حوارات حول القرآن الكريم (30) حوار حول سورة الضحى - القسم الثاني (من الآية السابعة إلى نهاية السورة)
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2015/09/27
القراءات: 902

بسم الله الرحمن الرحيم

{وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)}

 

 ضالة البشرية

* كيف نفهم قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى؟ و كيف يُخاطب رسوله بهذا الخطاب؟

- لقد قدر الله للنبي، صلى الله عليه وآله، ان يكون خاتم النبيين قبل ولادته، بل كان نورا يُحدق بعرش الله، و قد قال، صلى الله عليه وآله: « كنت نبيا و آدم بين الماء و الطين.. بل كان مَثَلا للنور الذي خلقه الله في البدء، ثم خلق الخلق به. جاء في حديث شريف: «أول ما خلق الله نوري»(1)، و قد قلبته يد الرحمة الإلهية في أصلاب شامخة، و أرحام مطهرة، حتى قال ربنا تعالى:﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ.(2)

و عند ولادته من أبوين كريمين -عبد الله، سلام الله عليه، و آمنة بنت وهب، سلام الله عليها- أظهر الله آيات عظيمة في العالم، إيذانا بولادته؛ فسقطت شرفة من إيوان كسرى، وغاضت بحيرة ساوة، و فاض وادي سماوة، و انطفأت نار المجوس بعد مئات السنين من اشتعالها .

و قرن الله به منذ ولادته، مَلَكا يسلك به طريق المكارم، قال الإمام أمير المؤمنين، عليه السلام:-

«...ولقد قرن الله به من لدن كان فطيما أعظم مَلَكٍ من ملائكته، يسلك به طريق المكارم، و محاسن أخلاق العالم؛ ليله و نهاره». (3)

وهكذا أدبه الله فأحسن تأديبه كما قال، صلى الله عليه وآله، عن نفسه .

إلا ان ذلك كله لا يعني أن القرآن من وحي نفسه؛ بل انه كان غافلا عن القرآن من قبل ان يُقضى اليه وحيه؛ لذلك قال سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ.(4) و قال: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ}(5) وقال: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا}.(6)

و بهذا المفهوم؛ كان الرسول، صلى الله عليه وآله، ضالاً عن الشريعة الجديدة، و ليس ضالاً عن أية شريعة، وعن الهدى الجديد لا عن أي هدى؛ هكذا قال بعض المفسرين .

بينما نجد تفسيرا آخر ينسجم مع مقام الرسول، صلى الله عليه و آله: انه كان ضالة العالمين، يبحثون عنه؛ فهدى الله اليه الناس، و هذا تفسير اهل البيت، عليهم السلام، وهو؛ ان لم يكن تفسير ظاهر القرآن فلا ريب انه تفسير بطن من بطونه، أَوَليس للقرآن سبعة أبطن؟

هكذا روي عن الامام الرضا، عليه السلام، في قوله: «ألم يجدك يتيما فآوى» قال: «فردا لا مثيل لك في المخلوقين، فآوى الناس اليك» و وجدك ضالا «أي ضالا في قوم لا يعرفون فضلك فهداهم اليك» و وجدك عائلا «تعول أقواما بالعلم فأغناهم الله بك». (7)

و هناك تفسيرات أخرى للآية تعكس اهتمام المؤمنين بمقام الرسول، صلى الله عليه وآله، وعدم نسبة الضلالة اليه؛ كأن يكون الضلال بمعنى الضياع عن الطريق في طفولته، او عندما سافر الى الشام للتجارة؛ ولكن التفسيرين الأولين أولى.

 

 أغناهم بعلمه

* هل كان رسول الله، صلى الله عليه و آله، فقيراً فعلاً؟ و كيف أغناه الله و بِمَ؟ كما صرحت الآية: {وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى}.

- كان الرسول يعيش في قبيلة بني هاشم، التي كانت تتميز بالسؤدد، و الخُلُق الرفيع، و تعدّ المرجع الديني في مكة المكرمة؛ و لكنها لم تكن ذا مال كبير، و لاسيما أبو طالب الذي أصبح شيخ بني هاشم بعد عبد المطلب بالرغم من فقره حتى قيل: ما ساد فقير إلا أبو طالب، و من المعروف، تاريخيا، انه - عليه السلام - قبل بتكفل أولاده من قِبَل إخوته لضيق ذات يده.

و لكن الله مَنَّ على الرسول، صلى الله عليه و آله، حيث آمنت به واحدة من أثرى قريش وهي خديجة بنت خويلد التي تزوجها الرسول، صلى الله عليه و اله، فأصبح غنيا بفضل الله، و هذا تفسير قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى. و قد مضى تفسير آخر للآية: ان الرسول، صلى الله عليه و آله، كان يعيل الناس؛ فأغناهم الله بعلم الرسول، و هُداه.

 

 استضعاف اليتيم

* في قوله تعالى: ﴿فأما اليتيم فلا تقهر ما هو مدلول عدم قهر اليتيم؟

- لقد نهض النبي، صلى الله عليه و آله، من أرض الحرمان؛ فكان نصير المحرومين، وقد أوصاه الرب بمداراة اليتيم، و نهاه عن قهره، و تجاوز حقه، فقال له: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ.

ان احساس اليتيم بالنقص يكفيه قهرا، ولابد ان يقوم المجتمع بتعويض هذا النقص بالعطف عليه؛ لكي لا يتكرس هذا النقص في نفسه؛ فيصاب بعقدة الضِعة، و يحاول ان ينتقم عندما يكبر من المجتمع، و يتعالى على أقرانه، و يستكبر في الأرض و .. و..

ولعل التعبير بعدم القهر يشمل أمرين: الأول: دفع حقوق اليتيم اليه، الثاني: عدم أخذ الحق من عنده بالقهر و التسلط.

و قد راعى القرآن الجانب النفسي لليتيم مع انه بحاجة -عادة- الى معونة مادية ايضا، أَوَ تدري لماذا؟ أولا: لان كل الأيتام يحتاجون الى عطف معنوي؛ بينما قد لا يحتاج بعضهم الى عون مادي، ثانيا: لان النهي عن قهرهم يتضمن النهي عن استضعافهم المادي ايضا.

و قد وردت نصوص كثيرة في فضيلة الاهتمام بالأيتام و النهي عن ظلمهم.

فقد روي عن رسول الله، صلى الله عليه وآله، أنه قال: «من مسح على رأس يتيم كان له بكل شعرة تمر به على يده نور يوم القيامة»(8).

و قال، صلى الله عليه و آله: « أنا و كافل اليتيم كهاتين في الجنة، إذا اتقى الله عز وجل « و أشار بالسبابة الوسطى (9).

 

 تكريس الطبقية

* لماذا ورد نهي نهر السائل بهذه اللهجة الشديدة في قوله تعالى:﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ؟

- كما اليتيم؛ الفقير السائل، أوصى الاسلام به خيرا، فقال ربنا سبحانه: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَر و من عاش و رأى الحرمان، و لدغته لسعات الجوع كان أحرى باحترام مشاعر السائل كانسان، و سواءٌ وُفق لمساعدته أو لا؛ فان عليه ان يتجنب نهره و زجره و اغلاظ القول له؛ فإن في ذلك إفساداً لنفسه؛ حيث يشرع في التعالي على الناس، و الاستكبار في الأرض، و عبادة الدنيا و زينتها، كما ان في ذلك إفساد نفسية السائل، وزرعها بعقدة الضعة؛ فربما دار دولاب الزمن و استغنى السائل و افتقر المسؤول! كما ان في ذلك إفساداً للمجتمع بتكريس الطبقية فيه.

وقد وصّى الاسلام بالسائل كثيراً ألا يُنهر؛ فقد روي عن رسول الله، صلى الله عليه واله، أنه قال: «ردوا السائل ببذل يسير، أو رد جميل، فانه يأتيكم من ليس من الانس و لا من الجن ينظر كيف صنيعكم فيما خولكم الله».(10)

و نهى الاسلام عن السؤال، وعدّه ذلا، ولكنه نهى ايضا عن رد من يسأل، جاء في حديث مأثور عن الامام الباقر، عليه السلام، انه قال: «لو يعلم السائل ما في المسألة. ما سأل أحدٌ أحداً. ولو يعلم المعطي ما في العطية، ما رد أحدٌ أحدًا».(11)

 

 حديث النعمة

* في قوله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}أمرنا الله تعالى أن نحدث بنعمته، فما هي أبعاد مثل هذا الحديث؟

- الرزق طعام الجسد، و شكره طعام الروح، و من فقد الشكر أحس بجوع دائم، أَوَليس أعظم الغنى غنى النفس؟

أولئك الذين يستشعرون الفقر النفسي يشبهون - تماما- المصابين بمرض الأفكل، تسري في عروقهم قشعريرة باردة ولو تحت عشرين دثارا.

و العطف على اليتيم، ورد السائل بالإنفاق او بالكلام الطيب مظهران للشكر؛ إلا ان لشكر نعم الله مظاهر شتى أمر الاسلام بها جميعا عبر كلمة حكيمة جامعة، فقال: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}.

و الحديث عن النعمة يشمل ثلاثة أبعاد:

أولا: الاعتراف به و بيانه أمام الملأ لكي لا يحسبه الناس فقيرا وهو مستغن بفضل الله؛ فقد روي عن الامام الصادق، عليه السلام، في تفسير الآية: «فحدث بما أعطاك الله، و فضلك، ورزقك، و أحسن اليك، و هداك».(12)

ثانيا: ان يرى أثر نعمته على حياته؛ فلا يبخل على نفسه مما رزقه الله، مما يخالف حالة الترهب الذي نهى عنه الاسلام .فقد جاء في الحديث المأثور عن الامام أمير المؤمنين، عليه السلام، حين اشتكى اليه «الربيع بن زياد» أخاه «عاصم بن زياد» و قال: انه لبس العباءة، و ترك الملأ، و انه قد غم أهله و أحزن و لده بذلك، فقال أمير المؤمنين، عليه السلام: «عَلَيَّ بعاصم بن زياد» فجيء به؛ فلما رآه، عبس في وجهه و قال له: «أما استحييت من أهلك، أما رحمت ولدك؟ أترى الله أحل لك الطيبات، و هو يكره أخذك منها! أنت أهون على الله من ذلك، أَوَليس الله يقول: {وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ} أَوَليس يقول: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ} الى قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ فبالله لَابِتذالُ نعم الله بالفعل أحب اليه من ابتذالها بالمقال، فقد قال عز وجل:﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ فقال عاصم: يا أمير المؤمنين !فعلى ما اقتصرت في مطعمك على الجشوبة، و في ملبسك على الخشونة؟ فقال:» و يحك! ان الله عز وجل فرض على أئمة العدل ان يقدروا أنفسهم بضَعَفَة الناس كيلا يبيغ بالفقير فقره» فالقى عاصم بن زياد العباء و لبس الملاء. (13)

و ينبغي ان يأخذ الانسان من زينة الحياة الدنيا بقدر حاجته؛ فقد روي عن رسول الله، صلى الله عليه وآله، انه قال: «ان الله جميل يحب الجمال، و يحب ان يرى أثر نعمته على عبده» (14)

ثالثا: شكر من أنعم عليه من أرباب النعم، و الانفاق على الآخرين؛ فقد جاء في الحديث المأثور عن النبي، صلــى الله عليه و آله: «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، و من لم يشكر الناس لم يشكر الله، و المتحدثُ بالنعم شكر، و تركُهُ كفر، و الجماعة رحمة، و الفرقة عذاب». (15)

و بقي ذكر رسول الله، صلى الله عليه وآله، خالدا رغم انف المعاندين له؛ فقد روي عن معاوية أنه سمع المؤذن يقول: أشهد ان لا إله إلا الله و ان محمدا رسوله الله، فلم يملك إهابه، و اندفع يقول:

« لله أبوك يا ابن عبد الله، لقد كنت عالي الهمة، ما رضيت لنفسك إلا ان يقرن اسمك باسم رب العالمين». (16)

----------------

1- بحار الأنوار، ج1،ص97.

2- سورة الشعراء ، الآية 219.

3- نهج البلاغة ، خ192، ص300.

4- سورة يوسف، الآية 3.

5- سورة العنكبوت، الآية48.

6- سورة الشورى، الآية 52.

7- تفسير نور الثقلين، ج5،ص595.

8- تفسير نور الثقلين، ج5،ص597.

9- تفسير نور الثقلين، ج5،ص597.

10- تفسير القرطبي، ج20،ص101.

11- تفسير نور الثقلين،ج5،ص598.

12- تفسير نور الثقلين ،ج5،ص598.

13- تفسير نور الثقلين،ج5،ص601.

14- تفسير القرطبي،ج20،ص102.

15- تفسير القرطبي،ج20،ص102.

16- حياة الإمام الحسين،عليه السلام، للشيخ باقر شريف القرشي، ج2،ص151.

 

تبيين السورة

﴿و؛أي: قسماً بـ﴿الضُّحَى: صدر النهار، و المراد به مطلق النهار ﴿و؛ أي: قسماً بـ ﴿اللَّيْلِ إِذَا سَجَى: سكن و استقر ظلامه، و جواب القَسَمين:﴿مَا وَدَّعَكَ يا محمد، صلى الله عليه و آله، ﴿رَبُّكَ الوداع الأخير﴿وَمَا قَلَى؛ أي: و ما أبغضك ﴿وَلَلآخِرَةُ حيث مقام الشفاعة لك ﴿خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى؛ أي: من الدنيا الفانية﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ من الشفاعة في الآخرة بقدر ﴿فَتَرْضَى بها ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى؛ أي: قَبِلَ لك مأوى في كنف جدك عبد المطلب و عمك أبي طالب {وَوَجَدَكَ ضَالاًّ} في قومٍ لا يعرفون فضلك ﴿فَهَدَى الناس إليك ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً تعول أقواما بالعلم﴿فَأَغْنَى؛ أي: أغناهم بك ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ؛ فادفع إليه حقه، و لا تأخذ حقه منه بالقهر و التسلط{وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ}؛ أي: فلا تطرده؛ لأنه في ذلك إفساداً لنفس السائل، و إفساداً لنفس المسؤول {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ}، أي: بما أعطاك ربك، و فَضَّلك، و هداك ﴿فَحَدِّثْ الناس أمام الملأ.


ارسل لصديق