النهضة الحسينية ملتقى العقيدة والاخلاق
كتبه: سعد مغيمش الشمري
حرر في: 2015/11/23
القراءات: 911

جاء عن الإمام الصادق، عليه السلام، أنه دعا لزوار الامام الحسين، عليه السلام: «يا من خصّنا بالكرامة ووعدنا بالشفاعة، اغفر لي ولإخواني ولزوار قبر الحسين بن علي ـ صلوات الله عليه ـ الذين أنفقوا أموالهم واشخصوا أبدانهم. اللهم فارحم تلك الوجوه التي غيرتها الشمس، و ارحم تلك الخدود التي تقلبت على قبر أبي عبد الله، عليهم السلام، و ارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا. و ارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا، و ارحم تلك الصرخة التي كانت لنا. اللهم إني أستودعك تلك الأنفس وتلك الأبدان حتى ترويهم من الحوض يوم العطش».

أيام معدودات تفصلنا عن أربعينية الإمام الحسين، عليه السلام، التي عادت من جديد بمسيرتها المليونية الراجلة المتجهة صوب مرقد أبي الأحرار، عليه  السلام، في كربلاء المقدسة، فقد نسيت الجموع الزاحفة، هموم الدنيا وفجائعها أمام فجائع أهل البيت، عليه السلام، لأنها فاجعة ومأساة لم تحصل لأحد، كما حصلت لأهل البيت، وفي طليعتهم الامام الحسين، عليه السلام. فمعركة الطف التي كانت انتصاراً للدم على السيف، ستبقى نقطة دم ثائرة في الحياة الإنسانية، لذا فإن الطعام الذي ينفقه اصحاب المواكب، ليس وحده ما يقدمه الحسين الشهيد لزواره - مع ما له من أهمية ودلالة انسانية واخلاقية- بل يقدم لهم الغذاء الروحي والمعنوي، فزيارة الاربعين، والمشي في طريق كربلاء، فيها الكثير من الدروس التربوية والثقافية، ولا استطيع هنا توضيحها لأنه لا يستطيع فهمها إلا من حضر تلك الزيارة و رأى بأم عينيه أرقى درجات الاخلاق الفاضلة التي تواكب هذه المسيرة العظيمة، من التواضع، والتكافل والتراحم، والكرم، وكل اشكال العطاء، والجميع يسعى ليكون صورة شفافة للتضحية والعطاء الكبيرين اللذين جسدهما الامام الحسين، عليه السلام، من خلال تقديم أغلى ما يملكون للحصول على أعلى شيء، وهذا ما يلاحظه السائر في الطريق الى مرقد الامام الحسين، عليه السلام، ولذا يمكن تسمية طريق الحسين بأنه (طريق الجنة) وهو ارقى مستوى يمكن ان تصل اليه البشرية، من الدروس والعبر، لم تجربها من قبل، سواء كانت على شكل مذهب أو ديانة او جماعة قومية او عرقية وغير ذلك. لذا جدير بنا نحن الموالين لأهل البيت، عليهم السلام، أن نأخذ جانبين من تلك الدروس علّها تفيدنا في حياتنا اليوم:

 

 الجانب الاول: مكارم الأخلاق  في ذروة المــــواجهـــة

في واقعة الطف، جسّد فيها الامام الحسين، عليه السلام، كل مكارم الأخلاق، من العطاء الوفاء، وكل القيم الانسانية والاخلاقية، فقد أبْرَزَ أخلاق الأنبياء مع أعدائه، فلم يعرف قلبه الحقد عليهم وهم يحملون السلاح لتقطيع أوصاله. إنه الامتداد الطبيعي لمنهج الرسالة المحمدية، وهو الامام الشرعي الذي اختاره الله بعد أبيه وأخيه، فهم الثقل الاصغر وهم حماة الدين ورعاته وأهله، إذن؛ لا يمكن له بأي حال من الاحوال أن يبايع شخصاً مثل يزيد. نعم؛ هكذا سار الحسين في ثورته المباركة مجسداً سيرة جده وأبيه بكل أبعادها الاخلاقية والتربوية، فقد كان يسطّر في كل خطوة من مسيرته درساً يلهم الاجيال أروع المعاني السامية للأخلاق الكريمة، وكانت روحه العظيمة شعاع هدي تنبئ بالإنسانية العليا التي حملها.

إن استجلاء عظمة العطاء الحسيني لا ينبغي أن نتوقف أمامه، كموقف تاريخي بحت، إنما المطلوب أن يحاكيه بحراك باطني في كل قلب وعقل، لتتحول دروس كربلاء الى واقع عملي وثقافة حياتية.

فعندما واجه الامام، عليه السلام، الحر مع نحو ألف فارس، وهو ينفذون أوامر ابن زياد لمنع الحسين، عليه السلام، عن الوصول الى ماء الفرات، أمر، عليه السلام، بسقي هؤلاء الفرسان، بل وحتى «رشّف الخيل ترشيفا»، فهو سقاهم، فيما كانوا هم بمهمة تنتهي الى مقتله مع ابنائه واصحابه. وللإمام الحسين، عليه السلام، موقف آخر، فقد شوهد وهو يبكي، وعندما سُئل عن ذلك قال: «انما ابكي على هؤلاء القوم سيدخلون النار بسببي».

هكذا يتعامل الامام الحسين، عليه السلام، مع الناس، وهذه هي طريقة تفكيره ازاء مجمل السلوكيات والتصرفات الموجودة في المجتمع، فهو دائماً، بمنزلة الحل وسط المشكلة، والعنصر الايجابي لازالة المساحة السلبية. وهذا ما يحتاجه المجتمع في جانبه الاخلاقي، ففي مراسيم زيارة الاربعين، تحصل كل عام أزمة نقل- الى حدٍ ما- في طريق عودة الزائرين، مما قد يتسبب في حصول أعمال غير مقصودة، بيد ان المظاهر الموجودة توحي بالحاجة الى غير قليل من التقويم في جوانب سلوكية واخلاقية، فنحن بحاجة الى تجسيد التكافل والايثار وروح العطاء في أيام كهذه ، حتى لا نشهد اضطرار الزائرين لركوب السيارات بشكل عشوائي وعلى شكل مجاميع بشرية يصطدم احدهم بالبعض الآخر، في الحافلات او حتى في شاحنات النقل الكبيرة، والملاحظة تكون جديرة للغاية اذا عرفنا أن بين الزائرين أعداداً لا بأس بها من اخواتنا الزائرات اللاتي يفترض ان يجدن الاجواء المناسبة للزيارة، ومن ثم العودة الى ديارهن معززات مكرمات.

وهذا مثال بسيط من جملة أمثلة عن الجانب الاخلاقي الذي يجب ان يتجسد لدينا من أخلاق النهضة الحسينية، وأن لا نبتعد عنها لا سمح الله- من خلال انسياق البعض الى الحالة العصبية او الاعتداد بالنفس او غير ذلك، مما يحجب التسامح والتكافل والتواصي المفترض ان تكون سيدة الموقف في أجواء روحانية عظيمة كهذه.

وربما يسأل البعض عن الوسيلة التي تكرس هذه المفاهيم الاخلاقية والانسانية، نقول: إن المسؤولية تقع على علماء الدين والخطباء، ببذل المزيد من الجهد في مسيرة «المشي»، وفي مختلف المناطق، وتزويد الناس بالأحكام الشرعية، وتبيين المفاهيم الاخلاقية والانسانية، في ضوء الكتاب والسنّة الشريفة.

الى جانب التبليغ الديني والتوعية الثقافية، فان للتقارب بين الناس في هذه المناسبة، كبير الاثر في ترسيخ المفاهيم والقيم، لأن خلال الطريق، يلتقي العالم بالإنسان البسيط، والغني بالفقير، وأهل هذه المدينة مع تلك، وحتى أهل هذه الدولة مع تلك وهكذا، وذلك تحت سقف واحد، وهي المواكب والهيئات الحسينية، وهذه تكون مناسبة للتعارف وتكوين الصداقات لما فيه الخير والفضيلة، ليس لأيام المناسبة وحسب، وإنما لسائر أيام السنة.

 

 الجانب العقائدي

 لقد تجسدت عقيدة التوحيد في كل حركة من المسيرة الحسينية، وأبرزت قوة الانشداد إلى خط التوحيد، وتجلّت عظمة الاعتصام بالله بأجلى صوره في النهضة الحسينية، قولاً وعملاً من حيث انه، عليه السلام، لم يتحرك حركة واحدة في هذه المسيرة، إلا ومعها ذكر الله- تعالى- وانها متجهة صوبه - تعالى- وفي سبيله فقط. فالإمام الحسين، عليه السلام، لم يطلب شيئاً لنفسه اطلاقاً، إنما أراد الإصلاح في هذه الأمة، والحفاظ على قبلة المسلمين ومقدساتهم ووحدتهم، إذ إن حركة يراد بها التصحيح والإصلاح لابد أن تكون لها روح نضالية وإقرار ذاتي لأجل الله تعالى، وتثبيت قيمه وتعاليمه على الأرض، والعمل بالعدل والإحسان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخير دليل ترسيم قواعد الامام الحسين، عليه السلام، يوم العاشر من المحرم، عندما بدأ يصلي صلاة الظهر، وكان فرسان العدو- حينها- تدور حوله من اجل قتله، وهذا درسٌ يجسد من خلاله، الامام، عليه السلام، أروع سمات العلاقة بالله - تعالى-. 

و رغم خطورة الموقف وتكالب الأعداء وكثرتهم لم نشاهد الإمام الحسين، عليه السلام، الا انه يزداد اصراراً وعزيمة وهذا الشيء يجسد لنا انه كان يمتلك قوة إيمانية كبيرة من خلال ايمانه بالله تعالى وحرصه على تثبيت سنن الله وقيمه ومبادئه على الأرض كانت الغاية التي يسمو إليها. فنهضته لم تأتِ ارتجالا أو جزافا بل جاءت من منطلق إيماني ثابت راسخ وجسدها في أقواله وأفعاله،

«والله إني ما خرجت لا أشرا ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي وآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأقيم حدود الله» وصدق الرسول عليه افضل الصلاة والسلام عندما قال: «إنّ الحسينَ مصباحُ الهدى وسفينة النجاة»

جاءت الرسالات السماوية لتعيد اشكالها من اجل تجديد البيعة للإمام الحسين، عليه السلام، وبالمقابل هي نداء واضح لكل المشككين سوف  لن نترك درب الحسين، عليه السلام، الى ظهور الامام الحجة-عجل الله فرجه- وكل هؤلاء الزوار يقدمون الغالي والنفيس من الاموال الى الارواح من اجل نصرة قضية الامام الحسين، عليه السلام، ونحن مستمرون على هذا المنوال نحن وابناؤنا، ولن تثنينا كل ادوات الارهاب من تفجير الى تفخيخ بل على العكس هي تزيدنا اصرارا على الذهاب الى كربلاء من اجل نيل الشهادة في سبيل الامام الحسين الذي ضحى بنفسه من اجلنا  وفي درب  ثورة الإمام الحسين عليه السلام بلغت في عقائديتها الذروة العليا في الوعي والعمق، لدى قائدها وأتباعه وأنصاره. فهي لم تختلف وعياً في جميع أدوارها، منذ أن أعلنت حتى آخر نفس من حياة رجالها، على مختلف المستويات.

فاليوم علينا  جعل هذا الحب والعشق مستمراً ومتجدداً وعلى مدار التاريخ وهو يتجدد بل ويزداد ألفاً وشعاعاً ليكون علامة حضارية خالدة تدلل على أن الإمام الحسين هو ليس أماماً لطائفة أو مذهب معين ولا حتى لدين معين بل هو إمام للبشرية جمعاء وليترجم ما قام به في واقعة الطف هو وأهل بيته وأصحابه المنتجبون في تطبيق معاني الاخلاق والافكار ولتترك نهضة الحسين الخالدة لنا بصمة واضحة وأثراً في بناء التاريخ الإنساني لبناء الحضارة البشرية.


ارسل لصديق