سرقوا الدين قبل أن يسرقوا الأموال
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2015/11/16
القراءات: 663

الكثير من المشاة الذين يتوجهون نحو مرقد الامام الحسين، عليه السلام، هذه الايام، يحملون  معهم مشاكل يريدون حلّها، مع نفسه أو مع المحيطين به، من مجتمعه الصغير (الأسرة) او الكبير، او مع الذين يحكمونه في مؤسسات الدولة. وثمة «مشكلة» أخرى داخل هذه المشكلة، تكمن في طريقة المعالجة والحل، فالبعض يعكف طيلة أيام السنة على مطالعة الكتب والبحث بين النظريات والافكار علّه يجد ما يفيده، ومن هو في طور السرعة «الصاروخية» هذه الايام، وما أكثرهم، فإنّه يفضل الاعتماد على وسائل نشر المعلومة والفكرة بشكل سريع، من خلال مواقع النت، ثم وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها. هذا الى جانب الاعتماد على النظرية الديمقراطية التي يفترض ان تقدم النموذج المطلوب- تقريباً- للعلاقة الحسنة بين المجتمع والدولة. كل ذلك؛ والمشاكل تتوسع وتزداد تعقيداً، وهذا ما نشهده في العراق - مثالاً- لأنّ ثمة حلقة واحدة مفقودة في سلسلة البحث هذه وهي؛ «التجربة»، فلا حاجة للبحث والتنقيب كثيراً؛ يكفي نظرة بسيطة خلال مسيرة المشي او التوجه الى كربلاء المقدسة لزيارة الاربعين، على تجربة الامة في عهد الامام الحسين، عليه السلام، وكيف تعرضت لتلك الكبوة الخطيرة في تاريخها؟

الامام الحسين، عليه السلام، يكشف جانباً مهماً من مشكلة الامة في كلمة له قبل توجهه الى العراق: «الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معائشهم، فاذا مُحصوا بالبلاء قلّ الديانون». ثم لنستمع الى ما قاله معاوية بن أبي سفيان في الفترة التي سبقت هذا الخطاب، حيث صعد المنبر في جامع الكوفة بعد توقيع الهدنة مع الامام الحسن، عليه السلام، وهو يصارح المسلمين بأنّه لم يهدف لمقاتلتهم «حتى تصوموا وتصلوا فأنتم فاعلون ذلك، إنما لأتأمّر عليكم». بمعنى أن الاخير أبعد المسلمين عن الدين، وقربهم الى السلطة، فكم اشترى دين هذا وذاك بالدراهم والدنانير، حتى بنى القاعدة الجماهيرية التي تمثلت فيما بعد بجيش ابن سعد في كربلاء؟!

مجرد التخلّي عن الدين، بكل ما يتضمنه من منظومات قيم وثقافة وتشريع، أوقع المسلمين آنذاك في دوامة الازمات والمشاكل، لذا نرى الامام الحسين، عليه السلام، يخطب في الجموع يوم عاشوراء، ولا مجيب، لأن «لا حياة لمن تنادي»، وكيف يسمعون ويعون، وقد ضُربت على أبصارهم غشاوة سميكة من التضليل والتزييف، حتى وجدوا في قتال ابن بنت رسول الله، «تعزيزاً لوحدة الأمة وتكريساً للأمن والاستقرار...»!

لقد أوضح الامام الحسين، عليه السلام، كل شيء منذ اللحظة الاولى التي غادر فيها مدينة جدّه رسول الله، فهو لم يطلب من الناس، بالدرجة الاولى، اتباعه ليشكل حكومة ونظاماً سياسياً ناجحاً، إنما طلب أن يلتزموا بالدين الذي جاء به النبي الأكرم، وأقام على اساسه ذلك المجتمع الفاضل والحضارة العتيدة، ومن ثم يتجاوزوا مشكلتهم الاساسية، وهي العلاقة المختلّة مع السلطة والحكم، وإلا ما الفائدة من حكم يتولاه الامام الحسين، تتكرر فيه تجربة أبيه أمير المؤمنين، الذي بلغ به الأمر أن يدعو لمبادلة أصحابه بأصحاب معاوية...!

على طول الخط كان هذا نهج الأئمة المعصومين، عليهم السلام، في علاقتهم بالأمة؛ تحكيم القيم والمبادئ، وان تسود الامة وجميع افراد المجتمع، الاخلاق الفاضلة والصفات الحميدة الى جانب الايمان والعقيدة. وعلى طول الخط أيضاً، كان الحكام الذين واكبوا الأئمة، عليهم السلام، والذين استمروا في مسيرة الحكم والسلطة حتى يومنا هذا، والى أجل غير معلوم، يبذلون كل ما بوسعهم، من أموال وقدرات عسكرية وأمنية وحتى نفسية، لأن يقللوا من التزام الناس بهذه القاعدة الاساس في الحياة، بالمقابل يعززون علاقة الناس بهم وبمنظومتهم الفكرية والسياسية. فهل من المنطقي ان يتوقع أحد حلاً للمشاكل في ظل هكذا مآل؟

لذا، بدلاً من الاستمرار في لوم الحاكم والباحث عن السلطة، في عدم حلّه مشاكل الناس وعدم تغليب المصحلة العامة على مصالحه الخاصة ومكاسب حزبه وجماعته! حريٌ بنا أن نعود الى تلك القاعدة التي اراد تشييدها الامام الحسين، عليه السلام، والتي خسرتها الامة الفرصة التاريخية وكسبت بالمقابل مصيبة عظمى، بتلوثها بدمهِ الطاهر، واليوم أمامنا فرصة جديدة لأن نستضيء بنور النهضة الحسينية ونمزق ظلمة الطريق ونتجه سريعاً نحو الاصلاح والتغيير ثم تحقيق الحياة السعيدة.


ارسل لصديق