السلم الاجتماعي في سيرة أئمة أهل البيت {عليهم السلام}
كتبه: حيدر الرماحي
حرر في: 2015/09/27
القراءات: 814

تقف كل مصطلحات علم الاجتماع، وكل بنود منظمة حقوق الإنسان، وقوانين جمعية الهلال الأحمر وجميع الهيئات والمنظمات الدولية المختلفة، عاجزة عن بلوغ ما قام به أهل البيت، عليهم السلام، في سبيل الحفاظ على السلم الاجتماعي للأمة وبناء دولة الإنسان العادلة.

إنّ إحدى أهداف نزول الكتب السماوية لجميع الديانات الإلهية، وبعث الرسل، وتعيين الأئمة المعصومين أولياء من الله - تعالى- من أجل تحقيق مفردة السلم الاجتماعي، وإيجاد الأمن والاستقرار داخل الأمة. وهذا بدوره لا يتحقق إلاّ بعد إيجاد النظام العادل الذي يحقق ذلك السلم ويحافظ عليه.

فحينما تكون بنود هذا القانون غير عادلة ولا تصب في مصلحة المجتمع، حينها تصبح حياة الفرد مهددة تحت طائلة هذا القانون الظالم. ولذا فإن العمل على صيانة أحكام الشريعة وتطبيقها على أرض الواقع، هو الضمان الوحيد لتحقيق الأمن والسلم الاجتماعيين، ومن أجل ذلك شهدت حياة أئمة أهل البيت، عليهم السلام، ألواناً مختلفة من التعاطي مع أبناء المجتمع، بغض النظر عن تنوع انتمائهم، واختلاف عقائدهم، في سبيل الحفاظ على السلم والأمن الاجتماعيين للأمة، لذلك نجدهم، عليهم السلام، لم يبخلوا على أحد بأي شيء، لا يخالف شريعة السماء، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على حقيقة تحملّهم لمسؤولية الإمامة، وما تتطلبه من أعمال وسلوكيات أخلاقية، تؤكد عمق ارتباطهم بالوحي الإلهي وشريعة السماء، سواءً؛ كانوا يمارسون الحكم، كما تسنّى لأمير المؤمنين، ومن بعده الامام الحسن، عليهما السلام، او كانوا خارجه، يمارسون الإمامة والقيادة المعنوية والإلهية، فلا تهمهم السلطة الدنيوية والظاهرية، إلاّ بمقدار أن يقيموا حقاً أو يدفعوا باطلاً.

بيد أن المشكلة بدأت عندما لم يدرك بعض الناس، دلالات بعض الاعمال التي قام بها الأئمة، عليهم السلام، والمواقف التي اتخذوها، فبينما هم يصرحون بأحقيتهم بالخلافة بعد رسول الله، صلى الله عليه وآله، نجدهم لا يسعون لها بمختلف الطرق والوسائل، كأن يخوضوا الحروب الطاحنة - مثلاً- لاستعادة هذا الحق! وكيف أنهم يرفضون الباطل والحكومات القائمة عليه، بينما نجدهم يواكبون الاوضاع السياسية الجارية، ويجارون الامور ما سلمت الأمة.

النقطة الرئيسية في كل ذلك؛ أن الإسلام وتعاليم الوحي فوق كل اعتبار أو مسألة من المسائل، حيث تذوب في الإسلام كل الفوارق والمميزات، كما تذوب عصبيات الإنسان القبلية وتقاليده العمياء، والشواهد على ذلك كثيرة أذكر منها بعض المواقف:

 

  الموقف الأول:

كان من المفترض أن يمارس أمير المؤمنين، عليه السلام، دوره في الخلافة بعد رسول الله، صلى الله عليه وآله، ولكن أُقصي عن إمرة المسلمين (سياسياً)، ومع هذا نجده يمارس دور الإمامة عبر عدة طرق؛ حيث انفتح على الواقع الاجتماعي، من خلال رسالة الإسلام، فلم يغب عن وعيه، الشعور بالمسؤولية اتجاه فقراء المسلمين و أيتامهم، ولا عن القضايا العامة للمجتمع الاسلامي، سواء كان ذلك بما يتعلق بأمور السلطة وكيفية إدارة شؤونها، أو ما يتعلق بأمورهم الاجتماعية والاقتصادية ومسائل القضاء، وغيرها، مما دعاه ذلك إلى أن يقول: «خشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً وهدماً، تكون المصيبة بهما عليَّ أعظم من فوات ولاية أموركم التي إنما هي متاع أيام قلائل، ثم يزول ما كان منها، كما يزول السراب وكما ينقتعُ السحاب».(1)

وقال في موضع آخر: «لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلاّ عليَّ خاصّة»(2).

من هنا لم تكن معارضته لما جرى بعد النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، من منطلق ذاتي، بقدر ما كانت موقفاً لإحقاق الحق، وكلمة أمام الباطل.

فكان يستجيب لهؤلاء الذين تقدموا عليه وأبعدوه عن حقّه، فيُقدّم لهم المشورة والنصيحة والتعاون، لأن رسالة الإسلام تفرض عليه ذلك. حتى قال الثاني: «لولا علي لهلك عمر»(3). بينما كان بمقدوره أن يؤسس لمعارضة تعمل على زعزعة النظام الحاكم، ثم إثارة أجواء عدم الاستقرار في المجتمع الإسلامي، ولكنه لم يفعل ذلك حفاظاً منه على السلم الاجتماعي للأمة ورعاية مصالحهم.

 

  الموقف الثاني:

ونعود الى موقف الإمام الحسن، عليه السلام، وقبوله الهدنة مع معاوية، بغض النظر عن الأسباب الحقيقية لما يسمى بـ «الصلح» إلاّ أن أكبر نتيجة وثمرة لما قام به الإمام، عليه السلام، هو تحقيق الأمن والسلم الاجتماعي للمجتمع الاسلامي آنذاك، فقد انطلق الإمام الحسن، عليه السلام، في قراره هذا من رؤية واعية لمجريات الأحداث وما عليه واقع المسلمين، فكانت النتيجة عبارة عن حالة من الاستقرار والهدوء النسبي في ربوع الأمة الإسلامية. علماً أن استلام السلطة وتشكيل الحكومة الإسلامية، لم يكن هو ما يرمي إليه الإمام الحسن، عليه السلام، كما هو نهج أبيه أمير المؤمنين، من قبل، بل الدافع الحقيقي هو صيانة مبادئ الإسلام، وتكريسها في المجتمع، ثم ممارسة دور القيادة في ضوء تلك المبادئ والقيم السامية.

أضف إلى ذلك؛ كان لكل واحد من بنود المعاهدة مع معاوية، أهميته الكبرى في تحقيق السلم الاجتماعي، وهذا ما أكدّ عليه البند الخامس، حيث نصّ على «أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله تعالى...». من ذلك يظهر ما لـ «الصلح» كمفهوم إسلامي، من أهمية عظيمة في نشر السلام والأمن والأمان بين الناس. وهذا تحديداً، كان سبباً في إماطة اللثام عن حقيقة معاوية أمام المسلمين بأجمعهم، وأنه السبب في إراقة الدماء ونشر الارهاب وعدم الاستقرار في الامة.

 

  الموقف الثالث :

حينما بلغ الانحراف عن مبادئ الإسلام والدين الحنيف ذروته في عصر الإمام الحسين، عليه السلام، وبات يهدد أمن الأمة وسلامة أفرادها من حاكم طاغية، و متهور أدى به الأمر إلى أن يجعل من الحكم الإسلامي ألعوبة بيد الحزب الأموي، يتلاعب بمقدرات الأمة ويفعل ما يشاء، من منكرات وتجاوزات، دونما وازع او رادع، مما أدى الى تشويه صورة الإسلام في العالم. فما كان من الإمام الحسين، عليه السلام، إلا أن قرر الانتفاض وبشدة بوجه هذا الطغيان والانحراف الفاحش، رافعاً لواء الإصلاح في أمة جدّه، ساعياً نحو توفير الأمان المسلوب وتحقيقاً للسلم الاجتماعي بين صفوف الأمة، والذي بدأ يزيد بتهديده وزعزعته من خلال سياساته الهوجاء التي كادت أن تقذف الامة في أتون الفوضى.

وللمفارقة التاريخية؛ فان واقعة كربلاء الفجيعة، لم تخلّف الفوضى والارباك الاجتماعي، رغم فداحة الخطب، وما جرى من استشهاد الامام الحسين، وابنائه واخوته واصحابه، بتلك الصورة المريعة، ثم ما جرى على نسائه وأهل بيته، إنما بقي المجتمع الاسلامي آمناً، فلم تنتشر العداوات والحساسيات والمطاردات بين هذا وذاك. إلا ما جرى من حركة ثأرية قادها المختار، وكان الهدف منها، تأسيس نظام سياسي يقوم على الأسس الاسلامية، ويكون بديلاً عن النظام الأموي الفاسد، مع ذلك لم يقتل من الآلاف التي شاركت في واقعة كربلاء، إلا عدداً معدوداً من القادة البارزين، مثل عمر بن سعد، وشمر، وحرملة وغيرهم. بينما نلاحظ في الجهة المقابلة، ماذا فعل يزيد بالمجتمع وبالمسلمين في مدينة رسول الله؟!

لمجرد اعتراض عدد من علماء الأمة وشيوخها الكبار آنذاك، على الانتهاكات الصارخة له، وعدم تطبيقه أحكام الدين والاستخفاف بالقيم والمقدسات، فانه جهز جيشاً جراراً نحو المدينة المنورة، وأطلق العنان لجنوده بأن يفعلوا ما تملي عليهم شهواتهم، فكانت واقعة «الحرّة» الشهيرة، التي تعرضت فيها المئات من الفتيات والنساء الى الاغتصاب، وقتل خلق كثير من المسلمين، في مقدمتهم علماء كبار، ابرزهم؛ عبد الله بن حنظلة (غسيل الملائكة) وصاحب القصة المعروفة في جهاده بين يدي رسول الله، صلى الله عليه وآله.

ولم يتوقف اجرام هذا الطاغية واستخفافـــــــــه بالـــــــــقيم الانسانية والدينية، إنما انتهك أقدس كيان لدى المسلمين، ألا وهو قبلتهم؛ الكعبة المشرفة، عندما ضربها بالمنجنيق، وأحرقها، بحجة مواجهة التمرّد الذي قاده عبد الله بن الزبير.

يتبين من خلال هذه المواقف، أن الإسلام دين الحياة الطيبة، لأنه يدعو إلى السلم والسلام، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}، (سورة البقرة، الآية:208). لذا عمل الأئمة المعصومون على تحقيق هذا الأمر، تبقى القضية الرئيسية - وكما ذكرنا آنفاً- أن تحقيق السلم الاجتماعي في الأمة، مرهون بإيجاد النظام العادل، ولا أعدل من نظام الإسلام وقوانين شريعته السمحة الغراء، من هنا لاحظنا كيف أن الأئمة، سلام الله عليهم، عملوا من أجل أقامة هذه الحكومة العادلة، ولاحظنا أيضاً، كيف أنهم يتعاملون مع حكام الجور، بما يحفظ قيم الإسلام ومبادئه العليا، فإن كان حفظ هذه المبادئ في ترك المطالبة بالحقوق ولو لفترة معينة، لم يترددوا في ترك المطالبة بها تحقيقاً لهذه الغاية، وهي حفظ الإسلام وشريعة سيد الرسل من الضياع. وهكذا العكس؛ فلو كان حفظ هذه المبادئ السامية يتم بالتدخل المباشر وخوض المواجهة مهما كانت المخاطر، يكون ذلك من أولى أولوياتهم، فلا نستغرب حينئذٍ، من قعود الإمام الحسن، وخروج الإمام الحسين عليهما السلام، فالأولى بنا كأتباع لأهل البيت، عليهم السلام، أن نتعلم من هذا التراث الضخم في إدارة الأحداث ومعالجة الواقع الاجتماعي ببصائر أئمة أهل البيت، سلام الله عليهم، لنعالج واقعنا المتأزم بهدى الوحي الإلهي.

---------------

1- بحار الأنوار، ج33 - ص568.

2- شرح نهج البلاغة، ج6- ص166.

3- نفس المصدر، ج1- ص18.


ارسل لصديق