لقمان والحكمة في تطبيقاتها العملية
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2016/01/06
القراءات: 1381

الحكمة، فضيلةٌ يتحلّى بها الانسان، وأحياناً يدّعيها فاقدها، كما أنها عطاءٌ الهي يمنحه الله سبحانه بعض عباده فينير دربهم ويُجلي بصائرهم، وقد قال الله سبحانه:

{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثيراً وَ ما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْباب‏}،سورة البقرة:269.

وذلك لأنه كما في قول إمامنا الصادق، عليه السلام }الْحِكْمَةُ ضِيَاءُ الْمَعْرِفَةِ وَمِيرَاثُ التَّقْوَى وَثَمَرَةُ الصِّدْقِ وَمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ بِنِعْمَةٍ أَعْظَمَ وَأَنْعَمَ وَأَجْزَلَ وَأَرْفَعَ وَأَبْهَى مِنَ الْحِكْمَةِ لِلْقَلْبِ{.(1) بحكمته يتجمل الحكيم بين الناس، وإن لم يكن بهي المنظر.

وبها يُقدّر بين الناس وإن لم يكن ذا حسب أو نسب، بل الحكمة تجعله غنياً وإن لم يكن ذا مال، كل ذلك لأنه يحمل ما هو اغلى من جمال الجسد ونصاعة الحسب وبريق الذهب.

وقد أعطى الله سبحانه الخير الكثير لعبدٍ من خلّص عباده بمنحه الحكمة، فرفعه بين الناس مكاناً عليّاً حتى قيام الساعة، فأخلد ذكره، في القرآن الكريم، بتسمية سورةٍ من سوره المباركة باسمه الطيب، وهو لقمان.

 

 من هو لقمان الحكيم؟

لم يكن لقمان، عليه السلام، نبياً ولا صاحب مالٍ او سلطان او مكانة اجتماعية، بل كان عبداً مملوكاً مكاتباً(2) ، حباه الله سبحانه بالحكمة لخلالٍ كانت فيه، ويذكر نبينا الاكرم، صلى الله عليه واله، بعضاً من تلك الصفات، حيث قال: }حَقّاً أَقُولُ لَمْ يَكُنْ لُقْمَانُ نَبِيّاً وَلَكِنَّهُ كَانَ عَبْداً كَثِيرَ التَّفَكُّرِ حَسَنَ اليَقِينِ أَحَبَّ اللهَ فَأَحَبَّهُ وَمَنَّ عَلَيْهِ بِالحِكْمَةِ {(3) ويذكر لنا الامام الصادق عليه السلام تفاصيل أخرى عن حياة لقمان، عليه السلام، وسبب منح الله سبحانه الحكمة له، وذلك في حديث مطوّل نكتفي بذكر بعضه:

 

مَا أُوتِيَ لُقْمَانُ الحِكْمَةَ لِحَسَبٍ وَلَا مَالٍ وَ لَا بَسْطٍ فِي جِسْمٍ وَلَا جَمَالٍ وَ لَكِنَّهُ كَانَ رَجُلًا قَوِيّاً فِي أَمْرِ الله مُتَوَرِّعاً فِي الله سَاكِتاً سَكِيناً عَمِيقَ النَّظَرِ طَوِيلَ الفِكْرِ حَدِيدَ النَّظَرِ مُسْتَغْنٍ بِالعِبَر لَمْ يَنَمْ نَهَاراً قَطْ وَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ الناسِ عَلَى بَوْلٍ وَلا غَائِطٍ وَلا اغْتِسالٍ لِشِدَّةِ تَسَتُّرِهِ وَعُمْقِ نَظَرِهِ وتَحَفُّظِهِ فِي أَمْرِه﴿ وقال، عليه السلام: وَكَانَ يُكْثِرُ مُجَالَسَةِ الفُقَهاءِ وَالحُكَماءِ{، الى أن قال، عليه السلام: }وَيَعْتَبرُ ويَتَعَلَّمُ مَا يَغلبُ بِهِ نَفْسَهُ وَيجَاهِدُ بِهِ هَواهُ وَيَحترِزُ بِهِ مِن الشَيطانِ وَكَانَ يُداوي قَلْبَهُ بِالتَفَكُّرِ وَيُدارِي نَفْسَهُ بِالعِبَرِ وَكَانَ لا يَظْعَنُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيه فَبِذَلِكَ أُوتِي الحِكْمَة{(4)، وصفاتٌ كهذه، اذا اجتمعت في أي عبدٍ، اكرمه الله سبحانه، فملأ قلبه حكمةً واجراها على لسانه وسلوكه، اذ ليست ثَمة قرابة بين الله سبحانه وبين عباده، فيعطي لبعضٍ ويمنع من كانوا في مستواهم، بل هو العادل والحكيم الذي لا يعطي ولا يمنع الا بحكمة بالغة.

وليس هذا فحسب، بل وشكَرَه على التزامه العملي بما وعاه قلبه، ذلك لأن الله سبحانه يطالب عباده بالعمل بما علمهم إياه، فليست الحكمة ذات قيمة تذكر، اذا لم تترجم الى سلوكٍ في الواقع العملي، فلولا العمل بمقتضيات الحكمة في الحياة الخارجية، يكون الحكيم كنسخة كتابٍ لا اكثر.

ومن شُكْر الله سبحانه للقمان، تخليد ذكره، عبر ذكر وصاياه العظيمة ومواعظه الحكيمة، في آيات كتابه المجيد، كما ان المعصومين، عليهم السلام، ذكروا مزيداً من مواعظ لقمان التي القاها لابنه، بالرغم من أن ما وعظ به لقمان ابنه انما هو من عند الله سبحانه، فكان بالإمكان ان يورد الله سبحانه تلكم المواعظ بصورة مباشرة دونما ذكرٍ للقمان، كما هو الحال بالنسبة الى كثير من المواعظ الإلهية في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى:

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَميعاً بَصيرا}،سورة النساء: 58، على أن نقل مقالة لقمان في القرآن الكريم يراد منه مزيداً من التأثير في نفس المتلقي، فإن الانسان يتأثر بالموعظة فيما لو وردت في قالب قصة او مثال، اكثر منها لو كانت مجردة عن ذلك.

 

 الشكر لله، جوهر الحكمة

والان، لنتدبر معاً آيات القرآن الكريم، في سورة لقمان، التي خصصت منظومة من آياتها بمواعظ هذا الحكيم الإلهي، فقد قال ربنا سبحانه:

{وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَ مَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَميدٌ}، سورة لقمان: 12. وهذه الآية تحوي في طياتها بصائر عديدة، ابرزها بيان مقام هذا الرجل، حيث حباه الله بالحكمة كتمهيد لذكر مواعظه واعداد نفسي لقارئ القرآن كي ينتفع بها، وبعبارة أخرى، ان ما سيذكره لقمان لم تكن مجرد إرشادات أب لابنه، بل هي إرشادات حكيمٍ وعى فلسفة الحياة، ففي الحديث عن الامام موسى بن جعفر، عليه السّلام، لتلميذه هشام بن الحكم:

يا هشام، إنّ اللَّه قال:

 وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ{ قال: الفهم و العقل(5).

والبصيرة الثانية والهامة، تكمن في أن جوهر الحكمة، الشكر لله سبحانه، فقد فسّرت الآية الحكمة بالشكر، لأن }أن{ تفسيرية، كيف؟ ذلك لأن الشكر لله، تعد جماع التوحيد والعبادة والطاعة والخضوع لله سبحانه والعطاء، فكل مفردات الحكمة تتلخص في شكر الله سبحانه، يقول السيد الوالد،  قال سماحة المرجع المدرسي، دام ظله، في هذا الصدد: فقد أعطاه ربنا الحكمة، وأوجزها في كلمة أَنْ اشْكُرْ لِلَّهِ‏، ويبدو أن الشكر جماع فضائل عديدة أبرزها:

ألف: الاعتراف بفقدان النعمة ذاتا، فلولا فضل الله علينا لما كنا مخلوقين، ولما كانت لنا الأسماع والأبصار والأفئدة، ومن هذا الاعتراف تنبثق فضيلة التواضع، وتجنب الخيلاء والفخر، وعدم تحدي الناس استكبارا وسائر ما ذكر في الآيات الكريمة.

باء: التصديق بفضل من أنعم علينا وهو الله سبحانه، ولا يتم التصديق إلا بتوحيده.

جيم: احترام وسائط الفضل للذين قاموا بدور من وصول النعمة إلينا وأبرزهم الوالدان.

دال: السعي نحو تكريس النعمة، واتقاء ما يسبب زوالها، وذلك من خلال الخطوات التالية:

أولاً: بمعرفة أن عمل الإنسان يؤثر في بقاء أو زوال النعمة.

ثانياً: بإقامة الصلاة، التي هي مظهر الشكر لله. ثالثاً: بالدعوة إلى الخير والنهي عن الشر والصبر عند المكاره. هكذا نعرف أن الشكر لله حقا هو أساس الحكمة الإلهية.(6)

 

 مواعظ الحكيم الإلهي

أولا:ً النهي عن الشرك، أخطر ما يصيب الانسان هو شركه بالله سبحانه وتعالى، وعدم الايمان الخالص به، ذلك لأن مصير الانسان مرتبطٌ بتوحيده لله سبحانه في كل مناحي حياته، وذلك فإن اول وصيةٍ للقمان، عليه السلام، كانت حول هذا الامر، حيث قال الله سبحانه:

{وَ إِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَ هُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظيمٌ}،سورة لقمان: 13، فليس الشرك معصية عادية و بسيطة يمكن التغافل عنها، إنما هو ظلم عظيم. إن الدنيا وما فيها لا تسوى عند الله جناح بعوضة، ويعد الرب متاع الدنيا كله قليلاً حيث قال، عزّ من قائل: ﴿مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيل‏،سورة النساء: 77، ولكن حين تصل القضية الى موضوع الشرك يكون عظيماً عند الله سبحانه. وللشرك مصاديق مختلفة، منها ما هو جلين كعبادة الاصنام، ومنها ما هو خفيٌ، كالطاعة العمياء للمخلوق دون إذن الله سبحانه بذلك، ولقد وردت عبارتي، }من دون الله﴿ و من دونه{ اكثر من مائة مرة في كتاب الله سبحانه لبيان أن الطاعة لغير الله إن لم تكن بإذنه، فهي شركٌ بالله سبحانه وتعالى.

الثانية: بر الوالدين، لأنهما السبب الأقرب لمجيء الانسان الى الدنيا، والواسطة الأبين لتواتر نعم الله سبحانه على الانسان، كان لزاماً على الانسان ان يشكرهما ويحسن اليهما، ولكن على ان لا يصل ذلك الى حد اتخاذهما الهة من دون الله او طاعتهما فيما ينهى الله سبحانه، قال تعالى:

{وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى‏ وَهْنٍ وَ فِصالُهُ في‏ عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لي‏ وَ لِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصيرُ * وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى‏ أَنْ تُشْرِكَ بي‏ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً}سورة لقمان: 14-15. ولأهمية هذه الوصية فإن الله سبحانه لم يذكرها عن لسان لقمان، بالرغم من أن سياق الآيات هو بصدد ذكر مواعظ لقمان لابنه. ثالثاً: اتباع سبيل الصالحين، المؤمن الذي يحسن الى ابويه حتى وان كانا كافرين، يتعرض لضغط من قبلهما على ان يشركا بالله سبحانه، وعليه ان لا يطيعهما مع عطفه بهما ومصاحبتهما بمعروف، كما مر علينا في البحث. وفي هذه الحالة فانه بحاجة الى بيئة صالحة يتبعها، لأن بيئته الأولى -الاسرة الفاسدة- تحاول ابعاده عن الله سبحانه، قال الله سبحانه:

{وَاتَّبِعْ سَبيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}،سورة لقمان: 15، فعليه ان يتفش عن الاولياء الصالحين ليتبع سبيلهم وينضم الى الجماعة المؤمنة بالله سبحانه. رابعاً: الايمان بالجزاء الإلهي، إن مرجع الخلق الى الله سبحانه، وهو عالمٌ بكل شيء، فلا يغيب عن الله مثقال ذرة، وبالتالي فأنه يجازي عليها خيراً كانت او شر، بهذه الرؤية ينبغي ان يكون المؤمن، فيعلم ان اعماله كلها بعين الله سبحانه، وسيجازيه الله بها،  قال لقمان لابنه، كما ورد في القرآن الكريم:

{يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في‏ صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطيفٌ خَبيرٌ}، سورة لقمان: 16. خامساً: الالتزام بفرائض الله، ويوصي لقمان ابنه، بالالتزام بأداء الصلاة حيث انها قوام الدين ودعامته، و كذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. سادساً: الصبر على المصائب، الوصية بالصبر جاءت لأن إقامة الصلاة، كما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحتاج إلى الصبر على ما يصيب الانسان في هذا الطريق، فإن الجنة حُفت بالمكاره‏، قال الله سبحانه ذاكراً الوصية الخامسة والسادسة: {يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَ انْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ اصْبِرْ عَلى‏ ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} سورة لقمان :17.  سابعاً: التواضع، مهما كان مستوى الانسان في المال والعلم والجاه،  يبقى عبداً مخلوقاً لله سبحانه،  فلا يجوز له ان يشمخ بأنفه على الآخرين، وهذه من الوصايا الذهبية للقمان، عليه السلام، لابنه على الصعيد الاجتماعي،  قال الله سبحانه وتعالى:

{وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ولا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ}، سورة لقمان : 18. ثامناً: الهدفية والهدوء، أوصى لقمان ابنه، أن لا يعيش حياة العشوائية واللاهدفية،  بل يجعل حركته في الحياة تتسم بالهدفية، لكيلا تضيع جهوده سدى، وهذا هو اظهر معاني القصد في الحياة. وتلي هذه الوصية وصية عظيمة أخرى بالدعوة الى الهدوء والكف عن احداث الضوضاء و الصراخ وغيرها، قال الله سبحانه:

{وَاقْصِدْ في‏ مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَميرِ}، سورة لقمان :  19، انها بعض مواعظ لقمان، عليه السلام، التي بحق، هي اهم مواعظ يلقيها حكيمٌ الى مسترشد،  وهي بمثابة منهاج عمليٍ للحكمة في الحياة، في مختلف جوانبها الشخصية والاجتماعية.

كما ان هناك مجموعة كبيرة من مواعظ هذا الحكيم ووصاياه، ذكرها المعصومون، عليهم السلام، تخليداً لذكرى هذا الرجل العظيم، مثل ما استشهد به الامام الكاظم، عليه السلام، من اقوال لقمان الحكيم.

-----------------

1- مصباح  الشریعة: ص198

2-  أي كاتب نفسه مع مولاه ليعتق نفسه بماله الخاص ، ولقمان اول من كاتب في التاريخ.

3- تفسير مجمع البيان : ج8 ، ص 80

4-  بحار الانوار: ج13 ، ص 409

5- تفسیر كنز الدقائق وبحر الغرائب: ج 10 ،ص 239

6- من هدى القرآن : ج 7 ، ص 90 ، نقل بتصرف.


ارسل لصديق