حكم الشعب لنفسه و المفارقة الغريبة
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2016/01/06
القراءات: 721

بالرغم من ان الله سبحانه وتعالى خلق الانسان بحكمته، وهو اعلم بما يصلح شأنه وما يحقق سعادته في الدنيا والاخرة، ورغم انه تعالى قد وضع الاسس، وسن الشرائع والقوانين الكفيلة بسعادة الانسان، بل وامر الناس باعتمادها، ورغم ان علم الله تعالى غير محدود، ووهب من علمه الشيء القليل للانسان اذ قال تعالى:{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}، الإسراء: 85. إلا انه ومع كل ذلك فان البشرية في يومنا هذا اختارت ان تسلك وتتبع طرقا، هي وضعتها لنفسها، متصورة انها ستوصلها الى سعادتها، رغم اعترافها بمحدودية عقولها، وبأخطائها العظيمة في مسيرتها الطويلة، في شتى مجالات الحياة وخاصة فيما يتعلق بشكل الحكم وطريقته. ولا يهدف هذا الحديث اجراء مقارنة بين ماهو كائن الان وبين مايفترض ان يكون من شكل الحكم في الامة الاسلامية على وجه الخصوص، وانما قد يكون من المهم جدا وفي الظروف الراهنة ان نسلط الضوء على بعض الجوانب، التي يمكن ان تقلل من الاضرار التي تسبب بها الناس باختيارهم لشكل الحكم القائم في بعض بلدان المسلمين اليوم، وبمحض ارادتهم ، او رضاهم بما رسم لهم من شكل حكم في بلاد اخرى. وفي مقدمتها ما يسمى بالحكم الديمقراطي، والذي يعني حكم الشعب لنفسه.

 

 مفارقة عجيبة:

تسعى كثير من الشعوب التي ترزح تحت حكم الاستعمار، او الدكتاتوريات والانظمة القبلية والاسرية الفاسدة، تسعى الى التحرر من الاضطهاد والعبودية والاستغلال، وتقدم في سبيل ذلك التضحيات العظيمة، باحثة عن مستقبل افضل لأبنائها واجيالها اللاحقة، ومتطلعة الى بناء دولة عصرية متحضرة متقدمة ناهضة، تنفض عنها غبار التخلف والمرض، ووسيلتها الى ذلك حكم نفسها، عبر انتخاب ممثليها في صناديق الاقتراع. غير ان مما تدهش له العقول ان بعض الشعوب عندما تصل الى هذه المرحلة من الاختيار عبر صناديق الاقتراع فانها وللاسف تعيد تكريس نفس الواقع الفاسد الذي ثارت عليها والذي عانت من ويلاته عقودا وربما قرونا طويلة! بل وربما اكثر افسادا وتخلفا ممن سبقه، ولعل بلدا اسلاميا كالعراق مثالا حيا على ذلك، فهو لايزال - ومنذ ثلاث عشر عاما- يترنح بين المركزين الاول والثاني في الفساد متقدما في ذلك على كل الانظمة الدكتاتورية والمستعمرة بل وحتى على انظمة المافيات والعصابات منذ ان وصل العراقيون الى صناديق الاقتراع! حقا انه لشيء اعجب من العجب! ومفارقة ما بعده مفارقة! حيث اصبح فيها الناس هم من يوجدون الظلم لأنفسهم، بما اختاروه من القادة والحكام الفاسدين. فما هي الاسباب التي ادت الى ذلك؟ اولا، ومن ثم، ماهي الحلول المقترحة لذلك؟

 

 الاسباب:

لاشك ان هناك اسبابا كثيرة متداخلة ومعقدة في تداخلها، منها ما هو سبب اصيل ومنها ما هو نتيجة صارت هي الاخرى سبباً لتوليد نتائج اخرى، وهكذا تتشابك الاسباب وكثيرا من النتائج، لتنتج هذا الوضع المزري الذي جعل من اختيار الشعوب لانظمتها تنتج انظمة فاقت الدكتاتوريات فسادا وتسلطا وفشلا؛ ولعل من اهم هذه الاسباب:1- الانانية المقيتة: من المؤلم جدا ان ترى البعض منا يذهب الى صندوق الانتخابات، لينتخب فاسدا مشتهرا بفساده وسرقاته للمال العام، بل الأنكى من ذلك ان يكون بوق دعاية للفاسدين يدعو الناس الى انتخابهم، ولكي ينتخبوهم نراه يلجأ الى تشويه سمعة اناس مؤمنين مخلصين، ليمتنع الناس عن انتخابهم، لينتخبوا ذلك الفاسد، لا لشيء إلا لأن ذلك الفاسد قد وعده بان يؤدي له خدمة، ولقد لاحظنا هذا المرض الخطير المدمر حتى في صفوف من طالب بالاصلاح في تظاهرات عمت بلداناً كثيرة كالعراق مثلا، اذ شاهدنا كيف ان السواد الأعظم من المتظاهرين يطالب بمطالب تهمه هو شخصيا ولايهتم ان كانت تصب في الصالح العام او لا، بل نلاحظ ان الكثير منهم لم يتظاهر، إلا بعد ان تم المساس بمصالحه الشخصية. 2- الجهل: إن جهلنا بخطورة هذا الامر هو ما يشجع على استمراره، بل وتعاظمه، فعدم معرفتنا باننا انما نهدم بلداننا بانتخاب الفاسدين، لأجل خدمة بسيطة تقدم لنا، ونجهل ان هذه الخدمة هي فتات من حقنا، يتصدق به أولئك الفاسدون الذين ننتخبهم. بل نجهل ان هذا لا يصب حتى في مصلحتنا الخاصة ومقتضيات انانيتنا، فخراب البلاد يعني خراب تعليم ابنائنا، وخراب الخدمات الصحية المقدمة لأُسرنا، وخراب الطرق والامن والقائمة تطول. فالوعي يقتضي ان نقدم من يقدم خدماته للشعب بأكمله لانه يعمل لصالح الجميع لا لنفسه او لفئة معينة، ومن ثم سيعم الخير ارجاء البلاد والعباد.3- اليأس والقنوط: ان حالة الياس والقنوط من امكانية تغيير الواقع الذي وصلت اليها الشعوب الاسلامية، صارت تدفعها الى تكريس تصويب رؤية انتخاب الفاسد الذي يقدم لهم ادنى خدمة، فصار الناس يرون ان الجميع فاسدون، ولن يكون هناك اي تحسن في الواقع المعاشي، ولا يمكن للانتخابات ان تكون وسيلة للتغيير، فصارت صناديق الاقتراع في نظرهم احدى الوسائل التي يتحصل منها المواطن على شيء من حقوقه المسلوبة من قبل هؤلاء الفاسدين، ولذا عليه ان يستغلها -أي الانتخابات- بالشكل الامثل، وينتخب الفاسد الذي يدفع له اكثر؛ لانهم جميعا في الفساد سواسية، ولا فرق بن انتخاب هذا وذاك وفق رؤية المواطن التي كرستها حالة الياس.4- لعبة التجويع: لكي يبقى الفاسدون على رأس السلطة فانهم اهتموا كثيرا بتوفير الاجواء المناسبة لبقائهم ولعل في مقدمة تلك الظروف والاجواء؛ العمل على ابقاء غالبية الشعب فقيرا جائعا يعاني المرض والجهل، وبقدر نجاحهم بهذا المسعى، يضمنون استمرارهم على كراسي الحكم، فترى هؤلاء الفاسدين يستغلون حالة الفقر المزري التي تمر بها شعوبهم، بل إنها أهم مقومات بقائهم فتراهم وبالتزامن مع ايام الانتخابات تراهم على ابواب الفقراء يعدونهم بان يهتموا بهم بوعود كاذب بارسال مريض الى العلاج او بوظيفة لاحد افراد الاسرة او قطعة ارض، او ما شابه. ومعلوم ان الغريق يتمسك بقشة للنجاة، وهذا حال الفقراء، فتراهم يلعبون على جراحات الناس بوعود كاذبة للاستمرار بالحكم وسرقة الفقراء.5- لعبة الارهاب وفقدان الامن، وكما التجويع، فإن الأمن هو الآخر أحد أهم الأسباب المساعدة لبقاء الفاسدين في مركز الحكم، بل ومِن أكثر الأسباب المانعة من تغيرهم؛ حيث أن انعدام الأمن والإرهاب يمثل حالة ضاغطة على الشعوب وعلى الحكام ايضاً، كما جميع فئات وشرائح المجتمع، فالجميع يخاف المجهول، وحتى الحكماء يعلمون ان ضريبة التغير والتصدي للاوضاع الفاسدة لها ضريبة كبيرة تؤدي الى حالة من الاختلال الكبيرة والمفاجئ في النظام المختل اصلا، وفي ظرف انعدام الأمن واستفحال الإرهاب، فالكل يخاف تدهور الاوضاع اكثر مما هي عليه، فيتجرع الغصة تلوَ الغصة حتى تحين الظروف المناسبة للتغير، ولقد عرف هؤلاء الفاسدون هذه المعادلة الصعبة على الشعب وقياداته المخلصة والتي نسميها، "مثلث الانحطاط الحضاري المقيت". ولذلك فهم يسعون وبكل ما أتوُا من قوة في استمرار حالة الفقر وانعدام الأمن وانتشار الجهل، وهناك من الحلول منها: اولاً- تحمل المسؤولية في اختيار الأفضل، فالانتخاب ليس ان تنتخب اي مرشح كان، بل ان انتخاب النزيه الكفوء هو مسؤولية شرعية ووطنية واخلاقية، فاذا ما اختار الانسان الفاسدين، فانه سيكون شريكاً لهم في اي ظلم يمارسونه في حق البلاد والعباد. فتراثنا غني بالاحاديث التي نهت عن اعانة السلطان الظالم، فكيف الحال مع من يوصل هذا الظالم الى السلطان! إن من ينتخب فاسدا اليوم مع علمه به، فانه شريك له في فساده، ويتحمل المسؤولية في التردي الذي اصاب المؤسسات الثقافية والفكرية والسياسية والتعليمية والصحية والاجتماعية والاخلاقية والاقتصادية، ويكون مسؤولاً عن كل هذا امام الله والشعب والضمير الحي. و ستطاله دعوات الفقراء والثكالى والأيتام والفقراء والمحرومين والمرضى. نعم ستطاله المحكمة الالهية ولاشك، في الدنيا كما الاخرة. ثانياً- نشر الوعي في المجتمع، ان الجهل هو الاساس في كل التداعيات التي تعاني منها امتنا الاسلامية، وعلى كل الأصعدة لا على مستوى الانتخابات وفساد القادة فحسب، وانما على كل المستويات.

فالوعي يمكّن للإنسان من تفهم؛ ان الانانية ليست في مصلحته وبالوعي يتجاوز حالتي الياس والقنوط فيتفاءل الانسان، وبه يتحرك لتحقيق اهدافه في اقسى الظروف واشدها، وبالوعي يفهم الانسان اساليب الفاسدين في استعباده من نشر الفقر ونشر الفوضى والارهاب فيقاومها.

وهنا ياتي التساول، ان كانت السلطة فاسدة وهي من يريد ان يكرس واقع الجهل في اوساط الشعب، فمن سيتحمل مسؤولية غرس هذا الوعي في المجتمع؟ وفي معرض الاجابة على هذا التساؤل فان الطبقة المثقفة في المجتمع وبخاصة رجال الدين والثقافة والفكر والقيادات الاجتماعية للامة هي من يجب ان ينهض باعباء رفع مستوى الوعي السياسي للشعوب، اذ عليها ان تؤسس لفعاليات ونشاطات التوعية بشكل حثيث ومتواصل وتسابق الزمن في ذلك، لما تفرضه عظم التحديات في بيئة مضطربة وساخنة.

الثالث- العمل على مساندة المخلصين وابرازهم ودعمهم للفوز بالانتخابات وتولي ادارة البلاد، فهناك كثير من الكفاءات المخلصة الناشطة على المستوى المحلي لمناطقهم، ولو عملت الجماهير على ابرازهم، وانتخابهم فان هذا سيؤدي حتما الى ازاحة الفاسدين، ومن ثم تحقيق مستقبل افضل للامة في مواجهة التحديات ومتابعتهم وتصويب عملهم وتقويمهم، فإيصالهم الى موقع القرار لا يكفي، بل يجب اسنادهم اولا و مراقبتهم ثانيا، فقد كان الامام علي ع يراقب حتى ولاته الذين يعينهم اذ جعل عليهم من يراقبهم، علما ان هؤلاء الولاة كانوا على قدر كبير من الورع والتقوى! فكيف الحال بمن هم ليسوا بهذا المستوى! رابعاً- بناء التكتلات والمنظمات الانسانية والفكرية والثقافية والادارية الساندة للحكومة المركزية وللحكومات المحلية، فمن المهم جدا ان يقوم ابناء الامة ووفق تخصصاتهم بتشكيل مراكز تطرح افكارها لرفع الوعي الجماهيري اولا، ووضع الخطط وطرح الافكار على اصحاب القرار لتصويب العملية السياسية والادارية على حد سواء ثانيا. ان من شان هذه المراكز ان تنقل البلد نقلة نوعية، وطفرة حضارية، حيث تعتصر افكار جميع المختصين من ابنائها في قنوات تصل بها الى من يستفيد منها حكاما ومحكومين على حد سواء، اضافة الى تشكيل مركز متابعة من قبل منتخبي المرشح يتابع تحقيق وعوده الانتخابية التي وعد الناس بتحقيقها، ويوجه النصح له، ويذكره بما عاهد الناس عليه. خامساً- مطالبة المرشحين ببرامجهم الانتخابية مكتوبة ومنشورة للمداولة وعقد ورش نقاش لها قبل الانتخابات بفترة مناسبة ومناقشتهم من قبل أبناء الامة المختصين بها والنظر في امكانية تحقيقهم لها، وهل المرشح مستوعب لها حقا ام لا.

 

 إتقان قواعد "اللعبة"

وهكذا فإننا وبعد ان تركنا دستور السماء خلفنا، واخترنا ان نحكم انفسنا بانفسنا؛ فحري بنا ان نجيد قواعد هذه "اللعبة الوضعية" ونتحمل مسؤولياتنا تجاهها، لان مصير ابنائنا، واجيالنا القادمة تعتمد علينا اليوم، ولنعلم ان تحمل المسؤولية وتقديم التضحيات لها في الوقت المناسب، فاذا ما تخلفنا عن ذلك، فربما لن نستطيع تحقيق الهدف المنشود ولو بذلنا اضعاف التضحيات التي كان يفترض بنا تقديمها في اوانها. إذن؛ لنشمّر عن سواعدنا ونتجاوز حالة اليأس، ولنصارع فقرنا ومرضنا، ولنتكاتف في تغيير الواقع الفاسد في بلداننا، ولنتحمل مسؤولياتنا كاملة غير منقوصة وكل من موقعه؛ فلا دولة ولا كرامة ولا عزة ولا خدمات بلا تحمل المسؤولية، وانه لأمر غريب ان نتحمل المهانة والفقر والجوع والمرض ونتحمل ان نرى اموالنا تسرق وتنهب ونورث اجيالنا كل ذلك ونحملهم اياه، ولكن لا نتحمل مسؤولياتنا في التغيير، حقا انه لأمر عجيب! قال تعالى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ}، سورة الصافات: 24، وقال عز من قائل: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}، سورة الرعد: 11.


ارسل لصديق