الدلالات الأخلاقية في النهضة الحسينية
كتبه: حيدر الرماحي
حرر في: 2015/11/22
القراءات: 863

تميزت نهضة الإمام الحسين، عليه السلام، بعدة سمات أخلاقية تشير إلى عمق الإيمان وسمو الذات في سبيل الله سبحانه وتعالى، فقد تنوعت دلالات ثورة عاشوراء بتنوع الرسائل التي اراد الإمام، عليه السلام، أن ارسالها إلى الأجيال، حيث كانت القضية المركزية عند الإمام، عليه السلام، هي القضية الأخلاقية؛ لأن من لا أخلاق له لا دين له، ولذلك ما كان للإمام الحسين، عليه السلام، أن ينطلق لطلب الاصلاح في امة جده رسول الله، صلى الله عليه وآله، إلا من خلال تثبيت دعائم الأخلاق السامية، التي برزت بشكل واضح وجلي في كل مفاصل الثورة الحسينية المباركة. فبالإضافة إلى كون عاشوراء ثورة للحرية والخلاص من الظلم فهي أيضاً ثورة للتربية الروحية والأخلاقية وبناء الذات، ففي كربلاء رُسِمت مجموعة من الصور شكلت مع بعضها لوحة إيمانية اسمها عاشوراء الحسين، عليه السلام، لعل صورة الحزن طغت على الصور الأخرى لشدة هول المصيبة وما قام به أعداء الله، إلا أن ذلك لا ينفي وجود سمات ودلالات أخرى ينبغي البحث عنها واظهارها إلى العالمين.

  وهنا؛ أقف عند بعض هذه الصور الأخلاقية لثورة عاشوراء، قاصداً عدم الدخول في التفاصيل، لأن ملاحقة جزئيات الموضوع لا يستوعبه هذا المقال المتواضع.

لذا سأعرض بعض الصور العامة، لعلها تكون لنا أسوة حسنة نقتدي بها في سلوكنا لنكون في واقعنا زيناً للأئمة، عليه السلام.

 

 الصورة الأولى:

إلقاء الحجة أمام الله تعالى. يُذكر أن الإمام، عليه السلام، كان يُلقي خطابه الشريف على أي قومٍ يواجهونه، لعل بعضهم لم تتبين له الحقيقة بعدُ ليهتدي بنور الحقيقة، ولعل من عرفها يعود إلى عقله ورشده، وقد حدث ذلك بالفعل وقام عدد من جيش العدو باللحاق بركب الإمام الحسين، عليه السلام، حتى أن بعض قادة جيش يزيد، لعنه الله، كان يأمر الجند بإحداث ضجة وصراخ عاليين عندما يتكلم الإمام، عليه السلام، لكي لا يسمعه أحد! هذا العمل الذي قام به الإمام هو في قمة السلوك الأخلاقي؛ فقد التزم الإمام، عليه السلام، بالمبدأ القــــرآني القائل:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّـــى نَبْعَثَ رَسُــــولاً}،(سورة الأسراء/15). ليبين حقائق الدين ويكون الناس على بينة من أمرهم {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}،(سورة الانفال/42). هذا المبدأ القرآني الذي شكل منه فقهاونا، رضوان الله عليهم، قاعدة أصولية تُطبق في الفقه الإسلامي تحت عنوان، قبح العقاب بلا بيان، أي لا يحق لك أن تعاقب أحداً وانت لم تبين له الموضوع، فلا تتمكن مثلاً من معاقبة ابنك على عدم جلبه الماء وانت لم تأمرهُ بجلبه وهكذا. هذه القاعدة استخدمها الإمام، عليه السلام، مع أعدائه، وقد كان لخطاب الإمام، عليه السلام، وفق هذه القاعدة عدة اوجه إيجابية أهمها ثلاثة.

الوجه الاول: أنه ألقى الحجة عليهم وذكرهم بنسبه وحسبه وعاقبة ما يفعلون من قتاله، وكان لذلك مردود إيجابي إذ استجاب بعض الأفراد لذلك الخطاب الحسيني. وهذا يبين المسؤولية الشرعية والأخلاقية من الإمام اتجاه هؤلاء إذ من مهام الإمامة تبيين الحقائق وتزكية الناس وتعليمهم للأخذ بأيديهم إلى حيث رضا الله تعالى.

الوجه الثاني: أنتج الخطاب الحسيني ثمرة كبيرة في حركة عاشوراء، إذ التعامل الأخلاقي من قبل الإمام الحسين، عليه السلام، مع أعدائه أحدث فيهم عملية انقلاب على الذات المتطرفة، وهذا ما حدث فعلاً مع الحر بن يزيد الرياحي أحد قادة الجيش الأموي، إذ قام الإمام بسقي الماء إلى جيش الحر الذي جاء لقتله، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على قدرة الإمام الكبيرة على التفكيك بين صراع الإرادات وصراع الإنسانية، فمهما كان يحدث للإمام إلا أنه لا يترك التعامل الإنساني مع الغير، ولكن بالمقابل لم يكن للأعداء أي إنسانية معه، عليه السلام، ومع ذلك لم يغير موقفهم المعادي من تمسك الإمام، عليه السلام، بالمبادئ الاخلاقية الحميدة. ضارباً أروع الأمثلة في التضحية والفداء، فسقي الماء للأعداء وبيان الحقائق والتذكير بعواقب الامور، أنتجت توبة الحر وابنه وبعض الجند، في مقابل السقوط الأخلاقي الذي واجهوه به، والكل يعرف ماذا فعلوا عندما خرج وبين يديه طفله الرضيع طالباً له شربة من ماء يروي بها ظمأه. وقد تكرر فعل الإمام الحسين، عليه السلام، بين صفوف أبناء الحشد الشعبي المقدس، حيث شاهدناهم وهم يقومون بسقي أعدائهم الماء. وهي تجربة اخلاقية حضارية جسدها هؤلاء الأبطال.

الوجه الثالث: كان لخطاب الإمام، عليه السلام، بالغ الأثر في الدلالة على حب الإمام للإنسان بما هو إنسان وشفقته على حال أعدائه حتى تذكر المدونات العاشورائية أنه، عليه السلام، بكى عليهم لأنهم سيدخلون النار بسبب قتلهم أياه، فهو لم يقاتلهم لذاتهم ؛ بل لكفرهم وطغيانهم واستهزائهم بأحكام الدين الحنيف. والدلالة الأخلاقية من تعامل الإمام هذا هو أن يبين موقفه الحقيقي اتجاههم الرافض لمختلف ألوان الشرك والضلال.

كل هذه الأوجه من التعامل الحسيني في حركته المباركة تَبعث رسالة إلى الأجيال القادمة لتستلهم منها منهاجاً في الحياة في فن التعامل مع الآخر المختلف، فالواقع المعاش يخلو من أي تعامل إنساني مع الآخر إلا نادراً. فما احوجنا ان نقتبس من عاشوراء معاني الإباء والتضحية المحكومة بالقانون الأخلاقي.

 

 الصورة الثانية: تعامله الأخلاقي مع ربه

إذ في غمرة الحرب وهو يتمسك بتعاليم الله سبحانه، لم يترك فرضاً من فروضه إلا وأداه بأفضل صورة وأتم وجه، وفي ذلك رسالة اخلاقية كبيرة لنا ولجميع الأجيال تحثنا على التمسك بالفرائض الدينية، وبتعاليم الله سبحانه، وأن لا نتركها مهما كانت الأسباب والظروف، فبينما يخوض أبو عبد الله الحسين، عليه السلام، الجهاد المقدس ضد أعداء الله والدين، وحيث المعركة محتدمة بالسيوف والرماح والنبال، نلاحظ أنه لا يترك الصلاة، ويدعو لمن أشار اليه بحلول وقت صلاة الظهر، بأن «جعلك الله من المصلين». هذا الدرس الكبير، يجب ان يلتفت اليه جميع المعزين أيام محرم الحرام وصفر الخير، ليكونوا مقتدين بالإمام الحسين، عليه السلام، ومن السائرين على نهجه.

 

 الصورة الثالثة : تعامله الأخلاقي مع نفسه

حيث كان حريصاً عليها لأنها أمانة الله عنده، من خلال حرصه على أن لا يعرّضها للذل والهوان، حتى قال قولته المشهورة:، هيهات منا الذلة، وكان يؤكد سمو نفسه ورفعتها في تمسكه بالحق والوقوف بوجه الباطل. لا يعني ذلك رمي النفس في التهلكة كما يحلو للبعض أن يصور القضية بهذه الصورة المقلوبة لثورة الإمام المباركة، فإن الحفاظ على النفس واجب مقدس ومن مقاصد الإسلام، والإضرار بالنفس محرم في الشريعة الإسلامية، بل يمكن القول: إن خوض الإمام الحسين، عليه السلام، الحرب ضد تلك الفئة الضالة، يعد دليلاً ساطعاً على اهتمام الامام بالإنسان، بما يحمل من كرامة ومشاعر وضمير، ولا أدل على ذلك من سحق هذه المفردات الانسانية من قبل ابن زياد في تعامله مع أهل الكوفة، بل وعموم النظام الأموي مع المسلمين كافة، وما جرى لهم من استعباد وإذلال لم يشهدوه من قبل، فقد سيق الجميع الى حرب الامام الحسين، عليه السلام، بتهديد السلاح والموت.

هذه الرسالة الحضارية تواجه ما تدعيه منظمات حقوق الإنسان في حضارة اليوم، وهي تعيش في الواقع أدنى مستوى من التعامل الأخلاقي مع الانسانية، حيث لا احترام ولا تقدير حقيقياً وملموساً للإنسان إلا ما يتشدقون به في لوائحهم الدولية، بينما الصورة على أرض الواقع، دموية وبشعة، حيث تسفك دماء الاطفال والنساء والابرياء في فلسطين واليمن والعراق وغيرها من بلاد المسلمين، ولا موقف او ردّ على هذه الجرائم.

 

 الصورة الرابعة: تعامله الأخلاقي مع أصحابه

تفتخر حضارة القرن الحادي والعشرين بأنها تجاوزت التعامل على أساس الطبقية، وهي غير صادقة في مدعاها. لأنه كان يوجد ضمن قوانينهم الوضعية ما يعرف بــ، قانون القبح، الذي استمر حتى عام 1979 م، والذي ينص على منع ظهور صاحب البشرة السوداء في الأماكن العامة. بينما سلوك الإمام الحسين، عليه السلام، في كربلاء الطف كان في غاية السمو الأخلاقي، حيث لم يفرق بين «جون» العبد الأسود، مولى أبي ذر الغفاري وبين أصحابه من الكبار في مواقعهم وعشائرهم، فمن خلال ذلك قدّم الإمام، عليه السلام، الصورة الحقيقية للقائد الذي لا تزيده رفعة موقعه وعظمته إلا تواضعاً وحرصاً على اصحابه.

مما تبين تظهر لنا الدلالة الأخلاقية بأجلى صورها في هذا الفعل الحسيني حيث نستلهم منه كيف يجب أن تكون علاقة القائد مع الجند وكذا الحاكم مع الرعية. 

 

 الصورة الخامسة : تعامله مع أعدائه

رغم الانحلال الأخلاقي في جيش يزيد وما كانوا عليه من غلظة وفظاظة وخبث سريرة وحقد وضغينة إلا أن ذلك لم يصد الإمام، عليه السلام، عن ممارسة أسلوبه الأخلاقي، بل كلما نزلوا وتسافلوا ارتفع الإمام بقيمه الأخلاقية وأدبه الرباني الأصيل. حيث بادر عند قدومه إلى كربلاء إلى تأمين الماء لهم حين قدموا لمحاصرته وهم عطاشى فقدمه إليهم رغم قدرته على منعهم عنه، كما فعلوا بعد ذلك. ومنعوه حتى من قطرة ماء يروي بها عطشه أو عطش عياله.

من خلال ما مرّ معنا ينبغي استحضار السلوك الحسيني الأخلاقي وجعله منهاجاً نسير عليه لاستنهاض الواقع من براثن الجاهلية العمياء، حيث مثلت عاشوراء الحسين دروساً كبيرة في الأخلاق والتضحية والدفاع عن المظلومين والمطالبة بالحقوق والوقوف بوجه الفاسدين والمفسدين من أعلى فرد في السلطة إلى أدنى شخص فيها. إن ما تضمنته الحركة الحسينية في نهضتها هو نسف ما تم نسجه من أفكار باطلة وفاسدة تم تصديرها إلى الناس على شكل مسائل فقهية وعقدية تدعو إلى حرمة الخروج على الحاكم والرضوخ إلى حكومته وأن جلد ظهرك وفعل ما فعل.

أن تلقين الناس أفكار فاسدة كهذه كان غايتها الحفاظ على الحكم والتسلط على رقاب الناس على أساس تقديم مصالحهم الشخصية الدنيئة على مصالح العامة، وهذا ما تم فضحه من خلال تجربة الشعوب العربية في ثورة الربيع العربي، إذ من جانب تم دعم حكومات معينة والمساهمة في سقوط دول أخرى من جانب آخر. لذا علمتنا عاشوراء الحسين، عليه السلام، أن الحق هو أساس الشرعية، فمن لا حق له لا شرعية له. وأن الأخلاق هي أساس الأحكام، وعنوان المسلم، ورأس ماله في الدنيا والآخرة. أن قراءة الإمام الحسين، عليه السلام، بهذا الشكل توفر لنا الرصيد الإيماني الحي الذي يزوّد الإنسانية بكل ما تتطلبه من أدوات العمل الخلاق في سبيل الرسالة والنهوض بالواقع المعاصر، نحو مجتمع حسيني أصيل قائم على أساس العلاقات الأخلاقية المتبادلة مع الآخر مهما كان الآخر.


ارسل لصديق