علماء الدين يحملون رسالة إلى العالم كتبها الإمام الحسـيـن عليه السلام بالدماء والدموع
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2015/11/18
القراءات: 1063

قال الامام الحسين، عليه السلام، في جانب من كلمة مهمة وجهها الى علماء المسلمين في آخر عهد معاوية: "ثم أنتم أيها العصابة، عصابة بالعلم مشهورة، وبالخير مذكورة، وبالنصيحة معروفة، وبالله في أنفس الناس مهابة، يهابكم الشريف، ويكرمكم الضعيف، ويؤثركم من لا فضل لكم عليه ولا يد لكم عنده".

ثم قال عليه السلام: «لقد خشيت عليكم أيها المتمنون على الله! أن تحلّ بكم نقمة من نقماته، لأنكم بلغتم من كرامة الله منزلة فضلتم بها، ومن يعرف بالله لا تكرمون، وأنتم بالله في عباده تكرمون، وقد ترون عهود الله منقوضة فلا تفزعون، وأنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون، وذمة رسول الله، صلى الله علي وآله وسلم، مخفورة، والعمي والبكم والزمني في المدائن مهملة لا يرحمون».

إن الظلام لا ينحسر إلا بعد أن ينبعث النور، كما أن الجبابرة والظلمة لا يسقطون، إلاّ بعد أنْ تقوم ثورة في الامة يقودها العلماء بالله ويسقطون عروش الطواغيت.

وهذه كانت رسالة الامام الحسين، عليه السلام، الى علماء الامة، وهي الرسالة ذاتها التي حملها من بعده الإمام السجاد، وعمته العقيلة زينب، عليهما السلام. فهي رسالة التصدّي للمسؤولية. وكلمة «التصدّي» تمثل بالنسبة لنا درساً كبيراً تفرض على  العالم الواعي التصدّي والتكلّم في الساحة، وعدم السكوت، فهو مطالب دائماً بحكم علميته ومعرفته بالامور، ومثله بين الناس، كمثل الأعمى والبصير. وفي الحديث عن الامام  الصادق، عليه السلام، بأن الله - تعالى- «يغفر للجاهل سبعين ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنباً واحد».

والأمة في هذه المرحلة بالذات من تاريخها، بحاجة الى هذا الدرس الذي أعطاه الامام الحسين، عليه السلام، بكلماته، وبدمه، وبأشلائه، وحتى بدم رضيعه، وبالسياط التي تلوّت على متن زينب، عليها السلام، وبسبي حـُرمه، وبقطع يديّ العباس، عليه السلام. كتب الإمام، عليه السلام، هذا الدرس بالدم والدمع وبالمأساة، كتبه للتاريخ وللعالم، بأن أيها المسلمون...! أيها الواعون من ابناء هذه الامة...! لاتسكتوا على الظلم،  فأنه يبقى وينتشر ويسود مادام الناس ساكتين عنه، والضلالة تبقى مادام اصحاب الهدى وحملة راية الدين لا يرفعونها عالياً.

 

 بناء الانسان قبل بناء السلطة

لقد جاء الانبياء من قبل الله - تعالى- بعد ان زكاهم ورباهم وهيأهم، بهدف هداية الناس. فهل جاء هؤلاء الانبياء من اجل تشكيل حكومة او تأسيس نظام سياسي؟ ربما يكون ذلك، لكن الحكومة والنظام السياسي الديني والالهي، يكون قائماً على اساس وجود الناس المؤمنين، وعلى القيم، وليس على اساس القمع والتضليل وتوزيع الاموال، لذا فإن هذه الحكومات العصرية، لم تكن هدف النبي والائمة والانبياء، عليهم السلام، إنما هدفهم كان بناء الناس، والناس هؤلاء يشكلون الحكومة، و أي حكومة قائمة على اساس القيم وقبول الناس، فهي مقبولة، أما القائمة أساساً على الطغيان والقمع والتضليل والترغيب والترهيب، فهي الى زوال.

ولمن يقرأ تاريخ أهل البيت، عليهم السلام، لاسيما من المؤمنين والموالين، يجد أنه حينما نُصّب أمير المؤمنين، خليفة من قبل النبي الأكرم، في يوم الغدير، وقال: صلى الله عليه وآله: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه»، لم يقل هذه الكلمة، بهدف تشكيل حكومة يرأسها الامام علي، عليه السلام، لفترة معينة من الزمن، مثل أي حاكم سياسي آخر. بل يكون إماماً عبر التاريخ، فهو إمام كل المؤمنين في ذلك الحين، ولمن جاء بعدهم ، ولنا  اليوم ايضاً، والى يوم القيامة، وفي الدنيا والاخرة.

 

 التضحية والتصدّي

لقد نهض الامام علي، عليه السلام، بالمهمة الرسالية التي أوكلها إياه رسول الله، صلى الله عليه وآله، فقد كان الامام في البيت، كما كان في المسجد بين المسلمين، ثم كان ايضاً لدى توليه الحكم، وهو كذلك الى يوم القيامة. وبما أن الإمام بحاجة الى أمّة، فإنّه، عليه السلام، قام بصنع أمّة، استمراراً لعمل النبي صلى الله عليه وآله، فقد صنع الأمّة وصاغها بتربيته، وهو القائل، عليه السلام، في وصيته لكميل بن زياد النخعي: «يا كميل إن رسول الله، صلى الله عليه وآله، أدّبه الله، عز وجل، وهو أدّبني وأنا أؤدب  المؤمنين وأورث الأدب المكرمين». وبهذه التربية والصياغة والتأديب، انطلق في حربه ضد الناكثين البغاة على الدين والحق والعدل، ثم حارب المارقين، وهم الخوارج، أما نحن فنقاتل أبناء أولئك الخوارج (الدواعش) وأمثالهم، بمعنى أن الامام علياً، عليه السلام، سنّ لنا سنّة، ونظم للأمة الاسلامية منهج التصدّي والمواجهة؛ فانتم تحاربون الناكثين والقاسطين والمارقين، حتى تشكلوا الأمة وتحموا دينها وقيمها ومصالحها وحاضرها ومستقبلها.

وهكذا استمرت المسيرة، فمن بعد النبي، صلى الله عليه وآله، قامت الزهراء، عليها السلام بدورها في التصدي، ثم بعدها أمير المؤمنين، عليه السلام، ثم قام الامام الحسن، عليه السلام بدوره أيضا، ثم جاء دور الامام الحسين، عليه السلام، ليكتب للأمة والعالم درساً بدم الشهادة والتضحية، في التصدّي والقيام لله و صون الدين والأمة والقيم، من الانحراف والضلال والفساد.

 

 على خطى الحسين، عليه السلام،

اليوم نقول للمسلمين والمؤمنين: هيئوا انفسكم للدفاع عن الدين، وعن القيم، وعن الحق والعدل والفضيلة والخير. إن كنت تفكر اليوم ان تصبح طبيباً - مثلاً- فهذا  ممتاز، ولكن لا تجعل هذا كل هدفك، بأن تجمع الاموال وتوفر الطعام والملابس وغيرها لأهلك، وتحوز على شقة صغيرة وسيارة وغير ذلك، فهذا ليس هدفاً مقدساً، وليس هدف الانسان الرسالي والموالي، تقول: انا حسيني وعلوي وفاطمي... وهذا يتحقق عندما تكون طبيباً او مهندساً، وفي أعلى مستويات التخصص، من اجل أنْ تدافع عن دينك وعن وطنك وعن أمتك، قد لا تحمل البندقية طوال حياتك، لكن عملك كطبيب بمنزلة حمل البندقية والسلاح، بأن تخدم الامة والمرضى في سيبل الله تعالى، وهكذا سائر الاعمال. فكم يا ترى، من تاجر فكّر، منذ اول يوم، أن  يطلب من الله تعالى ودعاه مخلصاً، بأن يوفقني لجني الأموال الكثيرة لكي أخدم عبادك الناس، وأخدم مجتمعي ووطني وأمتي، وأن اصون وجهي، وأصون وجه الدين؟

وهكذا ايضاً طالب العلم وعالم الدين، لا يجب ان يكون همه أهدافاً رخيصة او بسيطة،  كأن يصبح عالماً من اجل أن يحترمه الناس وتوزع صوره هنا وهناك، إنما يتعلم من اجل أن يعلم و يوجّه  الناس الى الدين والقيم، وربما في لحظة ما قد يستوجب عليه أن يضحي او يتعرض لمصائب او ترهيب وترغيب مثلما حدث مع العالم الجليل السيد يونس الاردبيلي في مدينة مشهد المقدسة، حينما اعتقلته سلطات الشاه البائد لإجباره على الافتاء بجواز كشف المرأة لرأسها، في سياق الاجراء القمعي والمعادي للدين في سني الاربعينات من القرن الماضي، فكان الجواب من ذلك العالم المجاهد؛ النفي القاطع ولم يعط فتوى تجيز السفور، فهدده شاه ايران آنذاك بالقتل، فرد عليه: اذا اعطيتك فتوى من اجل ان احفظ رقبتي، فماذا سأقول غداً للامام الحسين، عليه السلام، اذا سألني، هل أقول: اجزت ذلك من أجل الحفاظ على دمي وحياتي، فسيقول لي: أ دمك أغلى أم دمي؟!

وفي تاريخنا الكثير من هؤلاء العلماء المجاهدين، ممن قاموا بحمل الراية و اتبعوا نهج الامام الحسين، عليه السلام، في التصدي.

إذن؛ فإن الدرس الاساس والمهم الذي نريد أن نتعلمه ، ويجب أن تعيه وتتعلمه الأمة من مدرسة كربلاء، ونهضة الامام الحسين، عليه السلام، ومن أهل بيته، ومن أصحابه البررة، ومن علمائنا وسلفنا الصالح هو، درس التصدي، و أن على المسلم المؤمن أن يتصدّى ويتحمل المسؤولية ولايتنصل منها. وهذه هي رسالتنا، وهي رسالة إمامنا الحسين، عليه السلام.

عندما ينادي الامام الحسين، عليه السلام: «ألا هل من ناصر ينصرني»، بمن يستنصر، عليه السلام، وقد استشهد جميع من كانوا معه من اهل بيته واصحابه؟ نعم ايها الموالون الرساليون، وأيها الشباب...! إن الامام، عليه السلام، لم يكن يستنصر هؤلاء الشهداء، إنما كان يريد أنصاراً من بعده عبر التأريخ، يريدكم أنتم، بأن تنصروا الدين، وتحموا الراية وتقوموا بمهمة التصدي دائماً وابداً، ولذلك انت تقول في زيارتك له، عليه السلام: «لبيك داعي الله.. لبيك يا حسين»، بمعنى أني قد جئت ناصراً، فإن لم أكن في ذلك اليوم، فأنا اليوم جئت أتحمل المسؤولية و أقوم بدوري و واجبي في النصرة والتصدي.


ارسل لصديق