استثمار الفرص لضمان مستقبلٍ مشرق
كتبه: حيدر الرماحي
حرر في: 2016/01/06
القراءات: 665

في نفس كل إنسان مجموعة من الرغبات والأهداف، وعلى طول مسيرة الحياة البشرية توجد مجموعة كبيرة من فرص الخير، فمن سعى لاغتنامها بعد التوكل على الله سبحانه وتعالى رزقه الله من فضله ما يشاء، ومن جلس في بيته وهو ينتظر تحقيق ما يريد فلن ينال شيئا . الفرص؛ جمع فرصة، وتطلق على الأمر النادر، وهو الشيء الذي يحتمل ان لا يتكرر أو الذي يتكرر قليلاً. لذلك يشير رسول الله، صلى الله عليه وآله، إلى سرعة اغتنام الفرص قبل فواتها، حيث روي عنه، أنه قال: }أغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك{. هذا الحديث فيه مجموعة من قوانين النجاح وقواعد أساسية في عملية التنمية البشرية وهي:

 

  أولاً: قيمة الشباب

تمثل مرحلة الشباب الطاقة والحركة والاندفاع والحماس، وهذه العناصر من أهم ركائز التنمية البشرية وتطوير الذات الإنسانية في المجتمع، لذا تُعد هذه المرحلة من أفضل مراحل عمر الإنسان، وقد رغّب المعصومين، سلام الله عليهم، أن تكون هذه المرحلة مليئة بالعمل والحركة الحثيثة نحو بناء الذات واثبات قدراتها. ولأهمية هذه القيمة الكبيرة من عمر الإنسان ذكرها رسول الله، صلى الله عليه وآله، في أولى القوانين من حديثه المبارك. إن عقول شبابنا العامرة بالإيمان والمعرفة الصحيحة ثروة وطنية كبيرة لبناء غداٍ أفضل ومستقبل مشرق بروح العنفوان الشبابي، حيث أن القوى العاملة الشابة هي السواعد التي تبني وتنهض بالمشاريع التنموية في البلد، ثم إن القدرة الشبابية تفوق كل التصورات المنطقية في حال آمن الشاب بفكرة معينة وعزم وعمل على تحقيقها، فمن اساسيات النجاح ان يكون لديك العزم لتحقيق الأشياء والسعي الحثيث لمواصلة النجاح والأبداع في الحياة. والذين حققوا الأشياء الجميلة في حياتهم هم الذين كان لديهم الاعتقاد والثقة العالية بأن شيئاً بداخلهم يفوق كل الظروف والتحديات ولذلك نجحوا. من هنا كان عنصر العمل بعد العزم، من أهم مقومات النجاح، فالعزم وحده لا ينفع، واضرب مثالاً لذلك وأقول: لو كان عندنا ثلاثة عصافير يقفون على شجرة، وقرر واحد منها أن يطير، فكم عصفور بقي على الشجرة؟ يتراود طبيعياً إلى أذهاننا أنه سيبقى اثنان من العصافير، لكن الجواب: بقي ثلاثة عصافير على الشجرة، لأن واحداً منها حاول ان يطير، ولم يطير بالفعل، وبالتالي لم يتغير شيء. من هنا تظهر قيمة العمل على أنجاز الأشياء وليس العزم على انجازها فقط. ولو اردنا ان نسأل أنفسنا كم مرة قررنا وعزمنا على فعل أمور كثيرة ولم نفعلها، فيبقى الحال على ما هو عليه وربما أسوأ؟ فليس كافياً أن نتمنى أو نرسم أو نكتب لأنفسنا اهدفاً، إنما يجب ان نسعى ونعمل على تحقيقها بثقة عالية وذات مدركة لقيمتها وطاقتها الشبابية.  

 

   ثانياً: قيمة الصحة

إن مفهوم الصحة في الإسلام يمثل القيمة العليا والنعمة الكبيرة من رب العالمين، وهي تتصل بالنقطة الأولى اتصالاً وثيقاً حيث تمثل الصحة جانب الحركة والفاعلية في جسم الإنسان ليمارس الفرد مختلف نشاطاته بحيوية، عكس السقم الذي يعني المرض البدني الطويل أو المرض المزمن، ولذلك قال الله تعالى عن إبراهيم «عليه السلام»: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ 88 فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ 89 سورة الصافات، وهذا من شأنه أن يعرقل مسيرة الإنسان التنموية فلا يتمكن من استغلال الفرص السانحة أمامه نتيجة لسقمه وعدم تفاعله مع افكاره العقلية لأن جسده لا يقوى على شيء.

 

  ثالثاً: قيمة الغنى

تنفرد هذه القيمة في أنها تتفرع إلى نقاط متعددة. فيأخذ الغنى شكله الاقتصادي إذا كان في المال، ويأخذ شكله المعرفي إذا كان الغنى في العلم، ويأخذ شكله الروحي إذا كان في الإيمان بالله، ويأخذ شكله الاخلاقي إذا كان الغنى في امتلاك القيم، وهكذا يأخذ شكله الإنساني إذا كان في احترام وحسن معاملة الآخر. ولذلك لا نحصر قيمة الغنى بجانب دون آخر ، بل تعدد مفردات الغنى بحسب العطاء الذي يُبذل من الفرد. إذ ليس الغنى في كم يملك الإنسان، بل في كم يعطي.

ان تنبيه الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، على هذه النقطة يدل على أهميتها في جانب العطاء الإنساني، ولكن الأهم في هذه النقطة هو في كيفية استثمار هذا الغنى، فمثل هذا الإنسان تكون أمامه مساحة واسعة من الفرص العديدة ليُحسن استثمارها في جانب الخير، فالإنسان الذي يحيى الحياة الطيبة مستظلاً بظِلال الهدى والإيمان، مستعداً لأن يكون مشروع تضحية في سبيل المبادئ والقيم وما قدّمه، الإمام الحسين، عليه السلام، خيرُ مثال على قمة العطاء الإنساني الذي يُنبأ عن قيمة الغنى العليا التي يتمتع بها الإمام الحسين، سلام الله عليه، فكان غنياً في عطاءه ثرياً في ما قدمه من تضحيات .

ان استثمار فرص الخير في بناء الذات الإنسانية لا يقتصر على ذات الفرد فلا ضير ان يعتمد الشخص على تكوين مشروع بمساعدة الآخرين، وخيرُ مثال ما فعله رسول الله، صلى الله عليه وآله، من التجارة في مال السيدة خديجة، رضوان الله عليها، حيث استطاع ان يعود عليها بالربح الكثير من خلال اسلوب رائع وهمة وعزم على نجاح المشروع التجاري. فمن أراد النهوض بواقعه، يملك تاريخاً ثرياً من التجارب الناجحة عليه ان يجعلها أمامه قدوةً له في الحياة.                   

 

  رابعاً: قيمة الفراغ

ان أهمية استثمار الفرص تنبع من إدراك قيمة أوقات الفراغ في حياة الإنسان، فإذا ضاع وقت الإنسان ضاع عمره، لأنه أهم مورد لديه، والاستفادة منه بشكل جيد تجعل حياة الفرد أكثر إنتاجاً وفعالية. ومن لطف الله تبارك وتعالى ان يوفق الإنسان إلى أوقات يُدرك فيها نفسه ويعمل على صلاحها. وفي بلدنا العزيز يعيش اغلب افراده في أوقات فارغة لأسباب عديدة فمِنَ الكاسب البسيط إلى حملة الشهادات يعيش الاكثر ضمن اجواء روتينية فارغة. والإسلام يُحبذ أن يستثمر هذا الوقت استثماراً حقيقياً ينهض بالفرد من واقعه المتردي إلى واقع افضل واجمل، ولذلك بين لنا رسول الله، صلى الله عليه وآله، إلى أن سرعة استثمار وقت الفراغ قبل اشتغال الإنسان بأمور كثيرة؛ لكي يسد نقصاً هنا أو يملئ فراغ هناك سواء كان اقتصادياً أو معرفياً أو اخلاقياً أو تربوياً، وعليه ان يُحدد حسب قانون الأهم والمهم تقديم الأهم من أموره لينجزه وقت فراغه، وإلا خسر الأثنين معاً، أنجاز الأعمال وذهاب وقت الفراغ الذي لا يعود. فمِن خلال هذه القاعدة يُوضح الإسلام فن إدارة الوقت للرقي البشري والتطور الحضاري. فإدارة الوقت بشكل صحيح تضيف إلى حياة الإنسان ساعات طوال إذا أحسن استغلال الأوقات الضائعة من حياته . 

 

  خامساً: قيمة الحياة

ان نموت وننتقل إلى دار الآخرة فتلك سنّة الله في مخلوقاته، ولكن أن يموت فينا الإحسان والفضيلة ونحن على قيد الحياة فذلك هو الخسران المُبين.

قد لا يستغل الإنسان فرصة شبابه وصحته وغناه وفراغه، غير إنها ممكن ان تعوض ولو بعضها ولكن الحياة إذا ذهبت لا تعود ولا يمكن تعويضها، لذلك جاءت وصية رسول الله، صلى الله عليه وآله، لتأكد على هذا المعنى الواسع والقيمة الكبيرة للحياة الإنسانية وما تمثله من فرصة ثمينة لاستغلال فرص الخير. ان العيش في دنيا الإسلام وفي رحاب الشريعة المقدسة هو اعظم استغلال لحياة الفرد والمجتمع، والموت الذي أُشير إليه له مفهوم واسع ودلالة أعمق من ظاهر لفظه، إذ الإنسان الذي لا يستغل طاقته العقلية للإيمان بتوحيد الله سبحانه فهو إنسانٌ ميت، وهكذا نجد ان الله تعالى قد سَخَرَ لنا كل ما في الوجود، قال تعالى: { أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}، سورة لقمان: 20، من أجل استغلاله الاستغلال الحَسِن، وتطهير ذواتنا وقدراتنا لبناء الحضارة الإنسانية التي يعيش فيها الإنسان مُكّرماً. 

  وفي الختام أقول: الإسلام يُحبذ للإنسان أن يكون في حركة مستمرة في طلب الخير وعمل البِر، وان يكون ذا عزيمة عالية لتطوير ذاته وبناء مستقبله المشرق، وان لا يؤمن بالفشل ولا بالهزيمة، وان يكون تفكيره العقلي تفكير إيجابي متفائلاً بالخير أمام الحياة، وان لا يقول لربه عندي صعاب كبيرة؛ بل يقول لمشاكله وكل صعابه عندي ربٌ كبير قادرٌ على كل شيء، ويتوكل على الله فانه مفتاح الفرج إن شاء الله.


ارسل لصديق