الأخلاقية الدينية في سبيل فاعلية المجتمع
كتبه: أنور عزّالدين
حرر في: 2015/11/21
القراءات: 677

رغم أن أكثر من نَظَرَ إلى الإسلام والرسالات الإلهية الأخرى وفَسَّرها، حاول أن يحمِّلها فكرة أن الرسالات إنما تهتم بواقع الفرد كفرد، دون أن تعير أي أهمية لواقع الفرد كوحدة أساسية تشكل مع الآخرين مجتمعاً قائماً له أهدافه وتطلعاته في الحياة، إلاّ أننا نعتقد أن الدين يعطي الأولوية الأولى لخلق المجتمع الإنساني الصالح، وليس فقط لإصلاح الإنسان كفرد.

وما ذلك التفسير الخاطئ للدين إلاّ لفصله عن الحياة، وجعله تجربة فردية بين الإنسان وربه، دون أن يكون له أدنى تأثير على سلوك الفرد في المجتمع سواء مع نفسه أو مع الآخرين.

 

 ملاك حيوية المجتمع

الحياة هي القوة الكامنة في الشيء، والتي تعطيه القدرة على اكتساب الأشياء الأخرى وإذابتها في بوتقة واحدة وفي اتجاه معين.

إن المجتمع الحيّ، هو تماماً كالبذرة الحيّة، فهو يملك القدرة على أن يمتص من حوله الإمكانات المادية والبشرية ويذوِّبها كلها في بوتقة واحدة، ويعطيها التفاعل ويوجهها من أجل بناء الحضارة الإنسانية التي تسير أبداً في اتجاه النمو والتكامل. أما المجتمع الميت، فهو كالبذرة الميتة، يفتقد خاصية الامتصاص والتفاعل والنمو، ومن ثم سرعان ما يتفسخ ويتفتت ومن ثم يتلاشى.

وعلى ذلك؛ فالمجتمع الحيّ، هو الذي تكون علاقات أبنائه ببعضه قائمة على أساس القيم السليمة، والعمل الصالح، فالعلاقات الإيجابية المتفاعلة، هي أهم شيء في تكوين المجتمع الحيّ.

أمّا المجتمع الذي تكون علاقاته قائمة على أساس العنصرية، والاعتبارات القبلية، والمصالح المادية، والإقليمية، يكون كالجسد الميت الذي لا تلبث البكتريا والميكروبات الموجودة فيه، أن تحلله وتفسخه وتحوله خلال مدة قصيرة إلى تراب وعظام نخرة.

 

 قيم المجتمع الحيّ

إن بناء المجتمع على أساس القيم الصحيحة، والعمل الصالح يعطيه ديناميكية في الاتجاه الصحيح، وعكس ذلك صحيح أيضاً.

ولكي نوضح الفكرة، دعنا نضرب مثالاً على ذلك: إذا حفرت نهراً يمتد من ينابيع المياه ويجري عبر الأراضي الصالحة للزراعة، فسوف يروي هذا النهر آلاف الهكتارات من الأراضي المزروعة ويصبح سلّة خبز لأولئك الذين يعيشون حول هذه المنطقة.

أما إذا حفرت ذات النهر عبر أراضٍ سبخة فأنه لن ينفع شيئا وستذهب مياهه هدرا.

وتتوقف تقدم وحيوية المجتمع البشري على قوانين وأنظمة ذاتية كثيرة تخلق ديناميكية المجتمع منها:

1- الاستباق في الخيرات

للتنافس والاستباق إلى الخيرات، والمسارعة إلى الجنة، دور حاسمٌ وأساسي في دفع المجتمع إلى الأمام وفي المحافظة على خطه العام.

والشعور بالتنافس جزء من النزعة الاجتماعية في المجتمع، وهي تشبه الروح في الإنسان، والإسلام حين ينمّي هذه النزعة ويطهّرها، فإنّما يضرب على الوتر الحساس.

إِن التنافس يجب أن يكون حول الإيمان والعمل الصالح، أي حول محور التقوى، وأن ما عدا ذلك من القيم والأسماء والانتماءات لا تعني شيئاً بل إنّها سوف تتلاشى.

وفي الآية: {وَمَا تُقَدِّمُوا لاَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ  بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. (سورة البقرة،110)

نجد حوافز هائلة نحو العمل، لأن الإنسان إذا اكتشف أن عمله سيبقى ولن يضيع فأنه سيندفع إلى العمل الصالح بشكل كبير. وفي سورة النساء ما يدل على أن المحور الأساسي في الحياة هو العمل الصالح النابع عن الإيمان الحق:

{لَيْسَ بِاَمَانِيِّكُمْ وَلآ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ اُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَاُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً}. (النساء،123-124)

وفي سورة البقرة: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. (سورة البقرة،148)

فلا بأس أن يختلف الناس ويتفاضلوا بالميزات والاتجاهات العلمية والعملية، ولكن بشرط أن تكون وجهات الجميع خيراً، فالأعمال إذا كانت جميعها صالحة فإنها ستجتمع بالتالي في اتجاه واحد.

 2ـ العلاقات التفاعلية

إن العلاقة بين أبناء المجتمع الإسلامي ليست علاقة تراكميّة وكميّة، وإنما هي علاقة تفاعلية عضوية. وهذه صفة المجتمع الحيّ، الذي يتفاعل أبناؤه بحيث يضاف كل واحد إلى الآخر إضافة كيفية يتشجع بالآخر، ويتعاون ويتكامل معه. فكل جزء من أجزاء الإنسان وكل حركة من حركاته وكل نشاط من نشاطاته، يتكامل مع الجزء المماثل عند الإنسان الآخر.

إن المجتمع الإسلامي مبني على أساس الحب، وعندما تحب الآخرين، فإنك لا تبحث كيف تستفيد منهم وتستثمرهم وتستغل طاقاتهم، وإنما تبحث أبدا كيف تخدمهم، وكيف تضحي بذاتك من أجلهم. ونجد في كثير من الأحاديث المأثورة عن الأئمة عليهم السلام، إن أرفع درجات الإيمان، أن تحب لله وتبغض لله. فإذا أردت أن تجرّب نفسك هل أنت مؤمن، أم لا تزال نسبة من الشرك والنفاق توجد في نفسك، فانظر إلى علاقتك بالآخرين: ما حقيقتها؟  ولماذا ترتبط بهم؟ هل من أجل أن يخدموك؟، أو من أجل أن تخدمهم؟

إذا ثبّتنا هذه القاعدة الأصيلة وهي قاعدة الحب الاجتماعي، آنئذ نستطيع أن نبني على هذه القاعدة بناءنا الاجتماعي.

3ـ التعاون ركيزة البناء الحضاري

التعاون والعمل المؤسسي هو أحد العوامل الرئيسية لحيوية المجتمع وفاعليته، والإسلام يؤكد على التعاون جوهراً وإطاراً، وجوهر العمل المؤسسي هو تعاون الجهود في خطة يضعها العلم.

فالإسلام يعد العلم عنصراً جوهرياً في إدارة الحياة والمجتمع، ويهتم بالعلم والعلماء، كما أنه يجعل العلم قصب السبق الذي يتنافس عليه الناس، ويجعل المعرفة الهدف السامي الذي لابد أن يسعى الجميع للوصول إليه.

فالمعرفة تسبق الحركة، والعلم يسبق العمل، وبذلك يجعل العمل مقارنا للعلم ومزكّى به. وهناك أحاديث كثيرة نستوحي منها هذه الفكرة، أي أن يكون عمل الإنسان نابعا من علمه، ووفق خطة علمية ومنهجية محددة.

والإسلام يُخرج الإنسان من قوقعته الذاتية عبر التعاليم الاجتماعية التي تصب في قنوات حب الآخرين، وقد جاءت رسالات الله لتبدل محور الإنسان من ذاته إلى محور الأخوة الاجتماعية. ومن ثم يُخرجه من ظلمات نفسه إلى نور الحق، ومن سجن أنانيته إلى رحاب الواقع، ومن عمى انغلاقه، إلى بصيرة انفتاحه.

إن معرفة الآخرين هي الخطوة الأولى نحو التعاون معهم، حيث إنها تقود إلى اكتشاف نقاط القوة والضعف الموزعة بين الأفراد وكذلك بين المجتمعات، ومن ثم ينفتح السبيل أمام تكميل كل فرد أو طائفة نواقصهما بما لدى الآخرين، ومن ثم يشجع على تبادل المنافع والمصالح لما فيه خير الجميع.

إن التعاون والعمل المؤسسي له ثمرات متعددة تجـــعله ضرورة إستراتيجية؛ فهو يوجد الاندفاع نحو المزيد من العمل، حيث يرى جهوده مثمرة، لأنها تصبح بفضل النظام، متكاملة مع جهود الآخرين.

إن المجتمع الذي يشجع أفراده ويدفعهم إلى العمل، يصبح مثل القاعدة الصلبة التي يمكن للأفراد أن ينطلقوا منها ويتقدموا. بينما المجتمع الذي يخوِّر العزائم ويثبِّط الهمم، يكون كالرمال الرخوة التي تبتلع الجهود.

ومن جهة ثانية فالتعاون يرفع العقبات من طريق الأفراد ليواصلوا مسيرتهم. ذلك أن الإنسان الفرد لا يملك سوى إمكانيات محدودة،  فمع وجود التعاون، يمكن السيطرة على أغلب المشاكل والصعوبات التي تعترض الأعمال الحضارية.

ومن جهة ثالثة فهو يوفر القدرة على الاستمرار في العمل. إن الأعمال العلمية الكبيرة، والإنجازات الحضارية الضخمة، لا يقوم بها فرد، وإنما تقوم بها مجموعات متعاونة تعمل حسب خطة متكاملة ومدروسة، وهذه هي طبيعة الحياة، فالعلم، وخصوصا في عالمنا الحاضر، لا يتقدم عبر عناصر متفرقة ومشتتة، وإنما عبر مجموعات منظمة، وعموما فإن السمة الظاهرة للحضارة الحديثة أنها تعتمد على منهجية العمل المؤسسي المنظم.

إن الحياة الإسلامية الحقّة هي حياة منظمة يسود فيها التعاون والتكامل، وتتفاعل فيها الطاقات والأفكار، وهذه هي الحيوية التي ندعو إليها.

إن الحياة المنظمة لا يمكن تحققها بصورة فجائية وشاملة لكل أبناء المجتمع الإسلامي، وإنما من الضروري أن تبدأ على نطاق صغير. فكل إنسان ينبغي أن يفتش عمن يتعاون ويتفاعل معهم.


ارسل لصديق