المرأة والجهاد في أرض الطف
كتبه: الشيخ قاسم مظلوم عبد الله
حرر في: 2015/11/21
القراءات: 866

من المعلوم سقوط الجهاد الابتدائي عن طوائف ومنهم النساء، فالسيرة المستمرة أنهن لم يجاهدن في زمن الرسول محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، ولا في زمن الخلفاء إلا نادراً، يظهر منها عدم وجوبه عليهم، وفي الأخبار قال: أمير المؤمنين، عليه السلام، في خبر أصبغ بن نباتة: «كتب الله الجهاد على الرجال والنساء، فجهاد الرجل أن يبذل ماله ونفسه حتى يقتل في سبيل الله، وجهاد المرأة أن تصبر على ما ترى من أذى زوجها وغيرته».

وقد يجب على النساء، إذا كان الجهاد دفاعياً وكان متوقفاً على النساء.

يقول صاحب موسوعة فقه الامام الصادق، عليه السلام: للمرحوم الشيخ محمد جواد مغنيه: «يجب على النساء تعلم مداواة الجرحى، وبعض أنحاء العملية، بل تعلم سائر الأمور الفنية الكهربائية والمخابرية وغيرها، بل تعلم آداب نفس الحرب والمقاتلة أيضاً فيما يحتجن إلى الدفاع عن حريمهن وحريم المؤمنين في الأقسام من الجهاد الواجب عليهن على نحو ما يجب على الرجال».

والسؤال: هل كان الدفاع واجباً على نسوة الإمام، عليه السلام، فإن كان واجباً فلماذا قال الإمام، عليه السلام، لأم وهب لما خرجت إلى المعركة: إن الجهاد مرفوع عن النساء؟

وكيف اشتهر بين الفقهاء، أنّ الدفاع واجب على الكل حتى النساء، الجواب: إن النسوة دافعن عن الإمام، عليه السلام، والدفاع له أقسام، وقد قمن بالدفاع الأكثر فائدة، وأما نهي الإمام، عليه السلام، لتلك المرأة فإن صحّ السند، فلعله كان لمصلحة أهم، كعدم الشماتة وقوله: «ليس على النساء جهاد»، أي جهاد يوجب الشماتة.

وقد ضربت النسوة في كربلاء أروع الأمثال في التضحية والجهاد، فمن جهة كان لهن دور التشجيع والدفع للرجال والفتيان للقتال، وقد بلغ ببعضهن الحماس للاندفاع نحو المعركة.

برز الفتى النبيل، عمرو بن جنادة الأنصاري، ويبلغ من العمر إحدى عشرة سنة، وقد استشهد أبوه في المعركة، فطلب الأذن من الإمام ،عليه السلام، فلم يسمح له وقال: هذا غلام قتل أبوه في الحملة الأولى ولعل أمه تكره خروجه.

فاندفع الفتى قائلاً: يا بن رسول الله...! إن أمي هي التي أمرتني، فأذن له الإمام، عليه السلام، فمضى متحمساً للحرب حتى استشهد، واحتزوا رأسه الشريف أوغاد أهل الكوفة، و رموا به صوب مخيم الحسين، فبادرت أمه فأخذته وجعلت توسعه تقبيلاً ثم مسحت عنه الدم، ورمت به رجلاً قريباً منها فصرعته وسارعت إلى المخيم، فأخذت عموداً وحملت على أعداء الله وهي ترتجز وتقول:

أنا عجوز في النساء ضعيفة

خاوية بالية نحيفة

أضربكم بضربة عنيفة

دون بني فاطمة الشريفة

وأصابت رجلين وردّها الإمام إلى المخيم.

ومثالٌ آخر:

فبعد الحملة الأولى بدأت المبارزة، فبرز يسار، مولى زياد، وسالم مولى عبيد الله بن زياد، وطلبا من أصحاب الإمام الخروج لمبارزتهما، فوثب حبيب وبرير فلم يأذن لهما الإمام، وانبرى البطل عبد الله بن عمير الكلبي، وكان شجاعاً، فقال الحسين ،عليه السلام، «أحسبه للأقران قتّالاً».

ولما مثل أمامهما سألاه عن نسبه فزهدوا فيه وقالا له: لا نعرفك ليخرج إلينا زهير أو حبيب أو برير.

فصاح بيسار: يا بن (....) أو بك رغبة عن مبارزة أحد من الناس لا يخرج أحد إلا وهو خير منك. وحمل الكلبي على يسار، فأرداه صريعا يتخبط بدمه، وحمل عليه سالم فلم يعبأ به فضربه الكلبي فأطارت أصابع كفه اليسرى ثم قتله، وخفت إليه زوجته أم وهب وقد أخذت بيدها عموداً وهي تشجعه على الحرب قائلة له: فداك أبي وأمي قاتل دون الطيبين ذرية محمد، صلى الله عليه وآله وسلم.

ولما رأى الكلبي زوجته أمرها بالرجوع إلى مخيم النساء فأبت عليه فقال الإمام، عليه السلام، لها: جزيتم من أهل بيت خيراً، ارجعي رحمك الله ليس الجهاد على النساء. وقاتل الكلبي حتى قتل تسعة عشر فارساً، واثني عشر راجلاً، حتى قتل، وانطلقت زوجته تبحث عنه بين جثث القتلى، فلما عثرت عليه جلست إلى جانبه، وهي تبارك له شهادته قائلة: هنيئاً لك الجنة، اسأل الله الذي رزقك الجنة أن يصحبني معك.

وبصر شمر، فأوعز إلى غلامه «رستم»، بقتلها فغافلها العبد، وهشّم رأسها بعمود فماتت شهيدة، ويقول المؤرخون، مثل «الطبري»: إنّها الوحيدة التي استشهدت من نساء أصحاب الإمام الحسين، عليه السلام، في كربلاء.


ارسل لصديق