التقوى و دورها في التربية الصالحة
كتبه: إيمان عبد الأمير
حرر في: 2016/01/06
القراءات: 639

للتقوى دلالات عديدة، ومظاهر كثيرة ومتنوعة ايضاً، تتمثل في العبادة، وإحراز ملكة اجتناب المعاصي، متمثلة بالخوف من الله تعالى وأداء الأمانة وصدق الحديث، والقابلية على القيام بأعمال الخير والبر. وللتقوى أبعاد واسعة في نفس الانسان وفي أوساط المجتمع، ويجب على الانسان ان يكون حذراً ومنتبهاً دائماً، لا يغفل عن الله لكي لا يقع في الخطأ، وحتى لا يستحوذ عليه الشيطان، وعليه ان يتبع الدين الحق ولا يكون مع الباطل أينما حلّ، وينصر الضعيف ويقوم بمساعدة المحتاجين.

 

التقوى خير الزاد

وبين هذا وذاك؛ فإنّ مقياس صلاح الانسان وفساده إنّما هو التقوى لا غير. فنيّة المرء وهمته وعزمه هو الذي يحدد سلوكه ويعين مصيره، وقد قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:

﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، سورة المائدة: 27، فالتقوى هي ميزان قبول الأعمال. ولما كان الله تبارك وتعالى، قد قال:

 ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى، سورة البقرة: 197، فلنا أن نتساءل عن مصدر هذا التزوّد، ولمن يكون، وكيف يكون؟ فالواقف مع الحجيج في جبل عرفات، حيث المناسبة العظيمة للتقرّب الى الله تعالى وطلب الغفران، ومضاعفة الحسنات، هل يتزوّد لنفسه بالتقوى فحسب؟ أم أنّه مكلّف بحمل هذا الزاد المقدس للآخرين ايضاً؟ ومن هم يا ترى هؤلاء الآخرون؟

من الطبيعي والجدير بذكر أنّه، مكلّف بالتزوّد لنفسه قبل كل شيء، ومن الطبيعي ايضاً ان يكون مكلّفاً بالتزوّد للآخرين، لأن الانسان ليس شأنه الاعتزال عن مجتمعه الصغير -الأسرة- والمجتمع الكبير، لاسيما وأنّ الدين الاسلامي قد أمر المسلم بنبذ الأنانية وحبّ الذات، والقرآن المجيد يقول:

{وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ}، سورة البقرة: 180، فقد أصبح على المرء طلب التقوى والخير للأقربين، وفي مقدمتهم الأولاد؛ واجباً محتوماً.

وجاء في حديث لأمير المؤمنين، عليه السلام: }اعلموا -عباد الله- أن التقوى دار حصن عزيز، والفجور دار حصن ذليل، لا يمنع أهلهُ، ولا يحرز من لجأ إليه، ألا وبالتقوى تقطعُ حمةُ الخطايا، وباليقين تدرك الغاية القصوى عباد الله، الله الله في أعزّ الانفُس عليكم{(1).

واليوم نرى الكثير من الناس يدّعون التقوى وينسبونه لأنفسهم، بيد انهم يعجزون عن التطبيق الدقيق، إلا الامور الشكلية منه، لذا يجب علينا ان نقوم بدورنا ونطبق قوانين وسنن الله تعالى ونرى ما يجري في الكون، ونرى هذا الخلق العظيم ونتصفح التأريخ ولنرى الذين سبقونا، ما هي نتائجهم؟ وماذا قدموه للأمة والعالم الاسلامي أجمع، ولو كانوا مطبقين لكلام الله وسنة الرسول وأهل البيت، عليهم السلام، ولو عملوا في وصايا الرسول لكانوا من المتزودين بالتقوى وهو خير الزاد.

 

المصداقية أمام الابناء

إنّ الأب والأم مدعوّان الى التزوّد بالتقوى في موسم الحج مثلاً، لا إلى أنفسهما فحسب، وإنّما ينبغي لهما التزوّد لمن خلّفاه في بلادهما وهم الأولاد، بل وأكثر من ذلك؛ فليتزود الوالدان بالتقوى والفضيلة للأولاد في الأصلاب والأرحام، لتتواصل سلالة العائلة المسلمة المؤمنة، جيلاً بعد جيل في أجواء الدين، وللحيلولة دون وقوع كارثة التغرّب بعد الهجرة كما يحدث لبعض المسلمين ممن يهاجر الى بلاد الغرب، لغرض الدراسة او العمل وغيرها، حيث يبلغ الأمر احياناً الى تسمية أولادهم بأسماء اجنبية، بعيدة عن تأريخ وواقع عائلاتهم، فضلاً عن حدوث الردّة الفعلية في معتقداتهم وممارساتهم اليومية التي يخجل المرء من التطرق الى الخوض فيها، يجب علينا ان نتبع الصالحين الذين سبقونا بالإيمان، وحيث قال الإمام الحسن العسكري، عليه السلام: }اتّقوا الله، وكونوا زيناً ولا تكونوا شيناً، جرّوا إلينا كلّ مودّة، وادفعوا عنّا كلّ قبيح{(2).

إنّ طالب التقوى والايمان حريٌّ به ألاّ يطلبهما لنفسه فقط، بل ليجعل كل همّه ان يتفضل الله تبارك وتعالى عليه، فيربي أولاده واخوانه والآخرين عموماً وفق أصول التقوى والايمان. وهذا يعني انّ طالب التقوى والايمان يجب ان يكون ذا أفقٍ واسع يتفاعل مع مستوى وعيه المطلوب بالأحداث من حوله، فيكون عزمه وإصراره على درجة عالية يتمكّن من خلالها إثبات وجوده كمؤمن، فيحقق لمعتقداته الانتصار والنجاح على كل ما تتعرض له من مؤامرات ثقافية وعلمية شيطانية صادرة عن دول الغرب المستعمرة؛ المؤامرات التي لم تُحك إلاّ لسرقة العقل المسلم لجيلنا الحاضر والآتي، كأسلوب شيطاني لضمان المصالح الاستراتيجية الغربية في اوطاننا المسلمة.

 

في ظل الغزو الفكري والثقافي

 في ظل عملية الغزو الثقافي التي تقودها القنوات الفضائية، ومواقع التواصل الاجتماعي وبرامج الانترنت، حيث الميوعة والفساد، الى جانب العديد من الوسائل الاعلامية وقضايا نشرها، فان الجهود مركزة لتحقيق الهدف الأول؛ وهو تحويل اهتمامات الانسان من الدين والعقل، الى المادية والانانية، فينسلخ المرء عن حقيقة وجوده في الحياة.

في ظل هذه الهجمة الثقافية، نجد ان كثيراً من بلداننا المسلمة قد أصبحت حواضن لانطلاق هذه الهجمات، فنجد هنالك بلداً تحول الى مركز إعلامي لمئات القنوات الفضائية التافهة والمدمرة للعقل والارادة، فيما نجد بلداً آخر يكون حواضن للإرهاب الثقافي، وبلدان اخرى تحولت الى محطات لتجارة المخدرات وتعاطيها؛ وإزاء ذلك كله، لابد من العمل على توفير عوامل مضادة لإفشال هذه المؤامرة. ومن المؤكد ان يكون عامل تقوية قاعدة الأسرة وصيانة أجوائها في مقدمة تلكم العوامل.

 

دور الأبوين والاسرة

على المرأة الأم، التفكير الجدي في مصير أبنائها وأحفادها، ذلك لأن المؤامرة الشيطانية المشار اليها اخذت على عاتقها سرقة الشخصية المسلمة التي ستولد بعد عقود من الزمن.

إنّ اهتمام الأم بالطفل منذ نعومة أظفاره يعني ضرورة وعيها، بأنّ إعداد طعام لذيذ للزوج او السهر على حمّى بسيطة قد تصيب الطفل، أقلّ أهمية بدرجات من الضرورة سلامة الطفل العقلية والثقافية والدينية بشكل عام، إذ بالدين وحده يمكن الحصول على خير الدنيا والآخرة وبالصورة المطلوبة. ولكن أن تذهب الأم الى المطبخ وتُشاغل أطفالها بجهاز الفيديو وأفلام الصور المتحركة والأغاني والموسيقى، غافلة أو متغافلة عن مدى التأثير السلبي لهذه البرامج على شخصية الطفل وتكوينه، فإنّ ذلك يعدّ خطأ جسيماً، بل الأجدر القول بأنّ ذلك يعد خيانة عظمى ترتكبها الأم بحقّ أطفالها، وهي تتحمل كل المسؤولية أمام القضاء الإلهي في يوم القيامة. فلتجعل الأم بدلاً عن الموسيقى وبرامج اللهو التلفزيونية، جهاز التسجيل ليبث صوت القرآن الكريم بصورة التأهيل والتعليم لأولادها، حتى تتعود آذانهم على سماع كلام الله.

وبكلمة أخرى؛ أؤكد أنّ وظيفة الأمّ الاساسية تجاه أولادها الصغار، خلق أجواء ايمانية طيّبـة تحملهم على الأنس والرغبة في الركون الى الدين والإيمان.

ومن الممكن ايضاً الاستفادة من فرص التزاور العائلي خلال أيام الجمع والعطل، وجعلها مدرسة كبيرة للعائلة، حيث يجمع الأطفال وتلقى عليهم الدروس وقصص التأريخ الاسلامي.

وليعلم الآباء والأمهات أنّ اطفالهم حتى سنّ السابعة من العمر، يكونون أحراراً اكثر من غيرهم، فليستغلوا هذه الفرصة التي لا تعوض بإدخالهم في مؤسسات تهتم بتحفيظ القرآن الكريم وروايات أهل البيت، عليهم السلام، ولن يضيع ما يصرفه الوالدان من مال في هذا المجال سدىً أبداً، إذ إنهم بخطوتهم المباركة هذه يضعون حجر الأساس الراسخ في بناء شخصية أطفالهم ويكونون اساساً قوياً جداً ولا يهزهم أي شيء ويصبحون ذوى عقيدة إيمانية راسخة جيدة، وهذا هو أملنا في كل وقت في امهاتنا وأخواتنا وابائنا واخواننا الاعزاء يجب عليهم ان يكونوا على قدر المسؤولية الايمانية والاخلاقية تجاه افراد العائلة جميعاً حتى يصبحوا من الصغر متطبعين على كل الاعمال الحسنة، ويقوموا بدورهم ويعملوا على افشاء السلام في المجتمع وهذه هي اخلاق الرسول الاكرم، محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأهل البيت، عليه السلام.

------------

1-نهج البلاغة ص 367.

2-تحف العقول ص 448.


ارسل لصديق