الحج «جهاد كل ضعيف»
كتبه: حسين محمد علي
حرر في: 2015/09/30
القراءات: 573

ترى ما هو الحج؟ ولماذا في تلك الأرض القفر حيث لا زرع ولا ضرع؟ ولماذا في هذا المكان الضيق؟ وفي هذا الزمن الضيق؟

أي شيء يميز هذا المكان و أي شيء يميز هذا الزمان؟

لماذا من استطاع الحج ولم يحجّ، عُدّ عند الله كافراً؟{وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ}،(سورة، آل عمران:97)

ولماذا بهذه الحالة الغريبة؟ حيث يتخلّى الإنسان عن ملابسه العادية، ويتجرد عن كل ما كان يلتزم به في حياته اليومية في بلاده؟

لكي نصل الى إجابة لهذه الاسئلة الكبيرة، لابد أن نبدأ بحالات الحج؛ حالةً فحالة، وان نمشي مع الحجاج، خطوة فخطوة، لنستعرض أمامنا صور الحجاج وهم يذهبون إلى بيت الله المحرم، فمن أين يبدؤون؟ كما خاطب الرب - تعالى- نبيه موسى، على نبينا وآله وعليه افضل الصلاة والسلام، قائلاً: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى}،(سورة، طه: 12) فكان على النبي وهو في منطقة بين مكة ومنى أن يخلع كلما يرتبط بالدنيا حتى نعليه، كذلك يأتي الخطاب الى حجاج بيت الله في المواقيت، أن اخلعوا ما عليكم من ما يشدّكم الى الأرض واستعدوا لرحلة المعراج الى الله سبحانه. بينت بعض الروايات أن النعلين اللذين أمر الرب، النبي موسى بخلعهما هما؛ خوفان كانا يقلقان النبي موسى، الأول: خوف من ضياع أهله، إذ تركها وهي في حالة مخاض. والثاني: خوف من فرعون الذي كان يلاحقه بجيشه العظيم، فأمره الرب بأن يخلعهما من قلبه ليصفو لله تعالى. لاشك هنا أيضا بأن العلاقة بين خلع النعلين وبين الوادي المقدس، أن الإنسان في الأماكن المقدسة يجب أن لا يكتفي بخشوع القلب فقط، وإنما يجعل مظهره أيضاً دالاً على أنه خاشع لله - سبحانه وتعالى-. إن الحج يبدأ بالإحرام، حيث يتخلّص الإنسان من كل ثيابه ليعود يلبس الكفن ويمشي، وعلى شفتيه لا ذكر للحياة ولا ذكر للأولاد ولا للتجارة ولا للطعام، بل ذكر الله وحده و تلبية لنداء الرب: «لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك...». هكذا يبدأ الحج تنازلاً عن كل شيء، فهو إذن عودة العبد إلى مولاه، عودة الذليل إلى العزيز، عودة الفقير إلى الغني، فـ «هَلْ يَرْجِعُ الْعَبْدُ الابِقُ إلاَّ إلَى مَوْلاهُ»؟

هي العودة الطبيعية التي لا يمكن أن تحدث إلا بمقاومة جبت النفس، فلا تدرع ولا طيب ولا تزين ولا حتى نظر الى المرآة! إنها الخطوة الأولى في تطبيق كلمة «لا إله إلا الله» في ذات الإنسان.

صحيح ان كل شيء في الحج حالة استثنائية، إلا أن هذه الحالة، هي الحالة الطبيعية لدى الإنسان بان يكون عبداً ذليلاً أمام الله، جبار سماوات والأرض. لكن هذه الحالة الطبيعية حيث نُسيت في حياتنا الطبيعية يشعر الإنسان حين العودة إليها أنها استثنائية!

طبيعة الإنسان انه عاجز، طبيعة انه ظلوم وجهول، فهو الذي جاء من العدم بإرادة الملك الجبار، وهو الذي يعطيه نور الهداية ونور الوجود، ومن هنا فإن الخطوة الأولى؛ العودة الى الحالة الأولى، اخلع ثيابك، وكل ما تدرعه، وامش حاسر الرأس ولا تغطّ حتى ظاهر قدمك. ثم تأتي الخطوة الثانية؛ تطوف حول أحجار قد وضعت على بعض، هذه هي الكعبة التي شرفها الله تعالى، فلا قيمة لها من دون الله، بل لا قيمة لشيء سوى الله في هذا الكون، هنا تعرف المحور الحقيقي لحياة المؤمن في الدنيا، هنا تبيع كل شيء لتشتري مرضاة الله، تقبل الحجر الأسود حتى لو كنت ابيض! هنا تبايع الرب لتبيع كل شيء امتلكته بملكية الله -عز وجل- لكي تتم الصفقة بينك وبين الرب.

ثم تأتي الخطوة التالية في الحج؛ بالصلاة خلف مقام شيخ الموحدين إبراهيم الخليل، عليه السلام، ذلك الذي نلبّي نداءه في الحج، حيث أمره الرب بأن يدعو الناس الى حج بيته الحرام فقال: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}،(سورة، الحج:27) فأذن فوق جبل ابي قبيس حتى سمعه كل من في أصلاب الرجال وأرحام الأمهات. ثم يسعى المرء في المسعى مهرولاً حيث هرولت هاجر، تلك المجاهدة المهاجرة في سبيل الله.

فالحج كما في الحديث الشريف «جهاد كل ضعيف». وبذلك يكون الحاج، وفْد الله، وحقٌ على الله، أن يكرم وَفده، وأن يعود عليه بالمغفرة، فقد سُئل رسول الله، صلى الله عليه وآله، عن علّة الحج فقال: «لعلة الوفادة وطلب الزيادة مع ما فيه من التفقّه».


ارسل لصديق