المسجد ودوره في إحياء النهضة الحسينية
كتبه: الشيخ ماجد الطرفي
حرر في: 2015/11/22
القراءات: 628

أول مسجد بناه الرسول الأكرم محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، في المدينة بعد الهجرة من مكة المكرمة إذ كان جامعا للصلاة واستماع المسلمين لخطب الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم، وتوجيهاته في مختلف شؤون الحياة، كما كان مركزا لإعلان الجهاد و الحرب والغزوات ضد الكفار والمشركين، فلذلك لا يعني بأن المسجد فقط للصلاة واعلان شيء، وانما يكون فيه الدروس الفقهية والقرآنية والاخلاقية، بشتى الطرق المتيسرة لهم، إذن في غير وقت الصلاة كان معروفاً لدى المسلمين أن هناك أمرا مهما قد وقع أو في طريقه إلى الوقوع فيجمع المسلمون ليعلمهم بهذا الأمر.

 فكما كان المسجد منطلقاً للبناء الحضاري للامة وتبيين الاحكام الشريعة، فأنه اليوم منطلق للبناء الفكري والثقافي بفضل هذه النهضة الحسينية والاخذ من هذه الثورة العظيمة، المفاهيم الاخلاقية فلابد لنا السير على نهج الامام الحسين، عليه السلام.

بعد شهادة الإمام الحسين، عليه السلام، في كربلاء، قام الإمام زين العابدين، عليه السلام، وأخته العقيلة زينب بنصب المآتم على سيد الشهداء في الكوفة والشام لبيان اهداف ثورة الحسين، عليه السلام، ومنطلقاتها، ومن بعدهم الباقر والصادق والائمة من أولادهم، عليهم السلام، كانوا ينصبون المآتم على جدهم الحسين، عليه السلام، وأمروا شيعتهم بإقامة هذه المجالس، تذكر فيها مصيبة سيد الشهداء والأهداف المقدسة التي خرج من أجلها الحسين، عليه السلام، ألا وهي الإصلاح في أمة جده رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، فطالبوا شيعتهم بإحياء أمرهم وذكروا في أكثر من موقع «أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا» وإحياء الأمر: يعني إحياء أهداف ثورة الحسين، عليه السلام، عند خروجه في وجه السلطة الأموية المتمثلة بالحاكم الفاسد يزيد بن معاوية الذي طغى وتجبر وانحرف عن الدين حيث كان يشرب الخمر و يفعل الفواحش والمنكرات واللعب بالقرود والكلاب ويقتل النفس المحترمة.

علما أنه ثابت عند المسلمين جميعا أحقية أهل البيت بالخلافة من بعد الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، من بني أمية وعلى رأسهم يزيد اللعين، فعندها تقابل معسكر الحق المتمثل بالإمام الحسين، عليه السلام، وأصحابه ومعسكر الباطل المتمثل بيزيد وأعوانه في يوم عاشوراء فتشابكت الأسنة والرماح، واستشهد الحسين، عليه السلام، وأهل بيته وأصحابه وانتصر الدم على السيف، منطلقا لدروس عظيمة من شتى الأصعدة السياسية والاجتماعية والشرعية والعقائدية، فعندها اتخذ الإمام السجاد، عليه السلام، المسجد منطلقا لهذه الثورة المباركة واتبعه على ذلك بقية الأئمة الأطهار، عليهم السلام.

منذ ذلك الحين اتخذ الشيعة المسجد لإقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتمشية أمور الناس وحل مشاكلهم وقضاياهم الدينية والدنيوية، فأصبح مركز إشعاع فكري وثقافي وعلمي يذكر فيها عزاء أبي عبد الله، عليه السلام، من ثم التعرف على ثورته المباركة وأهدافها وذكر خطب الحسين، عليه السلام، منذ خروجه من المدينة حتى وصوله إلى كربلاء، عندها أصبح المسجد بمرور الزمن منطلقا للثورة الرسالية وتبليغ أحكام الله، فيقوم فيه أئمة المساجد وخطباء المنابر الحسينية بتوجيه الناس بما ينفعهم وما يضرهم و يعرفونهم ثورة الحسين، عليه السلام، وتاريخها وأهدافها وما جرى على أهل البيت، عليهم السلام، من الظلم والاضطهاد والقتل والتشريد وقتل الحسين عطشانا بكربلاء وقتل الطفل الرضيع بنفس السلاح الذي قتل فيه الكبار في نحره، فكان فعلهم هذا لعنة عليهم، وبقيت عاراً عليهم مدى التاريخ وعلى أجيالهم ليعلموا ما فعل آباؤهم من مصائب على بيت رسول الله، صلى الله عليه و آله، وهذا هو مصير معسكر الباطل. وأما معسكر الحق المتمثل بسيد الشهداء ظل على مدى الدهر يضيء درب الاحرار وشمعة للمظلومين، استمر هذا المعسكر إلى يومنا الحالي إذ هو في معركة مع معسكر الباطل المتمثل بالدواعش أحفاد يزيد اللعين.

 

 كيف نقرأ ثورة عاشوراء؟

القراءة المعتمدة في تحديد الثورة الحسينية وهي «التكليف الإلهي، والأمر الإلهي» فالإمام، عليه السلام، في ثورته التي كلفته دمه ودم الصفوة من أهل بيته وأصحابه وسبي نسائه وعياله منطلقا من التكليف الرباني «الأمر الإلهي» وكذلك بقية الأئمة الأطهار، عليهم السلام، فبالرغم من تعدد أساليبهم وتنوع أدوارهم ألا إنهم ينطلقون من منطلق واحد وهو» التكليف الإلهي، والأمر الإلهي» أولا ومن ثم «الهدف الاستراتيجي» ثانيا.

فالهدف الاستراتيجي في ممارسات الأئمة الأطهار، عليهم السلام، هذا الهدف يشكل الأبعاد الرئيسية التالية:

1- الحفاظ على الإسلام في مفاهيمه وأحكامه وقيمه وتطبيقاته في حياة الإنسان.

2- إقامة حكم الله في الأرض «في ضمن مجموعة من الشروط الموضوعية».

3- وحدة الأمة.

 إذا درسنا حياة الأئمة، عليهم السلام، وجدنا مثلا أمير المؤمنين، عليه السلام، مارس أسلوبين متغايرين: اسلوب المسالمة، ومارسه لمدة خمس وعشرين سنة «من وفاة النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، حتى نهاية حكم عثمان بن عفان» والاسلوب الآخر، اسلوب التصدي المسلح: ومارسه لمدة خمس سنوات «من تسلمه الخلافة حتى استشهاده، عليه السلام، فإن كلا الاسلوبين «اسلوب المسالمة واسلوب المواجهة» منطلقهم واحد وهو: الحفاظ على الإسلام ومفاهيمه وأحكام وقيمه وتطبيقاته في حياة الإنسان كذلك الحفاظ على وحدة الأمة، علما نحن هنا لسنا في صدد تناول حياة أمير المؤمنين، عليه السلام، ولكن لبيان المنهج الذي اعتمده الإمام، عليه السلام، وكذلك الإمام الحسن السبط، عليه السلام، مارس اسلوب المسالمة مع معاوية منطلقاً من التكليف الإلهي كما أن هدفه المركزي الاستراتيجي هو الهدف الذي حرك الائمة جميعاً ثم لكل إمام أهداف مرحلية تفرضها الظروف الموضوعية تفرضها في عصر كل إمام وهذه الظروف الموضوعية هي التي تحدد طبيعة الدور وشكله واسلوبه.

 

 عاشوراء رسالة الأحرار ضد الظلم

طالما أن هناك ظالمين يتحكمون بمصير الشعوب بالظلم والتعسف والاضطهاد وطالما ثمة أناس يحملون نفوساً طاهرة تواقة إلى تحقيق الحق وإبطال الباطل، فإن هناك بصيص أمل يكاد نوره يصدع من أفواه الشرفاء ليضرب أسماع الطغاة ازاء معالجة المشاكل التي تحيط به من كل حدب وصوب.

من هذا المنطلق، يحق لكل أمة أن تقتبس من هذا البصيص لتنوير الظلام الذي كان يهيمن على الحق، لذا علينا الحث والسعي حثيثا للعثور على آثار المصلحين الذين رفعوا راية الحرية ودافعوا عن كرامة الإنسان، ليكون حرا عن كل أشكال العبودية والاستبداد، أولئك الذين زوّدوا الأمة المناعة ضد أي احتقان سياسي أو طائفي أو عنصري الذي يأتي بطبيعة الحال عن كل العصبيات القبلية والقومية وغيرها، فمن حق الأمة المتحررة أن تفتخر بروادها الذين حققوا الحرية وحفروا في التاريخ ملاحم بطولية رسمت بالدماء الشريفة الطاهرة فبقي نورها يشع مدى التأريخ انطلاقا من مسجد رسول الله، صلى الله عليه وآله، حتى يومنا هذا، إذ إن بيوت الله خرّجت الكثير من الأبطال على مدى العصور السالفة الذين رسموا للحرية معناها السامي الذي أصبح نبراسا لبقية الأحرار بالعالم اجمع، التي اقتبست من «أبي الأحرار» وسيد الشهداء الإمام أبي عبدالله الحسين، عليه السلام، الذي حفر أخاديد الحب والكرامة والإباء، «فأعطى لله كل شيء فأعطاه الله كل شيء» من حقنا أن نفتخر به، وكيف لا ونحن لا نجد في سيرته المباركة سوى معاني الاخلاص وحب الخير والإيثار للآخرين والوقوف ضد الفساد بشتى أنواعه وأشكاله والدفاع عن حقوق الأنسان بما هو إنسان بغض النظر عن انتمائه أو دينه، وهذا المعنى كان له صدى في صحراء كربلاء مخاطبا أعداءه «إن لم يكن لكم دين فكونوا أحراراً في دنياكم».

 

 الحسين قتيل العَبرة والعِبرة  

مقولة تحمل معاني كثيرة تعكس الملامح الحقة لهذه الثورة المباركة التي أدت إلى إقامة البنية الأساسية التي صدعت الحكم الرجعي الأموي، من هذا المنطلق فالحسين، عليه السلام، عَبرة تشتعل به قناديل المسجد الحسيني، لينادي بأذان يشد الأسماع الطاهرة والنفر بالناس ليستعدوا لمواجهة الظالمين، وعِبرة في قيامه الذي بدا ليغزو عقول وأفكار ذوي العقول. فكان منارا للإصلاح في أمة الرسول، صلى الله عليه وآله، فوضع نهاية لتواجد الجاهلية الأموية التي يجب أن يكون منطلقها المسجد ليكون صدى الحسين، عليه السلام، ليصل إلى أحرار العالم، الذي له الأهمية في قيام بقية الثورات الكبيرة التي تنال من الطغاة في العالم من أمثال أمريكا وإسرائيل والدواعش وغيرهم لكي تعم الإصلاحات في بقية الأمم.

فإن هذه العَبرة لها الصدى في مسارها العام وسماتها النوعية في مختلف البلاد الإسلامية، وما له من تحديد الأساس الديني للثورة المحمدية ولما فيها من تقدم سلميّ مما جعل من الممكن تغيير بعض الأنظمة الجائرة الحاكمة في الأمة، لتحطيم جدار الجاهلية في كيان الأمة، لذا من الممكن أن ننطلق من المسجد وبين أيدينا أهداف عظيمة ومباركة لهذه الثورة المعطاء التي يمكن لها أن تخلق مجتمعاً يتوقد في أي لحظة بوجه الطغاة بالجهاد والنضال من أجل استقلال المسلمين سياسيا و اقتصاديا ودينيا لدحر عناصر الضلال.

فيتوجب على أئمة المساجد والخطباء انطلاقاً من مساجدهم لتهيئة ثلة مؤمنة بالله لصناعة مجتمع مسلم متكامل حر معطاء انطلاقاً من قول الإمام الحسين، عليه السلام، «والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل»

 يمكن لنا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن نقتدي بأهداف ثورة الحسين، عليه السلام، كعَبرة وعِبرة ليعلم الأجيال كيف لهم أن يتحركوا باتجاه واحد وواضح لخالص العبودية والتوحيد للخالق عز وجل والإخلاص للمخلوق.

 

 الإستفادة من دروس نهضة الحسين، عليه السلام       

ذكر الأديب المسيحي إنطوان بارا» لو كان الحسين عندنا لفتحنا العالم بأسره»، وقال برنادشو « كل الثورات أكلت رجالها إلا ثورة الحسين خلّدت رجالها، الحسين الذي تعلم منه غاندي وماوتسي تونغ وكل طلاب الحرية، فحسين الخلود وحسين الشهادة وحسين الإباء وحسين الكبرياء، والحسين صرخة الحق ضد الباطل، فهو، عليه السلام، مشعل الأحرار وعشق يتجدد وثورة تتجذر وتتعشق في الواقع الإنساني وثورة الصلاح والإصلاح، فكم من الطغاة أرادوا محو ذكر الحسين ولكن الحسين يزداد توهجا وزهوا، لأنه أخلص لله فأفاض عليه من الطاقة العظمى والكرامات وأسبغ عليه نعماءه وجعله موطنا للأفئدة الحرة وأكرمه بالشهادة وجعله حجة على خلقه.

 

 مسؤوليتنا اتجاه ثورة الحسين

لابد أن يرتفع مستوى من يقوم بإدارة الأماكن العبادية إلى مستوى المسؤولية الدينية والدنيوية فلا يمكن له أن يحتكر المسجد أو الحسينية لجهة أحد أو لطائفة معينة أو لعائلة معينة أو مجموعة معينة ومنع الآخرين من المشاركة في إدارتها كون هذا المركز بيتاً من بيوت الله أذن الله أن يذكر فيه اسمه وليس حكراٍ على إمام جماعة معين أو خطيب معين.

الجيل المعاصر من الشباب والشابات لابد لهم أن يسجلوا حضورهم في هذه الأماكن والمشاركة فيها واقامت المحاضرات والندوات والمشاريع الخيرية ليجسدوا أهداف المسجد لإيصال فكر الثورة الحسينية وتحقيق أهدافها السامية ونشر معارف أهل البيت، عليهم السلام، تربية الجيل بالمفاهيم الحسينية الصحيحة هي بداية لتحصينه من الانحراف والأفكار والثقافات الواردة من خارج الدين الحنيف حتى يقوم المسجد بتقديم واجبه الديني والرسالي في تبليغها عن طريق المحاضرات واقامة عزاء الحسين وتعريف المجتمع خصوصيات الجيل الإسلامي المعاصر عن طريق ثقافة ونهضة الحسين، عليه السلام، ومعالم ثورته وإشعاعاتها الفكرية، دعونا نقف وقفة ايجابية مشرفة في الترفع عن العصبيات والفئويات والحزبيات والمحوريات الضيقة، لنجعل من المسجد أو الحسينية أو المآتم منطلقا للثقافة الحسينية الرسالية بمفهومها الجديد، ألا وهو إحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الصلاة وإشاعة روح العمل المشترك من أجل بناء الجيل الرسالي الجديد الذي يشارك في بناء المجتمع وهدايته الى الطريق القويم، لكي نجني ثمرات هذا العمل الرسالي بأن نرى مجموعة من الشباب والشابات الذين يتمتعون بروح رسالية ويتحملون أعباء المسؤولية أتجاه هذا الدين الحنيف ليشعروا بالثقة بالنفس وأن الجيل الأقدم منهم يحترمهم ويكن لهم الحب والوفاء من أجل أن يكشفوا عن طاقاتهم وإمكاناتهم ليحققوا آمالهم وتطلعاتهم في بناء أنفسهم و خدمة المجتمع الإسلامي من حولهم، فلابد لنا من نظرة إلى مساجدنا وحسينياتنا ومآتمنا حتى نستطيع أن نجعلها عامرةً بالناس لهدايتهم لما فيه الصلاح للدنيا وسعادة الآخرة.


ارسل لصديق