بيعة الغدير بين البنيوية الاعتقادية والحدث التاريخي
«دراسة في مفهومي الاسلام والايمان»
كتبه: الشيخ حيدر الشمري
حرر في: 2015/09/28
القراءات: 735

لقد جاءت العديد من النصوص الشرعية، وهي تؤكد على الارتباط العضوي بين الاسلام والايمان من جهة، وعدّت أن الاخير هو المرحلة المتقدمة من الاندماج والاندكاك في تلك المنظومة القيمية التي تتخذ من الاسلام ديناً لها؛ ومن جهة أخرى، أكدت على وجود الملازمة بين الجانب الاعتقادي والانبعاث من خلاله نحو العمل.

وإذن؛ فإن الايمان هو مكمل للعمل، والعكس هو الصحيح ايضاً، حيث لا إيمان من دون عمل. لذا جاء الخطاب القرآني موضحاً هذه الحقيقة عندما خاطب «الأعراب»، وهم سكّان البادية، الذين أعلنوا إسلامهم، حينما رأوا أنهم بمجرد دخولهم في الاسلام فقد وصلوا الى تلك المراحل المتقدمة من الارتباط بذلك الجسد الواحد وتلك المنظومة، فجاءت الآية الكريمة: {قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}، (سورة الحجرات، 15).

ولا ندعي أن هذا الشيء مختص في الاعتقاد بالاسلام فقط، لا بل ان ذلك ينطبق على جميع حالات الارتباط المبني على اسس إيديولوجية، غير نفعية ومصلحية. وعليه؛ فان هناك فرضية مفادها أن الارتباط و الايمان بمنظومة القيم التي جاء بها الانبياء، عليهم السلام، ليس بالضرورة ان يكون عند جميع الاتباع، ومن ثم فإن عملية الانقلاب على الأعقاب، أمر محتملٌ  جداً وغير مستبعد.

 

 مفهوم الاسلام في اللغة والاصطلاح

جاء لفظ الاسلام واشتقاقه في العديد من آيات القرآن الكريم. ويعرف الاسلام بأنه دون الايمان، وهو الاعتراف باللسان.

والتسليم هو بذل الرضا بالحكم، و «أسلم أمره الى الله»، أي سلّم، و «أسلم»، أي دخل في السلم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} (سورة البقرة: ٢٠٨)، أي في الاسلام. وهناك فرق بين من يُسلم، وبين من يستسلم، حيث ان الاستسلام هو الانقياد.

وفي الاصطلاح: هو إظهار الاسلام، والاقرار به، والانقياد الى الشريعة الاسلامية، ويتحقق بإعلانه لاعتناقه الاسلام من خلال تشهد الشهادتين، و إن كان هو ليس شرطاً فيمن ولد من أبوين مسلمين، بل يحكم بإسلامه حتى يظهر منه خلاف ذلك.(1)

ولهذا نجد ان النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، لم يحاسب المنافقين مع أنه كان يعلم بنفاقهم وعدم إيمانهم. وقد روي عنه انه قال: «يخرج من النار من قال: لا اله الا الله. وفي قلبه وزن شعيرة من خير...».

وليس الغرض من ذكر الرواية، إثبات كفاية الإقرار باللسان لدخول الجنة، إنما مع ملاحظة «بشرطها وشروطها»، ولكن الاستدلال بها للدلالة على كفاية ذلك للدخول في الاسلام. والحادثة التي رواها «مسلم» بسنده عن أسامة بن زيد، قال: بعثنا رسول الله، صلى الله عليه وآله في سرية... فأدركت رجلاً، فقال: لا اله الا الله، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي، فقال رسول الله: أ قال لا اله الا الله وقتلته؟! من ذلك نفهم ان مفهوم المسلم ينطبق على كل من تشهد الشهادتين مع عدم الإتيان بما يخالف ذلك ظاهراً.

 

 مفهوم الايمان لغةً واصطلاحاً

مفهوم الايمان ومشتقاته وصفات المؤمنين جاءت بكثرة في القرآن الكريم. و الايمان هو الثقة و إظهار الخضوع، وقبول الشريعة. قال «الراغب» في مفرداته: والايمان يستعمل تارة اسماً للشريعة التي جاء بها النبي محمد، صلى الله عليه وآله، ويوصف به كل من دخل في شريعته مقراً بالله وبنبوته، وتارة يستعمل على سبيل المدح ويُراد به إذعان النفس للحق على سبيل التصديق وذلك باجتماع ثلاثة أشياء: تحقيقٌ بالقلب، وإقرار باللسان، وعملٌ بحسب ذلك بالجوارح. (2)

وكما قال الامام الباقر، عليه السلام: «الايمان إقرار وعمل، والاسلام إقرار بلا عمل». ويرى السيد المدرسي ان الايمان عبارة عن نقطة ضوء مركزة جداً، فاذا انبسطت اضحت صبغة حياة الصالحين. وتتمثل هذه النقطة في كلمة الايمان التي هي «لا اله الا الله»، وهي تعني جوهر سائر ما في الكتاب من حِكَم، و أحكام وسنن.

ولكن بشرط ان تتحول كلمة التوحيد الى واقع عملي، لان المنافقين تشهدوا الشهادة و أعلنوا انهم دخلوا في الاسلام ظاهراً، ولكنهم واقعاً كانوا ليسوا كذلك. (3)

والغاية من كل ما تقدم هو ان نفهم مفهوم الاسلام وعلى من يطبق عليه، وكذلك مفهوم الايمان، لنفهم ان هناك الكثير من المسلمين لم يكونوا مؤمنين، حيث ان الايمان يشارك الاسلام، والاسلام لا يشارك الايمان.

 

 بيعة الغدير مقياس الإيمان الحقيقي

وحركة الانبياء، عليهم السلام، هي أيضا تشهد على ان هناك فرقاً واضحاً بين الاتباع الظاهري وبين الارتباط بمنظومة القيم التي جاء بها الانبياء، عليهم السلام، ولعل خير مثال على ذلك، ما حدثنا به القرآن الكريم من قصة موسى، عليه السلام، حيث انه لم يترك قومه إلا أربعين يوماً، ورغم انه قد جعل خليفته هارون، عليه السلام، عليهم، وهو نبي ايضاً، مع ذلك انحرفوا وعبدوا العجل الذي صنعه لهم السامري وأضلهم: { وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} (سورة البقرة: ٥١)، والآية الكريمة: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} (سورة الأعراف: ١٤٨)، والآية الكريمة: {لايَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً (87) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً}، (سورة  طه: ٨٧ - ٨٨).

وهناك أمثلة كثيرة في الواقع العملي، مؤدى جميعها، انه ليس من الضروري افتراض ان كل من انضم الى مجموعة معينة فقد آمن بجميع ما تعتقد به. ومن تلك الامثلة؛ مسألة تنصيب الامام أمير المؤمنين، عليه السلام، من قبل النبي، صلى الله عليه وآله، خليفة له من بعده، حيث ان عملية التنصيب لم تكن ـ حسب الدلائل التاريخية ـ فقط في حادثة الغدير، عندما أمر الله -جلّ وعلا- نبيه باتخاذ علي بن ابي طالب، عليه السلام، خليفة له، بل ان هناك إشارات متعددة انه، صلى الله عليه وآله، بين أهلية الامام علي، في عدة مواقف، ومن عدة جوانب، حيث أن النبي كان يضع الاوسمة على صدور اصحابه حسب الادوار التي يقومون بها، وحسب ما تقتضيه الضرورة. فنراه يضع وساماً على صدر عمار بن ياسر، حينما أخبره بانه مع الحق وان الفئة الباغية هي التي تقتله، وكذلك على صدر سلمان حينما بين للناس بان سلمان وصل الى درجة ان يكون من أهل البيت، وكذلك بالنسبة الى ابي ذر حينما اتهموه بالكذب، فأخبرهم أن أبا ذر عنوان للصدق، ولا يمكن ان يكذب، وهكذا بالنسبة الى الكثير من الصحابة. ولكن نستطيع ان نقول ان الأوسمة التي عُلقت على صدر الامام علي، عليه السلام، لم تعلق على صدر غيره، وما حادثة أخذ البيعة للامام علي، عليه السلام، في «غدير خم» إلا تتويج لذلك البناء الذي قام به النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، لبيان من يخلفه على الامة، ولذلك فان حادثة الغدير لم تكن عبارة عن حدث تأريخي ممكن ان ينفصل عما قبله من إشارات و دلالات على أهلية بل أحقية الامام علي في إمامة الامة وخلافة النبي، صلى الله عليه وآله. مع الملاحظة؛ بان التوصيفات التي وصف به علي بن ابي طالب، عليه السلام، لم يوصف بها احدٌ غيره، هذا من جانب، ومن جانب آخر فانها كانت تستبطن التصريح بشروط الخليفة التي لا تنطبق عليه، عليه السلام، وهي كثيرة كما رواها أرباب السير والمؤرخون والمفسرون، والتي جاء بعضها لبيان بعض الآيات النازلة والتي كان سبب نزولها يختص بالإمام علي، عليه السلام.

ورغم كل هذا نجد المسلمين لم تتفق كلمتهم على بيعة الامام علي، رغم ان الكثير من الصحابة أقرّ بذلك، كما ذكرهم الامام، عليه السلام، ببيعتهم له.

ومن كل ما تقدم، نستطيع ان نقول ان الكثير من ابناء الامة كانوا يعانون من خلل في البناء العقائدي، حيث انهم كانوا مسلمين، بيد أنهم لم يصلوا الى درجة الايمان والاعتقاد بجميع تلك المنظومة القيمية التي جاء بها الاسلام، وهو الذي كان وراء رفضهم البيعة للإمام علي، عليه السلام، من جانبهم، ومن جانبه الايمان المطلق بكل تلك المنظومة الالهية والتي كانت رافضة لكل القيم الجاهلية التي لم يستطيعوا الانعتاق منها.    

-------------------

1- ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج13، ط1، مؤسسة الاعلمي، ص138.

2- الراغب الاصفهاني، مفردات غريب القرآن، ص 76ـ 77.

3- محمد تقي المدرسي، التشريع الاسلامي، ج4 ص21. وأيضا : محمد تقي المدرسي، من هدى القرآن، ج9، ص 355.


ارسل لصديق