نهضة عاشوراء بين نظام الحكم الصالح وسلطة الفاسدين
الإمامة الإسلامية الطريق الوحيد لحصانة المجتمع الإسلامي
كتبه: د. راشد الراشد
حرر في: 2015/11/21
القراءات: 721

 من كتاب لمولانا الإمام أبي عبد الله الحسين، عليه السلام، إلى أهل الكوفة: «بسم الله الرحمن الرحيم. من الحسين بن علي، إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين، لعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب والآخذ بالقسط والدائن بدين الحق والحابس نفسه على ذات الله، والسلام».

الإمامة في القرآن الكريم منصب إلهي ومسؤولية كبرى تناط ببعض أولياء الله تعالى لقيادة المجتمع في خط الدين الإلهي، وتربية الأمة تربية أخلاقية لكي يصل الناس في ظله إلى أقصى درجات الكمال الدنيوي.

واقتضت الحكمة الالهية أن يكون لكل أمة ذات كتاب ونظام إجتماعي، إمام يرعى شؤونهم ويقوم بتربيتهم وفق أهداف الدين ومقاصده للوصول بالمجتمع إلى أقصى درجات الكمال في الدنيا والآخرة. وهكذا كانت رسالة الأنبياء وكل المصلحين الربانيين على مر التاريخ.

والإمامة الإسلامية تختلف عن جميع أشكال القيادات الدنيوية وخصوصاً نظام الملوكية والسلطنة.   

فالإمام ليس «ملكاً» يتصرف في الناس والأموال كما يشتهي، إنما هي مسؤولية كبرى ورسالة إلهية، وفي هذا المجال سأل عمر بن الخطاب ذات يوم بعض الصحابة وكان فيهم الإمام علي بن أبي طالب، عليه السلام، هل أنا خليفة أم ملك؟

فقال الإمام علي، عليه السلام: إذا وضعت درهماً من بيت المال في غير ما أمر الله به فإنت ملك.

وبتلك الكلمات وضع الإمام علي، عليه السلام، حداً فاصلاً بين الملوكية والرسالة والمسؤولية التي تمثل الحاكمية لله تعالى.

وفي الرسالة التي بعثها الإمام الحسين، عليه السلام، إلى أهل الكوفة والتي توجنا بها هذا المقال يحدد أربعة شروط أساسية للإمام الحق وهي:

1- ان يكون عاملاً بكتاب الله تعالى.

2- أن يكون ملتزماً بالعدل وآخذا بالقسط.

3- أن يدين بدين الله سلوكاً ومنهجاً.

4- أن يحبس نفسه على ذات الله تعالى.

إن الشرطين الأولين يتعلقان بالنظام العام الذي يسيره على المجتمع والشرطين الآخرين يتعلقان بشخصية القائد من حيث كونه أولاً: ملتزماً بالدين وأحكامه، وفوق كل ذلك متشدداً مع نفسه، فلا يستفيد من طيبات الحياة الدنيا إلا بقدر حاجته.

وفي مقابل الإمامة الإلهية هناك الملوكية والسلطنة والرئاسة، وهم درجات فبعضهم لا يتوفر فيه الشرط الأول وكذا الشرط الثاني، فهو يحكم بما يشتهي، لا بما يحكم به الله تعالى، ولا يعدل في نظامه وقضائه وإدارته للناس والمجتمع.

وأما البعض الآخر، فإنه غير ملتزم بالدين شخصياً، فليس بقدوة لغيره او هو قدوة معكوسة، وبعضهم لا يتمتع بصفات أهل الإيمان في شيء وحياتهم عبارة عن مجموعة سلوكيات هي أبعد ما تكون عن خط الله تعالى.

أن أكثر الملوك والسلاطين الذين يصلون إلى كراسي الحكم والسلطنة بطرق غير مشروعة إنما يبدأون بالإستجابة للأطماع الشخصية والجشع في جمع الأموال وملأ الخزائن لأنفسهم فحسب، دون سائر الناس وأفراد المجتمع. ثم إضافة إلى ذلك فهم لا يتقيدون بالعدالة مع الناس، فيحكمون بغير ما أنزل الله تعالى وبما يشتهون وحسب أهوائهم. بل وفوق كل ذلك فإنهم يتحللون من الإلتزام الشخصي بالدين فينغمس الواحد منهم في الشهوات وجمع الثروات والملذات. وهم على إستعداد لسل سيف الظلم والطغيان لقتل من يعارضهم أو يخالفهم او النيل منهم بأي شكل من صنوف الإضطهاد والقهر والعسف السياسي والإجتماعي.

وهكذا تبدأ مسيرة الملوك وتستمر. لكنها تنتهي  النهاية الطبيعية لمسيرة الظالمين والطاغين. وكما قال الله تعالى في كتابه المجيد: {لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ}،(سورة ص/55).

 

 بين نظام الحكم الصالح والفاسد

ولنضرب هنا بعض الأمثلة المتقابلة من حياة النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، ومن حياة الملوك، وكيف كانوا يحكمون المجتمع في منطق الجاهلية ثم الإسلام.

فالنبي، صلى الله عليه وآله، كان مبلغ القرآن وأول عامل به؛ مطبقاً جميع قوانينه وكان مصراً على تنفيذ العدالة على الجميع وعلى حد سواء. فقد كان يوزع المال على الجميع بالسوية، ولم يكن عنده فرق بين الناس في ذلك وهناك العشرات من الروايات والقصص الواردة في هذا الشأن، وأن الناس سواسية كأسنان المشط، وقد بقيت سننه كذلك إلى زمان الخليفة الثاني عمر بن الخطاب حيث قام بتفضيل العرب على الموالي في العطاء وكذا المهاجرين على الأنصار.

وكان الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، ينفذ القانون على الضعيف والقوي بلا تمييز، وقد قال، صلى الله عليه وآله: إن سبب هلاك بني إسرائيل هو أنهم نفذوا أحكام دينهم على الضعفاء وتركوا الأقوياء محاباة لهم. وذلك حتى إنتهى بهم الأمر إلى الزوال.

وينقل لنا القرآن الكريم مدافعاً عن قدسية النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، في واقعة حصلت في خيبر عندما افتقدت قطيفة حمراء من الغنائم، فأتهم المنافقون الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، وقالوا إنه سرقها، فجاءت الآية القرآنية الكريمة: {وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة...} وهذه الآية الكريمة جاءت لا لكي تعطي الحق للنبي، بأن يفعل مثل ذلك كونه قائداً أعلى للأمة، وهو لم يفعل ذلك اساساً، بل لتنفي وتفند وقوع هذا الحادث بلسان نفي حقه في مثل هذا العمل.

وفيما بعد عرف الشخص الذي سرق تلك القطيفة، فقد أستشهد أحد المسلمين في حرب مؤته، وقال عنه المسلمون: هنيئاً لك الجنة يا فلان. فقال الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله: وما يدريكم أنه في الجنة! والله إن القطيفة التي غلها يوم خيبر لتشتعل عليه نارا.

وأما عن الإلتزام الشخصي بالدين، فإذا كان الحديث عن رسول الله، صلى الله عليه وآله، وهو أعظم قائد عرفته البشرية، سواء في التاريخ الغابر او حتى الحاضر والذي يليه، فقد كانت عبادته وسلوكه الشخصي في الدين آية من الآيات فيكفي أنه كان يتعبد ربه معظم الليل. وربما سهر أكثر من ثلثي الليل - كما ورد في سورة المزمل - في عبادة الله تعالى حتى عوتب في ذلك من قبل ربه في قوله تعالى: ﴿طه* مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى،(سورة طه/1-2).

وأما في زهده وحبس نفسه على ذات الله تعالى، فيكفي أن نعرف ما قال عنه الإمام علي، عليه السلام، وهو أخوه في الزهد والإعراض عن ملذات الدنيا اذا كانت فيها مضيعة وإهدار لحقوق الله تعالى والعباد اذ يقول عنه: «بأبي من لم يشبع من خبز الشعير ولا أكل من خبز البر قط».

وقد ورد في الرواية إنه في خيبر جاءت إليه فاطمة، عليها السلام، بالخبز فقال لها، صلى الله عليه وآله: أما إنه لم يدخل جوف أبيك من طعام قط منذ ثلاثة أيام.

وقد ألزم نفسه وعائلته بالزهد حتى تبرّمت نساؤه بذلك، فهددهم القرآن الكريم بالطلاق من رسول الله، صلى الله عليه وآله، بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا...}،(سورة الاحزاب/28).

إن حياة النبي الأعظم، صلى الله عليه وآله، كانت بسيطة للغاية، فقد كان ينام على إهاب كبش، ويأكل خبز الشعير ويشد على بطنه حجر المجاعة أحياناً. وذلك في الوقت الذي كان يعيش فيه الكثير من الصحابة حياة الترف والنعيم.

وكان بمقدور الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، أن يعيش كما عاش قيصر وكسرى. ففي مكة كانت بيده أموال خديجة. وأما في المدينة المنورة فإنه صار الحاكم الأعلى للأمة. ولكنه لم يفعل. وبذلك صار هو المثال والقدوة.

 

 صفات نظام الحكم الفاسد

وأما المثال الآخر في الحاكم الذي يجعل من الحكم وكرسي السلطنة والرئاسة وسيلة للتسلط وإشباع الرغبات والملذات، فقد مرت على طول التاريخ وحتى يومنا هذا نماذج متكررة من السلاطين والحكام الملوك الذي  قال عنهم القرآن الكريم: {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}،(سورة النمل/34).

إن نظام الحكم الفاسد له صفات وهي:

1- غياب العدالة وانعدام القانون

2- الاستبداد والطغيان

3- الغدر والخيانة

إذن؛ فالقيادة منهجان: منهج الإمامة الملتزمة بالدين وأحكامه، التزاماً شخصياً وحكومياً، بل وفوق ذلك، أن يكون قدوة في الزهد والورع. وبعيداً عن حياة البذخ والقصور الفارهة، لاسيما إذا كان الناس يعانون الفقر والبطالة والتمييز والقهر.

إن تاريخ الإسلام يبدأ بالصراع بين هذين النموذجين، فمنذ الفجر الأول للاسلام كان نموذج الإمامة يتحدى نموذج الملوكية والسلطة الطاغية المستبدة، وكان منهج الرسول الأعظم ومن بعده الإمام علي، عليهما السلام، نموذج الحاكم العادل.

وكم ضغط المنافقون على رسول الله، صلى الله عليه وآله، كي ينتهج في حكمه منهج الملوك في الحكم فرفض ذلك. وعندما بويع الإمام علي، عليه السلام، بالخلافة، أعلن في أول خطاب له بأنه سينتهج منهج دين الله تعالى، ونهج الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، وذلك في تطبيق العدالة والمساواة بين المسلمين ورفض البطانة الظالمة.

وكان الإمام علي بن أبي طالب، عليه السلام، من أشد المتشددين مع ولاته في تطبيق العدالة وإلتزام الحكم الشرعي في معاملة الناس وقيادتهم.

وهذا ما يحدثنا التاريخ عنه في أهل الكوفة الذين تذوقوا حكومة الإمام علي، عليه السلام، العادلة، فإنهم لم يستطيعوا بعد ذلك تحمل الحكومات الظالمة والبعيدة عن قيم الدين التي تلت حكومته، عليه السلام، لذلك فإن أهل الكوفة كانوا يكرهون حكومة الأمويين الظالمة أشد الكراهية، وكانت الكوفة على طول الخط خصوصاً بعد استشهاد الإمام الحسين، عليه السلام، عرين المعارضة وبؤرة المقاومة ضد الطغاة. وكانت المكان الذي انطلقت منه الثورات المتلاحقة فيما بعد ضد أنظمة القهر والاستبداد والملوكية بغير الحق.

ولقد بلغ الصراع بين النموذجين إلى أوجه، عندما صعد يزيد الطاغية، إلى الحكم، فقد خرق هذا، كل الستائر التي كان يتستر بها معاوية لإخفاء حقيقة معتقداته وسيرته، لقد كان يزيد يفعل علناً ما كان يفعله معاوية سراً، من سلوكه المشين والمغاير لخط الرسالة والدين وذلك، بشربه الخمر وتركه الصلاة علناً وجهاراً. وضربه عرض الحائط كل القيم والمبادئ التي جاء بها الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله.

 

 الإمامة الإسلامية وحصانة المجتمع

وكان المجتمع الإسلامي على مفترق طريقين: إما أن يخضع الإمام الحق للطاغية ويبايعه علنا وبدون عذر. وبذلك يصبح الإسلام كله، ما يفعله ويقوله يزيد الطاغية، او يرفض ذلك كله ويجدد الدعوة إلى نظام الإمامة الإلهية ويرفض الحكم الطاغوتي وجميع نتائجه وإفرازاته، ويدل المجتمع الإسلامي على مدى أجيال أن الطريق الذي أراده الخالق - سبحانه وتعالى - لخلق مجتمع فاضل تسود فيه قيم العدالة والمساواة فإنه يمر من بوابة إمامة وقيادة أهل البيت، عليهم السلام، لا غيرهم. وأن الدين هو ما يمثله أهل البيت، عليهم السلام، لا أعداؤهم.

وإن بقاء الأمة الإسلامية مرهون ببقاء الإمامة الإسلامية والمتمثلة في ذلك اليوم بشخص الإمام الحسين، عليه السلام، تلك الشخصية المقدسة التي قال عنها الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، في مقولته الشهيرة: «حسين مني وأنا من حسين». كما قال، صلى الله عليه وآله، في موقع آخر: «مكتوب على يمين العرش: إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة».

وقال عنه ولده الإمام المهدي المنتظر، عجل الله تعالى فرجه الشريف: «كنت للقرآن سنداً وللأمة عضدا».

لذلك كانت الأمة الإسلامية آنذاك تتطلع إلى شخص الإمام الحسين، عليه السلام، وموقفه. وكيف يصنع؟ هل يقبل ببيعة يزيد؟ أم يعلن رفضه ذلك ويتحمل النتائج المترتبة على ذلك.

وبالطبع فقد كان موقف الإمام الحسين، عليه السلام، حرجاً وخطيراً في وقت واحد. ففي موقفه يتلخص مستقبل الإسلام العزيز كله. وسوف يسود أحد المنهجين ويكون حاكماً بصورة مطلقة. وسوف تأخذ الأمة إسلامها من وحي ذلك.

فامتدت الأعناق لتنظر الموقف الذي سيتخذه الإمام الحسين، عليه السلام، وكان الجميع على يقين بأنه لن يبيع دين جده عبر اعلان المبايعة لمنهج يزيد الملوكي الفاسد. وقال قولته الشهيرة: «والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر لكم إقرار العبيد». كما قال، عليه السلام: «....و مثلي لا يبايع مثله».

وفي كلامه هذا وضع، عليه السلام، حداً فاصلا بين المنهجين. وهكذا كانت قصة كربلاء. التي لخص حكايتها الإمام الحسين، عليه السلام، في مقولته: «إنني لم أخرج أشرا ولا بطرا وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمتي جدي رسول الله».

ثم هي الرسالة التي حملها إلى المجتمع الإنساني برمته في قوله، عليه السلام: «ألا ترون الى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه».

تلك كانت كامل القصة وتمام الحكاية في الصراع بين المنهجين. وما أحوجنا اليوم لمعرفة القصة والحكاية التي نعيش فصولها في واقعنا المعاش في يومنا هذا. فهل من متدبر؟!


ارسل لصديق