ يكاد يكون هو الركن الاكبر، فالشعب الذي يحمل أبناؤه شعار «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، ذاته يكون شعباً اصلاحياً، يسدد ويؤيد أداء الدولة، إن كان مرضياً، وينتقد ويقوّم أداءها ان انحرف عن مساره القويم.

وحيث هاجر المقومون للمسيرة الاصلاحية بلادهم، الى حيث المصير المجهول، والوعود الرنانة، بحلم الحياة السعيدة والرفاه والتقدم، تركوا وراءهم سراق المال وصناع الفساد يعيثون في الارض فسادا، فكان ذلك نصرا لهم وانجاحا لمخططاتهم. فهجرة العقول والطاقات الشبابية، والخبرات، تفتح الطريق امام الفاشلين والانتهازيين لملء فراغ الهجرة الجماعية.

من هنا ينبغي لنا كشعب ان نستذكر أمومة الارض لنا، وواجب الدفاع عنها بجميع ما أوتينا من قوة، امام الهجمات التي تتعرض لها، والتحديات التي تواجهها في المستقبل، وان نواجه المعاناة بالحلول الناجعة النابعة من حكمة سليمة، تستقي من نبع صافٍ، فالشعب الذي يلتف ابناؤه حول قيادته الحكيمة، ولا يقومون بفعل إلا و تدبروه، ولا يتخذون ا قراراً إلا وتأملوه، لهو شعب مفعمٌ بالحياة، لا يعرف اليأس اليه سبيلاً، ولا الى عقله دليلاً.

فالأمل بوابة الطموح، والوطن مأمول من ابنائه، وهذا حقهم عليه، كما ان حقه عليهم، أن يصونوه ويحموه من شتى الهجمات؛ التكفيرية - الدموية منها، والثقافية، والإقصائية، لا أن يدَعَوه لقمة سائغة بأيدي الماكرين الذين يتربصون به الدوائر، من ثم نورث انفسنا عتاب الاجيال اللاحقة، ونقد التاريخ، وأعظم من هذا وذاك، إعراضنا عن المسؤولية الاصلاحية التي يفرضها علينا ديننا الحنيف، والتي جسدها الانبياء والاولياء الصالحون، وليس بعيداً عن نداء المصلح العظيم الحسين الشهيد، عليه السلام، الذي هتف في طريقه الى كربلاء: «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً و إنما خرجت لطلب الاصلاح». فبهدى الأنبياء و الأولياء ترتقي الشعوب ويعمّ الاصلاح.


ارسل لصديق