الاختلاف والتعدد وحُسن المعاشرة
كتبه: زهراء محمد علي
حرر في: 2016/01/06
القراءات: 704

من أروع وأبدع ما في الخلقة؛ التنوع والتعدد، في النبات والحيوان والانسان وحتى الطبيعة من جبال وبحار وسهول والظواهر الطبيعية والكونية. لنتصور السماء زرقاء طيلة ايام السنة، والمرتفعات الجبلية بمستوى واحد، ودائماً عندنا أمطار، او دائماً الثلوج -مثلاً- وهكذا بالنسبة للمخلوقات...؟

والحكمة البالغة هنا، في ضمان ديمومة الحياة من خلال التكاملية والاندماج والتزاوج وغيرها من العوامل الحيوية. ليس هذا فقط، فالخالق البديع، لم يوجِد كل هذا التنوع الرائع والتعدد الهائل في الخلقة، لأجل اهداف مادية يلمسها الانسان، كونه المستفيد الاول المفضّل على سائر المخلوقات، إنما ثمة غاية معنوية في الامر! وقد أشار القرآن الكريم الى هذه الغاية الاساس في عديد الآيات الكريمة، وهي تتفرع الى جوانب عديدة في حياة الانسان، منها؛ التعارف:

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}، الحجرات: 13، ومنها؛ الايمان، فقد وردت ألفاظ عديدة عن التعدد في خلق الانسان من جهة الايمان بالله، حيث يشير القرآن الى أن بين بني البشر من هم ﴿وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ، آل عمران: 110، و {وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ}، النحل: 83، و{بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ}، النحل: 101، وأمثالها، كماء جاء في "سورة المطففين" وفي سياق تبيين صفات الأبرار: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ}. بمعنى أن التسابق والتنافس ينطلق من قيم الخير والاخلاق والانسانية للوصول الى مدارج الإيمان والتعقّل والتفكّر.

كثرة التعدد وقمة الاخلاق

المبدأ الثابت المتفق عليه بين العقلاء والحكماء، أن الناس، مع قطع النظر عن معتقداتهم وتوجهاتهم، بحاجة الى بعضهم البعض، وهذا لا يجد مصداقيته على ارض الواقع إلا بعد الاقرار بحقيقتين: الاولى: إن المعتقدات البشرية ليست كلها صحيحة قطعاً، فهناك الباطل والخطأ، كما هناك الصحيح والحق. الثانية: إن المعتقدات الموجودة لدى الناس لا ترتبط بالضرورة بحسن التعامل والمعاشرة، بمعنى أن العقيدة والانتماء لن يضفي الحقانية والصواب على السلوك والتصرفات، فربما يكون هنالك اشخاص بالظاهر متدينون وملتزمون بالأحكام ويؤدون الشعائر والطقوس الدينية، بيد أنهم فاشلون في التعامل الحسن مع الآخرين، أو انهم يمارسون الظلم والتجاوز على حقوق الآخرين بشكل أو بآخر، بالمقابل نجد اشخاصاً ليسوا بالمستوى المطلوب من الالتزام الديني او انهم يحملون بعض المعتقدات والآراء غير السليمة، بيد أنهم يحسنون التعامل مع الآخرين، فإن تسأل: هل هذه الديانة وذاك المعتقد حق أم باطل! شيء، وأن تسأل هل يجوز التعامل مع هذه الفئة او تلك! شيء أخرى، لا علاقة لها بالمسألة الاولى.

صحيح أننا نتخذ موقفاً متشدداً من أصحاب الديانات والمعتقدات الباطلة التي ما أنزل الله بها من سلطان، ونعتقد قلباً ولساناً ببطلانها، لكن السؤال هنا: هل هذا يعني أن لا نتعامل مع صاحب هذا المعتقد وفق الاطار الانساني والاخلاقي؟

ولمن يريد الامثلة على ذلك، ما عليه إلا مراجعة السيرة المطهرة للمعصومين، عليهم السلام، ليجد الكتب مشحونة بحالات عديدة ومثيرة عن كيفية تعامل الأئمة وقبلهم النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، مع المخالفين عقائدياً وسياسياً، يكفينا تعامل النبي الاكرم، مع قاتل عمه حمزة، سيد الشهداء، وناصر المسلمين الاول، وايضاً مع رؤوس الشرك في مكة، ورموز النفاق في المدينة، وبالنسبة لأمير المؤمنين، عليه السلام، يكفينا طريقة تعامله مع الخوارج، الذين كفروه وقاتلوه وفعلوا ما فعلوا بالمسلمين، وما أساؤوا الى الاسلام والى الامة بشكل عام.

ومما قال عنهم: "لا تقاتلوا الخوارج بعدي، فإن من طلب الحق وأخطأه ليس كمن طلب الباطل فأصابه".

والشواهد العظيمة كثيرة عن حسن تعامله مع هؤلاء الخوارج وأولئك الذين كانوا يوجهون اليه الاساءات وسط مدينة الكوفة، وهو يقول: "إنما هو سب بسبّ أو عفو عن ذنب، وأنا أولى بالعفو عنه".

وكذلك فعل سائر الأئمة المعصومين، عليهم السلام، فهم أولَوا التعامل وحسن السيرة مع الناس والمجتمع، بمختلف أطيافهم ومستوياتهم، الصغير والكبير، العالم والجاهل، الرجل والمرأة، أهمية كبيرة، وإلا ما الذي يمنعهم من إظهار شخصيتهم ومكانتهم أمام الناس كونهم أئمة ومن نسل رسول الله وخاتم الانبياء، ومعصومين ومنصوبين من قبل الله تعالى؟ في حين نلاحظ طريقة تعامل الامام الصادق، عليه السلام، مع الزنادقة والملحدين واصحاب المعتقدات المنحرفة، فالمرونة في التعامل مع الناس هو الذي غير قناعات الكثير وحولهم الى الفكر الاسلامي الاصيل والعقيدة الحقّة.

إذن؛ المعيار الوحيد والصحيح في العلاقة المستقيمة بين الناس هي الاخلاق وحسن التعامل، وليس الانتماء والاسماء والمسميات المتبعة، فكما أن ظاهر الانسان المتديّن والخالي من الاخلاق، لا تنفعه ولا تشفع له في أن يكون محور العلاقات الطبيعية بين الناس، فان ظاهر الانسان غير المتديّن والملتزم ببعض الصفات الاخلاقية لا تمنع من التعامل الحسن معه، لأن العبرة بالنتائج - كما يقال- وفيما يتمخض عنه السلوك والتصرفات، فمن غير المعقول و لا الصحيح بمكان، غضّ الطرف عن ظلم وتجاوز بعض المتلبسين بلبوس الدين، لمجرد أنه يدعي الايمان والالتزام بالأحكام الدينية ويؤدي بعض الطقوس والممارسات العبادية او المستحبة.

 

محاربة سوء الظن

بسبب كثرة التوجهات والقناعات في ضوء تعدد وسائل العلم والمعرفة والتقدم المستمر في تقنية نشر المعلومة، بات البعض مسكوناً بسوء الظن والنظر بسلبية الى الآخرين، وأن الجميع على خطأ، او ان الحياة اصبحت فوضى لا تطاق، بسبب كثرة الاجتهادات والاعتقادات. وبلغت السلبية حداً بالبعض أن يتصور عدم جدوائية التعامل الحسن مع الآخرين "لانهم لا يستحقون"! الاجابة البليغة على ذلك، نستقيه من كتاب سماحة آية الله السيد هادي المدرسي؛ "كيف تبدأ نجاحك من الحد الأدنى"؟ عندما يتحدث عن آليات التعامل مع المختلفين عقائدياً، بأننا "نعيش في عالم الدنيا وليس في عالم الآخرة، فهنا التعامل هو على اساس الاخلاقيات".

ويضيف سماحته داعياً الى "أن من واجبات المؤمن العمل على إصلاح الناس وهدايتهم، وهذا لا يتحقق أبداً إلا ببناء العلاقات الاجتماعية السلمية معهم".

وهذا بحد ذاته يجيب على التساؤل او الحالة السلبية التي يعيشها البعض، فالإصلاح والتغيير لن يتحقق بمعجزة، ولا يجب أن ينتظر أحد أن الناس سيبحثون عن العلماء والحكماء ويطرقون أبواب بيوتهم طلباً للمساعدة في هدايتهم الى الصراط المستقيم!

وربما هذا يفسّر أحد معاني كون سوء الظن إثماً، فهو يحول دون تأسيس العلاقات الاجتماعية المستقيمة والطيبة، فهو مثل الفيروس الذي يحطم دفاعات وحصون البدن ويجعل الانسان طريح الفراش لا يقوى على شيء، وهكذا المجتمع والامة التي يكون افرادها مسكونين بسوء الظن والنظرة السلبية الى الناس وتصرفاتهم، فيفقدون القدرة على بناء العلاقات الاجتماعية السليمة، وهذا يبدأ من المجتمع الصغير، وهو الأسرة المكونة من أبوين وأولاد صغار وكبار، مروراً بالأقارب والجيران والاصدقاء. وبدلاً من هذا البناء الحضاري والانساني المعطاء، تكون هنالك علاقات سوء الظن المنتجة للعلاقات المصلحية أو كما يعبر عنها البعض بـ "أكل الخبز بسعر يومه".

من هنا نعرف كيفية بلورة العلاقات الحسنة وايجاد المصاديق الحقيقية لها، كما نعرف أن الاوضاع المتردية على الصعيد الثقافي والاخلاقي في المجتمع ليست بالسوء والتدهور الذي يوحي اليه البعض، مع وجود بوارق أمل في حسن التدبير والتصرف والتعامل مع مختلف مكونات المجتمع، ومع مختلف الحالات الموجودة، وحتى مع أسوئها.

هكذا فعل الامام علي، عليه السلام، خلال مدَّة حكمه القصيرة جداً، وهنالك الكثير، الكثير من التوجيهات في هذا الشأن، لمن يريد في "نهج البلاغة"، منها وصيته الشهيرة ضمن كتابه الى مالك الاشتر لمّا ولاه مصر، بقوله: "الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق". وبذلك قدم للأجيال وللعالم نموذج المجتمع الناجح والمتقدم، وهو ما شهدته فترات قصيرة من تاريخنا الاسلامي، أما اليوم بالإمكان ملاحظة هذه الخاصية الحضارية ليس في بلادنا الاسلامية التي حكمها يوماً ما أمير المؤمنين، وعاش فيها الأئمة المعصومون، عليهم السلام، وإنما في بلاد الغرب المسيحي وحتى في بلاد لا تعتقد بقيم السماء.


ارسل لصديق