شعر الرثاء الحسيني في الضمير الأممي
كتبه: محمد طاهر الصفار
حرر في: 2015/11/23
القراءات: 1167

كان للشعور بالظلم والإحباط الذي أصاب المسلمين بعد واقعة كربلاء، أثره الكبير والمؤثر في الوجدان الشعبي، خصوصاً أن هذه الواقعة كانت مليئة بالفصول المأساوية، و زاخرة بالصور التراجيدية التي تثير في النفوس الأسى العميق، فكان هذا الشعور هو «المنبّه» للأمة وإشعارها بأن قوى الخير ستبقى مستهدفة ما لم تكن هناك وقفة وتحدٍ بوجه الأمويين وهو ما تجسّد بالفعل على أرض الواقع في الثورات التي تلت كربلاء، حيث بدأت ثورة الحسين تظهر معطياتها وآثارها بعد عاشوراء مباشرة فكان لمشاعر الندم والحسرة التي أصابت المسلمين الأساس في الرثاء الحسيني والذي تخطى هذه المؤثرات إلى المطالبة بالثورة.

يقول سليمان بن قتة العدوي من ضمن أبيات رثى بها الحسين، عليه السلام:

وإن قتيلَ الطفِ من آلِ هاشمٍ *** أذلَّ رقابَ المسلمينَ فذلّتِ

ولما استدعى عبيد الله بن زياد، عبيد الله بن الحر الجعفي وأخذ يلومه على عدم مشاركته في قتال الحسين، خرج وهو يقول:

يقولُ أميرٌ غادرٌ وابنُ غادرٍ *** ألا كنتَ قاتلت الحسينَ بن فاطمَه

فيا ندمي ألا أكون نصرتُه *** ألا كل نفسٍ لا تسدّدُ نادمه

وإني لأني لم أكن من حماتهِ *** لذو حسرةٍ ما أن تفارقَ لازمه

وهي قصيدة طويلة وفيها يصف الشعور الذي كان طاغياً آنذاك فيقول:

فإن يُقتلوا فكل نفسٍ تقيةٍ *** على الأرضِ قد أضحت لذلك واجمه

وما إن رأى الراؤون أفضل منهم *** لدى الموتِ ساداتٍ وزُهراً قماقمه

أتقتلهم ظلماً وترجو ودادَنا؟ *** فدع خطةً ليست لنا بملائمه

لعمري لقد راغمتمونا بقتلهم *** فكم ناقمٍ منّا عليكم وناقمه

 

 الشعر يواجه الظلم الأموي

لقد كشفت ثورة الحسين، عليه السلام، خنوع المجتمع القابع تحت نير السلطة الأموية، وكانت كلمته الخالدة: «لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد»، الموجّه للأمة نحو طريق الحرية، المعبّد بالدم، وهذا ما تجلّى في ثورة التوابين التي استمد قائدها؛ سليمان بن صرد الخزاعي، من الحسين، هذه الروح فخاطب أصحابه قائلا: «ألا لا تهابوا الموت فما هابه أحد قط إلا ذُل».

وقد وصل هذا الشعور إلى قصور السلطة الأموية، فقد روى المفيد في إرشاده (ج2ص114)، ما مجمله، إنه لما وصل رأس الحسين إلى ابن زياد وجعل يضرب ثنايا الحسين بالقضيب، قال له زيد بن أرقم، بعد جدال طويل بينهما: «أيها الناس أنتم العبيد بعد اليوم قتلتم ابن فاطمة وأمرتم ابن مرجانة والله ليقتلن خياركم وليستعبدن شراركم فبُعداً لمن رضي بالذلّ والعار».

لقد وضع هذا الصحابي الشيخ، النقاط على الحروف لما سيؤول إليه مصير الأمة بعد مقتل الحسين، من الذل والخنوع إذا لم تكن هناك «كربلاء متجددة».

لقد أذكت الثورة الحسينية الروح الثورية لدى المسلمين والتي حاول الأمويون إخمادها واستمرت تلك الروح في الثورات التي تلتها والتي اتخذت من كربلاء عاملاً مهماً من عوامل إثارة النفوس، فكانت كربلاء، رمزاً وشعاراً وروحاً لكل الثورات.

وقد مثّل شعر الرثاء الحسيني، دوراً مهماً في إحياء تفاصيل تلك الثورة، بل كان من أكبر العوامل في التأثير في النفوس خصوصاً إن الثورة كانت عبارة عن مأساة وفاجعة تجلّ عن الوصف، فكان دور الأئمة المعصومين، عليه السلام، كبيراً في ترسيخ كربلاء بكل تفاصيلها في ضمير الأمة وإبقائها حيّة، من خلال التأكيد والدعوة إلى تشجيع الشعراء وعقد المجالس الشعرية الخاصة برثاء الحسين، عليه السلام، والحث عليه.

 

 رثاء لم تشهده البشرية

وقد حرص الأئمة المعصومون، عليهم السلام، أشد الحرص على إبقاء روحية الثورة الحسينية ومبادئها متجذرة في النفوس، وحيّة في الضمائر، ولهم في ذلك روايات كثيرة جداً، لا يسع الموضوع حصرها، واستمرت هذه الأشعار في تصعيد روح الثورة في الوجدان الشعبي حتى أصبح هذا الشعر ما لا يمكن حصره أو تعداده.

يقول الشيخ محمد جواد مغنية: «ما عرفت البشرية جمعاء من أبنائها قيل فيه من الشعر ما قيل في الحسين بن علي».

وتقول الدكتورة «بنت الشاطئ»، في موسوعتها «آل النبي» (ص765): «ما أحسب أن التاريخ قد عرف حزناً كهذا، طال مداه حتى استمر بضعة عشر قرناً دون أن يفتر، فمراثي شهداء كربلاء هي الأناشيد التي يترنّم بها الشيعة في عيد حزنهم يوم عاشوراء في كل عام ويتحدّون الزمن أن يغيّبها في متاهة النسيان».

كما لم يقتصر هذا الشعر على لغة العرب وحدها، ولا على المسلمين وحدهم، فتمجيد الثورة ضد الظلم هو تمجيد للمبادئ الإنسانية جمعاء.

ثم إن ثورة الحسين، عليه السلام، عالمية بكل مقاييسها وقيمها ومبادئها السامية، فقد غطى صداها جميع أصقاع العالم وأصبحت كربلاء، أنشودة الحرية في فم الأجيال. يقول جبران خليل جبران: «لم أجد إنساناً كالحسين سجّل مجدَ البشرية بدمائه». وقد وصلت أصداء تلك الثورة إلى العالم في وقت مبكر.

يقول السيد حسن الأمين، في دائرة المعارف الإسلامية الشيعية (ج5ص129) قسم أفريقيا: «ويتأكد وصول الشيعة إلى أفريقيا الشرقية في وقت مبكر وتأثيره العميق في الحياة الأفريقية بما ورد في الملحمة السواحلية». النظم في أحوال الحسين بن علي، عليه السلام، التي نشرها سنة (1960) الأديب الأفريقي «بورو» مع تعليقات وترجمة «ألن».

ويذكر المؤرخ الأندونيسي الكبير البروفيسور حسين جاياديننغراد، المدرس بجامعة أندونيسيا: «إن الإسلام دخل إلى أندونيسيا على أيدي الشيعة، وإن آثار ذلك لا تزال باقية إلى الآن». ثم إن لمحرم في أندونيسيا حرمة خاصة ويسمى هذا الشهر فيها «سورا»، يعني عاشوراء، فتقرأ فيه سيرة الإمام الحسين والقصائد الرثائية والخطب، ومن الجدير بالذكر إن هذه المراسيم تقام منذ العصر الإسلامي الأول.

 

 الرثاء الحسيني يُحيي لغات الشعوب

كما كان لشعر الرثاء الحسيني الفضل في إحياء اللغات، ففي مدينة مظفركر في باكستان، كانت لغتهم الملتانية مقتصرة على التخاطب فقط، حتى دخلها التشيع فأحياها وطورها وجعلها لغة تدوين وأدب، وأول ما دون بهذه اللغة، مدائح علي بن أبي طالب، ومراثي الحسين، ومن أبرز شعراء المراثي فيها، غلام حيدر فدا، الذي ألف «ملحمة ذو الفقار»، في (550) بيتاً والسيد إمام علي شفيق، والشاعران الأخوان؛ فداء حسين جهندير، و نذر حسين جهندير، الذي نظم خطبة السيدة زينب في قصيدة بلغت (120) بيتاً، وهؤلاء الشعراء تخصصوا وامتازوا بمدائح ومراثي أهل البيت وخاصة في رثاء الحسين، ويعود لهم الفضل في إحياء اللغة الملتانية وجعلها لغة أدب حي، وشعرهم في مدائح علي ورثاء الحسين جعل الأدب الملتاني في مصاف الآداب العالمية، بما حمله من خصائص فنية، منها الروعة في التعبير والعمق في المعنى والصدق في العاطفة، وجاء بعد هؤلاء شعراء ساروا على خطاهم أشهرهم؛ السيد علي شاه، الذي يعدّ مجدداً لشعر الرثاء الحسيني في اللغة الملتانية، والسيد «فضل حسين شاه» وغيرهما.

ومن أكبر آباد خرج أعاظم شعراء اللغة الأوردية كما كانوا في نفس الوقت شعراء الشيعة الذين حفلت آثارهم بالمدائح العلوية والمراثي الحسينية، ويأتي في الطليعة منهم أسد الله غالب، و مير محمد تقي مير، و نظير أكبر آبادي.

 

 استنطاق المشاعر الانسانية

أما في ألبانيا فقد شكل الأدب الشيعي وبالخصوص الرثاء الحسيني، جزءاً مهماً من الأدب الألباني بما فيه من مراثٍ ومدائح لآل البيت، ومن ذلك ملحمة شعرية للشاعر نعيم بك فراشري، (1846 ــ 1900) في مقتل الحسين، عليه السلام، سماها «كربلاء»، تعدّ من روائع الأدب الألباني، ونعيم بك فراشري هذا هو شقيق المؤلف الألباني الكبير؛ شمس الدين سامي بك، (1850 ــ 1904) الذي اشتهر بمؤلفاته العلمية وقد عكف نعيم على كتابة ملحمته (كربلاء)، البالغة عشرة آلاف بيت ما بين عامي (1892 ــ 1895) وصدرت سنة (1898)، وتعد من أفضل ما أفرز الأدب البكتاشي، وقد قسم نعيم ملحمته إلى خمسة وعشرين فصلاً، وقد سبق نعيم في ذلك، شاعران في كتابة الملاحم عن كربلاء هما؛ داليب فراشري، و شاهين فراشري، اللذان كتبا ملحمتيهما «الحديقة ومختارات نامه»، ولكن ملحمة نعيم فاقت ملحمتيهما سعة وشهرة.

أما في الهند فقد أغنى الأدباء والشعراء الشيعة الأدب الهندي، وكان للأثر الحسيني الدور الأكبر في إنماء المعارف والثقافة، والمورد الذي استقوا منه لا على الصعيد العلمي والفكري والأدبي فقط، بل على الصعيد الخُلقي والروحي ويعد، مير ببر علي أنيس، وميرزا دبير، في طليعة شعراء القارة الهندية، ومن كبار شعراء المراثي الحسينية باللغة الأوردية، والأدب الهندي زاخر بشعر الرثاء الحسيني منذ مئات السنين.

يقول مولانا عبد الواحد، وهو من كبار علماء الهند في رسالته «إزالة الأوهام»: «إن المجالس الحسينية مستمرة منذ مئات السنين وكانت تقام بأحسن وجه وأفضل صورة في عهود الملوك المسلمين المتشرعين ذوي النفوذ الكامل المطلق من أمثال محمد أكبر، وجهانكير، وشاه جهان وعالم كير».

وكانت المرثية الحسينية في ذلك الوقت الفن الأكثر بروزا في الأدب الهندي وكان الشعراء يجدون في المرثية ملجأ روحياً سامياً يفيض عزاء ومواساة، واشتهر منهم في الماضي مير أمين، وميرزا غالب، ومولوي محمد حسين آزاد، و»مولوي ألطاف» الذي كان ناقداً وشاعراً وكاتباً ومصلحاً، وكان أول شاعر ألف ديواناً شعرياً في الرثاء هو: قلي قطب شاه، وكان حاكماً في منطقة «كولكندة» جنوب الهند، ومن أشهر شعراء المرثية، غلام محمد جرامي، الذي كتب أشعاره باللغتين الأوردية والسندية، وتبعه الشاعر محاسن، الذي أطلق على نفسه لقب «البلبل التائه في روضة الحسين»، وقد نشرت قصائده في (12) مجلداً وقد استقى محاسن، معلوماته التاريخية حول واقعة كربلاء، من المؤرخ الهندي الكبير ثابت علي شاه، (1740 ــ 1810) الذي يعد أول من كتب عن مأساة كربلاء باللغة الأوردية.

وهناك أسماء أخرى كثيرة من الشعراء الهنود الذين تولعوا بالرثاء الحسيني وهاموا في سيرته العظيمة وصاغوا يوم كربلاء بأروع صور الحزن والأسى منهم مير ضمير وتلميذه العالم والشاعر «ميرزا سلامت علي دبير» الذي يعد حتى اليوم الأستاذ الأول ورائد رجال العلم وتعد كذلك مراثيه في الإمام الحسين ثروة أدبية كبرى لا تقدر بثمن ويعدّ هؤلاء الشعراء هم رواد التجديد في المرثية الحسينية الأوردية التي أخذت أبعاداً فكرية وعلمية في عصرهم حيث تناولوها بصور جديدة في الفداء والتضحية في سبيل الحق.

إن دراسة هذا الأسلوب الجديد الذي اتخذه هؤلاء الشعراء وتعدد مزاياه وخصائصه يحتاج إلى دراسة مطولة لا يسعنا الآن التوغل فيها. ويأتي بعدهم شعراء كانوا على درجة كبيرة من الثقافة، درسوا الأفكار الحديثة واكتسبوا كثيراً من العلوم والفلسفة العالمية، استطاعوا من خلالها، أن يرسّخوا مفاهيم الثورة الحسينية بصورة أعمق في ذهن المتلقي، وينمّوا إحساسه في الوقوف إلى جانب معسكر الحق ضد معسكر الزيف والباطل.

أما في تركيا فأشهر شعراء المراثي هم؛ روحي بغدادي المتوفى (1065م)، وملا عزت المتوفى (1829م)، وشيخ مشتاق مصطفى، المتوفى (1830م)، ولبيب محمد، المتوفى (1867م)، والذي كتب تسعة دواوين في رثاء الحسين كما طبع، عثمان شمس، المتوفى (1893م)، ديوانه «مرثية سيد الشهداء»، وطبع معلم فيضي المتوفى (1910) ديوانه «مأتم نامه»، ولم يقتصر شعر الرثاء الحسيني على الرجال فهناك شاعرتان كبيرتان، لكل واحدة منهما ديوان اشتمل على أروع ما كتب من شعر الرثاء الحسيني في تركيا هما؛ ليلى خانم المتوفاة (1847)، وشريفة خانم المتوفاة (1908).


ارسل لصديق