الامتحانات النهائية «البكلوريا» بين طموحات الطالب وضغوطات الأسرة
كتبه: سعد مغيمش الشمري
حرر في: 2015/11/28
القراءات: 1042

تمثل الاختبارات المركزية المعروفة بـ «البكلوريا»، خطوة متقدمة في طريق صياغة شخصية الطالب المتعلم في المراحل المتقدمة، وهو مطلب أساسي يتكامل مع العناصر الحضارية لكل أمة طامحة نحو التقدم والرقي، فلا سبيل إلى ذلك إلاّ بإعداد طالب متفكّر، وباحث، ومتفاعل، ومشارك. ولاشك أن أفضل قاعدة للانطلاق إلى تحقيق هذا المطلب؛ إعداد منظومة تربوية لتطوير المرحلة المتوسطة من اجل ان يكون المقياس والتقويم للطالب، مجرد وسيلة وليس غاية، وهذه مهمة المدرسة، في أن تترك بصماتها المؤثرة على سلوك طلابها، وإعدادهم علمياً ونفسياً، للمشاركة الإيجابية في الاختبارات المركزية القادمة (البكلوريا)، سواءً؛ التي يؤديها الطالب في الصف الثالث المتوسط، أو في الصف السادس الاعدادي. ومن هنا كانت خطورة هذه المرحلة التعليمية، لأنها مرحلة تدرّج وانتقال بين مرحلة التعليم الأساسي، والمراحل الأخرى متعددة الاتجاهات، في شقيها الأدبي والعلمي، وعلى صعيد المراحل الاولى من الجامعة، أو على صعيد الدراسات العليا.

 

* طموح النجاح وضغوط العائلة

للأسف، يتصور بعض الآباء أن ممارسة الضغط الشديد والمتابعة المفرطة للطالب، تساعده في المذاكرة والمدارسة، ثم الدخول بقوة قاعة الامتحان والحصول على الدرجة العالية المنشودة، لاسيما وأن الجو الاجتماعي في العراق وفي عديد بلادنا الاسلامية، يتجه الى حثّ الطالب نحو اختصاصات محددة متمثلة بالطب والهندسة، لما لها من المردود المالي مصحوبة بالسمعة والمكانة الاجتماعية، بخلاف سائر الاختصاصات ذات الشأن الاقل.

هذا التوجه الذي خلقه المجتمع وينفذه أفراده، وفي مقدمتهم الأب والأم ثم الاخوان والاقارب، يشيع في البيت اجواء الخوف وعدم الاستقرار، وربما التهديد المبطن، وهذا ما نلاحظه في الفترة التي تسبق امتحانات «البكلوريا»، للسادس الاعدادي، سواءً للدور الاول، او الدور الثاني، لانه يمثل الاختبار الأخير والمصيري للطالب، ويمثل بوابة العبور إلى فضاء الجامعة.

هذا التوتر غير المبرر، ينعكس على الاجواء العامة في الأسرة، فالاهتمام المركز على طالب او طالبة بعينها في الاسرة، يخلق ارباكاً في شبكة العلاقات بين افراد الاسرة، حيث هنالك الابناء الصغار، سواءً من هم دون سن المدرسة، او في المراحل الاولى، وهم بدورهم ينتظرون الاهتمام والعناية من الكبار. وفي حالة استفحال هاجس «البكلوريا» فان الجميع سيكونون في خدمة هذا «الامتحان الخطير»، كما لو انه خطر داهم على المنزل والعائلة، ولابد من التعبئة العامة لمواجهته!

وبما أن الآباء والأمهات لهم النصيب الأكبر من التوتر والشدّ العصبي، لما يعيشونه من فترة صعبة بين التوق والشوق، وبين الواقع والخيال، وبين النجاح والفشل للطالب، فان ذلك ينعكس على العلاقات الزوجية ايضاً، وربما يتسبب أحيانا الى توتر في هذه العلاقة، وخلق جو من الاكتئاب المصحوب باليأس من الحياة، والسبب في ذلك نلاحظه في أن بعض الآباء يبالغون في التدخل بحياة الطالب، بهدف حثّه على رفع المعدل للحصول على التخصص المطلوب، وهو طموح مشروع وجميل، بيد ان الصحيح ايضاً النظر الى القدرات الموجودة، فهذا في غاية الاهمية، لذا فان الخوف من عواقب الفشل، وتعرض الأبوين الى صدمة العلامات المتدنية، هو الذي يدفع الطالب لتحقيق المستحيل لإرضاء أبويه، وليس من اجل المضي في طريق التقدم العلمي والتفكير في المستقبل. وهذا نلاحظه بشكل واضح في اوساط الطلاب البنين اكثر من البنات، لان اغلب الطلاب الذكور غالباً ما يكونون متعبين في الدراسة وبحاجة مستمرة الى من يتابعهم ويذاكر معهم، وربما يدفع البعض للجوء الى العنف اللفظي والجسدي، لما يرونه من حالة اللامبالاة والتهرّب، طبعاً؛ هذا من بعض الطلبة البنين، وليست هي حالة عامة.

أما فيما يخصّ الطالبات، فان الملاحظ في الغالبية العظمى منهنّ الجدّ والاجتهاد في الدراسة، مع وجود قابليات عالية على الاستيعاب وقدرات ذهنية وقادة، وهذا يعود الى عوامل عديدة، لسنا بصدد التفصيل فيها، وهذا ما يرغَّب الأبوين أكثر للعناية بهنّ أو الاستعانة بالمدرسين الخصوصيين بهدف الحصول على الدرجات العالية وربما الدرجات الكاملة. وهذا ما يدفعنا للقول: إن العوائل تكون مطمئنة من جانب البنات أكثر من البنين في الامتحان الوزاري للسادس الاعدادي.

هذا ما يتعلق بالأجواء المحيطة، متمثلة بالأسرة والمجتمع، أما وضع الطالب نفسه، فان قلق الامتحان، يبدأ كحالةٍ عابرة، وهي عبارة عن استجابة مكتسبة يتعلمها الطالب، أو تحدث نتيجةً لظروف أو مواقف معينة ضاغطة تواجه الطالب، ثم يبدأ الطالب في تعميم استجابته على مواقف أخرى، أي عندما يؤدي الامتحان لمواد أخرى، وحينها يصبح القلق اضطراباً نفسياً لديه. فإذا عمم الطالب قلقه على مواقف حياتية أخرى؛ حينها قد يُعاني من القلق العصبي، وقد يؤدي إلى مرض نفسي مزمن.

لكن مهما يكن من أمر، فان الطالب في ظروف كهذه يكون محاطاً باهتمام الأبوين، فهم يسهرون بلا توقف على راحة أبنائهم وتوفير سبل النجاح، و يسعون دون ريب إلى رؤية فلذات أكبادهم يعانقون الامتياز ويرتقون في سلّم العلم والمعرفة ويلامسون أسوار الجامعات، لذا فهم يبذلون الغالي والنفيس لتحقيق هذه الأمنية لهم و لأبنائهم، حتى أن بعض العوائل تتحول الى خلية نحل، تعمل بجد لأجل توفير كافة سُبل الراحة لابنائها للتفرّغ لهذه الامتحانات المصيرية، فتكون التضحية بكثير من الرحلات الترفيهية او بعض البرامج هنا وهناك، للوقوف الى جانب الطالب في هذه المرحلة.

 

* الأجواء السليمة والمطلوبة

من هنا؛ يمكن القول: إن الاجراءات المبالغ فيها في هذا المجال، لن تكون عوناً للطالب، بقدر كونها تشكل عائقاً و مشكلة في طريقه، لإن الأمور الزائدة عن حدّها الطبيعي، تعد من مسببات القلق والخوف والارتباك الى حد الغثيان، حيث إن وطأة الضغوط والشعور المتزايد بالمسؤولية أمام الأبوين والمحيط الاجتماعي، يرفع من درجة التركيز، مما يحدث قلقاً شديداً، فيجعل الطالب في حالة تشتت ذهني وفقدان للذاكرة، لذا من يعاني مثل هذه الحالة، عليه تجاهل المبالغات ويتعامل مع الاختبارات بصورة طبيعية. وقد يفرط الوالدان في توقعاتهم عن تفوق أبنائهم، ويتحدثون مع الأبناء عن ضرورة تحقيق هذه التوقعات، الأمر الذي قد يزيد من الضغوط النفسية التي يتحملها الطالب، ويزداد الأمر تعقيدا إذا كانت قدرات الأبناء وإمكاناتهم أقل بكثير من توقعات الآباء. كل هذا وغيره يدفعنا للدعوة الى أجواء سليمة وصحية يجب توفرها للطالب من اجل تحقيق الآمال والغايات المنشودة. وهي تندرج ضمن عدة اجراءات منها:

1- الاهتمام بالطعام الصحي

خلال فترات الامتحان يزهد الأبناء في الطعام، ويعبرون دائما عن عدم الرغبة في تناول أي وجبات غذائية، مما قد يكون له تأثير سلبي عليهم، فنوعية الطعام الذي يتناوله الطالب له تأثير مباشر على حالته العصبية والذهنية والبدنية، لذا يفترض من الطالب تناول الطعام الصحي والمتوازن، في فترة الامتحانات، وتتضمن الفواكه والخضروات الطازجة، وما يحتوي على البروتين والسوائل والسكريات والاملاح الطبيعية.

2- توفير أماكن مناسبة للمذاكرة

يجب على الوالدين أن يحرصا على تهيئة الأجواء المناسبة للأبناء؛ لتجاوز الضغوط النفسية والقلق، وذلك من خلال تجهيز الوالدين مكاناً مناسباً لمذاكرة الأبناء، تتوافر فيه عوامل التهوية الجيدة والإضاءة، ووضع الجلوس الجيد والبعد عن مصادر التشويش وعدم التركيز، والبعد عن مصادر الإزعاج، مثل؛ الهاتف أو التلفزيون، وأيضاً عليهم الابتعاد عن المشاجرات مع الإخوة الصغار أو الخلافات الأسرية.

3- تجنب التهويل

إن حالة التهويل وتعظيم الأمور، من المسائل التي يجب تجنبها من المحيطين بالطالب، مثل رسم خرائط مستقبلية او هيئة ذهنية للطالب عندما يكبر ويصبح طبيباً او مهندساً او... مما يزيد من الضغوط النفسية، في حين يجب على الوالدين إدراك أن للنجاح العديد من السبل، والتفوق الدراسي واحد منها، فلا داعي لخلق حالة من القلق المبالغ فيها.

إن العملية التربوية بكل أبعادها، تمثل معادلة تفاعلية ومتعددة العوامل، تتقاسم أدوارها أطراف عدة أهمها؛ الأسرة، والطالب، والمدرسة، بحيث تتعاون جميعها في تأدية هذه الرسالة على خير وجه للوصول للنتائج المرجوة، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال توثيق الصلات بين البيت والمدرسة. فالتعليم قضية مجتمعية لابد أن يشارك فيها جميع الأطراف.


ارسل لصديق