الاحزاب النخبوية ومخاطر السقوط عن قافلة الجماهير
كتبه: كريم محمد
حرر في: 2015/09/29
القراءات: 658

 إن من يدقق في سلوكيات الآخرين سيتعلم من ذلك مواقع الخطأ من الرأي والسلوك ويتجنبها هو في حياته، فإن واحدة من القضايا الهامة في الحياة الاجتماعية؛ أن الناس يتفاوتون في كل شيء؛ في فكرهم وسلوكياتهم، غير أنهم يحسنون العيش مع بعضهم.

في ظل هذا الوضع يقفز سؤال حاد:

كيف سيتمكنون من العيش المشترك مع كل هذا التفاوت الذي يضمرونه في قلوبهم؟ وما الذي يفرض عليهم التنازل عن بعض خصوصياتهم من أجل الانسجام مع الجماعة؟

كأنما هناك حاجة فردية للانسجام مع متطلبات الجماعة، ولهذا يتنازل المرء عن خصوصياته التي تميزه عن باقي البشر وتبصم على هويته الشخصية، وربما كان ذلك إجراءً مؤقتاً يستخدمه الشخص كورقة رابحة في زمان انضمامه للجماعة، ويتخلى عن ذلك عندما ينفصل عنها. غير أن التحول والتغيير في نمط الشخصية هو بحد ذاته مسألة إيجابية تمنح القدرة لدى الفرد بأن يمارس إرادته بالتحكم بشخصيته وبرغباتها وأهوائها، فعادةً ما يكون هناك تضارب بين المصالح الضيقة للفرد ورغباته وأهوائه، وبين رغبات الجماعة وأهدافها.

 إن الذين ينضمون إلى الجماعات السياسية والتنظيمات الاجتماعية، وبخاصة المنظمات الإنسانية، مثل «الهلال» أو «الصليب الأحمر»، وغيرها من المنظمات المعنية بالبيئة وحقوق الانسان، هؤلاء يمارسون أرقى أنواع الضبط والتحكم برغباتهم ومصالحهم الشخصية، لأنهم يتخلّون عن أهدافهم الشخصية وعن أنانياتهم في سبيل خدمة الآخرين، وهذا بالطبع بحاجة إلى نكران الذات ومن الممكن أن يتخذ المرء من الجماعة غربالاً لتنقية صفاته السيئة وسلوكياته الخاطئة، لأن الإطلاع بما يفعله الآخرون عن قرب، إذا لم يضف إلى معارف ومعلومات الشخص الشيء الكثير، فإنه على الأقل سيثير فضوله ويساعده ذلك على مراجعة ذاته مرة أخرى عسى أن يتمكن من تغيير بعض عاداته السيئة.

صحيح أن بعض الافراد يرغبون بالانتماء إلى الجماعة، لكنهم يجب أن يحذروا من التورط في أعمال جماعية قد تكون منافية لما يؤمن به الفرد ويعتقد به، فليس كل عمل جماعي يؤدي إلى نفس الهدف، وليست كل الجماعات السياسية تسير على جادة الصواب، فثمة من ينتمي إلى الجماعة ويكون غرضه الثروة أو السلطة أو المركز الاجتماعي، وربما تتحقق أحدى هذه الأهداف لكن المرء يخسر أهدافاً أخرى، فهو مثلاً يبيع مبادئه وقيمه في سبيل الثروة وبعد أن يصل إليها أو المكانة المرموقة من خلال الجماعة الفلانية... نجد أنه يخسر حياته، فهو يخسر الدنيا والآخرة معاً.

إن الأعمال الجماعية التي تقدم الخدمة للناس هي الأعمال المباركة التي حثّ عليها الدين الحنيف والأئمة الأطهار، عليهم السلام، فما قيمة الشعارات التي يرفعها المرء دون أن يطبق واحدة منها؟ وما قيمة المناداة بالكلمات المعسولة، والناس لايقبضون من هذه الشعارات والكلمات العسلية غير الصراخ؟!

التوجيه الدائم الذي يأتي من جانب أهل البيت، عليهم أفضل الصلاة والسلام: «كونوا دعاةً لنا بغير ألسنتكم»، فالناس ليسوا بحاجة إلى مزيد من الموعظة، فهم أعرف بقضاياهم، لكنهم يريدون المثال الذي يقتدون به في الصعاب وفي ظروف العسر والحرج، وخير دعوة لطريق الحق هو خدمة الناس في أبسط أمورهم، وفي أكبرها. وهذا العمل بحد ذاته يمثل نوعاً من الدعوة إلى طريق الحق.

يجب أن تنتمي إلى الجماعة التي ستفتخر بها أمام الناس في الدنيا وأمام رب العزة في الآخرة، لما تقوم به من أعمال صالحة وخيّرة لله ولعباده، ولاتجعل القرار الحزبي فوق كل شيء؛ فوق الحلال والحرام و فوق رغبة الناس وضد طموحاتهم.

السؤال الأبرز في هذا الصدد هو لماذا تفشل أكثر الأعمال الجماعية في بلادنا؟

وعندما نقول: «تفشل» فإننا نقصد، حتى تلك الأحزاب التي تصل إلى السلطة ولكنها تتحول إلى أحزاب سياسية دكتاتورية، ولنا في تجربة حزب البعث البائد، خير مثال، فقد ادعى هذا الحزب «الوطنية» ورفعه شعاراً، كما ادعى «الوحدة»، وشعارات سياسية أخرى جميلة جداً في هيئتها وعذبة في نبرتها، لكنها ظلّت شعارات ومجرد كلمات على الورق لا قيمة لها ولا واقع

المشكلة أن هذه الأحزاب فصلت نفسها عن طموحات وآمال الجماهير، فغدت تنظيمات نخبوية لا همّ لها سوى إصدار القرارات وتعيين السياسات على أساس أنها أحزاب ريادية لا تخضع لإرادة الجمهور وفي النهاية سقطت في القبر الذي حفرته لنفسها.


ارسل لصديق