مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) ودورها الإنساني والرسالي
كتبه: ماجد الصفار
حرر في: 2016/01/11
القراءات: 2026

 بعد أن انحدر الزمان بالأمة الإسلامية وابتعدت عن عصر الوحي، وبعد ان امتدت بها الأيام والسنون وفقدت الأمة الجيل الذي عاصر الرسول، صلى الله عليه وآله، الذي أُرسل إليها ليخرجها من ظلمة الجهل إلى نور العلم ومن عصر التخلف إلى عصر الحضارة والتمدن، فبعد أن فقدت الأمة رسولها والجيل الذي عاصره وسمع منه حديثه، جاءت مدرسة الإمام جعفر الصادق، عليه السلام، التي تميزت عن غيرها من المدارس الإسلامية التي عاصرتها أو سبقتها وتأخرت عنها، فمدرسته، عليه السلام، شمخت بنفسها وسطع نورها حتى شغلت العيون والأفكار عما سواه فكأنك لا تكاد ترى شيئاً سواها إذا ما قيست بهذه المدرسة العملاقة .

 

 عطاءات مدرسة الإمام الصادق عليه السلام

هل من المبالغة لو وصفنا مدرسة الإمام الصادق، عليه السلام، بأنّها جامعة إسلامية عريقة، إذ إنها خلّفت ثروة علمية كبيرةً وخرّجت عدداً من رجال العلم، وأنجبت خيرة العلماء الفطاحل من حملة الفقه وعلماء الطب والفلك والرياضيات والكثير من العلماء وبعلوم مختلفة، وقد نقلت أسماءهم والمتخرّجين من مدرسته عبر التاريخ بأقلام الرواة وفي مصنفات عديدة، فكانوا أربعة آلاف رجل وانتقلوا إلى الأمصار الإسلامية وغيرها لنقل علوم هذه الجامعة العريقة حيث كانوا يجلسون في مقاعد الدرس وكلٌ يقول: حدثني أبو عبد الله كذا وكذا، وقد صنّف الحافظ أبو العباس بن عقدة كتاباً جمع فيه رجال الصادق ورواة حديثه وأنهاهم إلى أربعة آلاف. تتميز هذه المدرسة عن غيرها من المدارس الإسلامية الأخرى، كونها كانت شامخة بنفسها وسطع نورها حتى شغلت العيون والأفكار عما سواه فكأنك لا تكاد ترى شيئاً سواها، إذا ما قيست بهذه المدرسة العملاقة. وكانت وفود رجال الاُمة وطلاب العلم تتسابق إلى الحضور في درسه، عليه السلام والاستماع منه، وكانت أندية العلم في العواصم الإسلامية تلهج بذكره وتتسابق إلى الحضور عنده، والاستماع منه حتى كان ذكره حديث الناس فيما بينهم أينما كانوا، وكانت أندية العلم في العواصم الإسلامية تلهج بذكره، وكانت وفود رجال الاُمة وطلاب العلم يتسابقون للحضور إلى هذه الجامعة العريقة؛ فإذا كانت هناك حقيقة يجب أن تقال فهي! أنّ الحضارة الإسلامية والفكر العربي والعالم بأسره مدينون لهذه المدرسة الفكرية بالتطور والرقيّ والخلود، وما خلفه الإمام، عليه السلام، من قواعد علمية قوية ورصينة، ولعميدها الصادق، عليه السلام، بالمجد العلمي والتراث الثمين، كما أنّها وجّهت الاُمة إلى قواعد الاستنباط ونقد الحديث، وبعثت على النشاط في مجال التأليف وتبويب الأحكام، فكانت ملتقى العلماء، ومجمعاً لطلابه رغم تلك المحاولات التي تبذل في طريق شهرتها والوقوف أمام انتشار ذكرها.

 

 ميزات مدرسة الإمام الصادق، عليه السلام

كان الطابع العام لمدرسة الإمام الصادق، عليه السلام، التي طُبِعت عليه ومنهجها الذي اختصت به، هو استقلالها الروحي، وعدم خضوعها لنظام السلطة، ولم تفسح المجال لولاة الأمر بأن يتدخلوا في شؤونها، أو تكون لهم يد في توجيهها وتطبيق نظامها، لذلك لم يتسن لذوي السلطة استخدامها في مصالحهم الخاصة، أو تتعاون معهم في شؤون الدولة، ومن المستحيل ذلك، فهي لا تزال منذ نشأتها الأولى تحارب الظالمين، ولا تركن إليهم، كما لا ترتبط وإيّاهم بروابط الالفة، ولم يحصل بينها وبينهم انسجام، وبهذا النهج الذي سارت عليه، والطابع الذي اختصت به أصبحت عرضة للخطر، لدى بعض نقاط القوة التي ميزت هذه المدرسة عن غيرها من المدارس الإسلامية، وأضفت عليها هالة من العظمة والرصانة والإتقان: من قوة شخصية المؤسس لهذه المدرسة، وكان أفضل أهل زمانه نسباً وعلماً وفضلاً وخُلقاً وعبادة وحكمة وزهداً في الدنيا، مما حدا بالقريب والبعيد، والعدو والصديق، ان يطري على هذه الشخصية ويذكرها بكل جميل سعة علمه ومتانة دليله وشدة ورعه وتقواه وزهده، وكان ذلك واحداً من أقوى امتيازات هذه المدرسة أن المؤسس لها، هو هذه الشخصية المباركة، والجانب الآخر لتمييز هذه المدرسة على غيرها من المدارس الإسلامية، أن هذه المدرسة تتصف بالشمولية، فهي لا تقتصر على دراسة الفقه والحديث كما هو المتعارف في سائر المدارس بل كان فيها الفقه والحديث والتفسير وعلوم القرآن وعلم الكلام وفنون العربية بل تجاوزت ذلك لتشمل العلوم الإنسانية أمثال علم الكيمياء والطب والفلك وعلم الهيئة والطبيعة وغيرها. فكانت مدرسة تشتمل على أصناف كثيرة من العلوم الإسلامية والإنسانية ومن النقاط التي تمثل مواقع قوة في هذه المدرسة كذلك، امتيازها عما سواها من المدارس هي الدقة والعمق العلمي.

 

 تلامذة الإمام الصادق ورواة حديثه

أما تلامذته فقد أجمع العلماء على أنّهم كانوا أربعة آلاف، وهم من مختلف الأقطار الإسلامية على اختلاف آرائهم ومعتقداتهم، وقيل: إن الثقات منهم كانوا بهذا العدد، إنّ منهم من أصبحوا رؤساء طوائف، وأئمة مذاهب: كأبي حنيفة النعمان بن ثابت، صاحب المذهب المنسوب إليه، وقد اشتهر قوله: "ما رأيت أعلم من جعفر بن محمد الصادق"، وقوله: "لولا السنتان لهلك النعمان"، وقد لازمه مدة سنتين متواصلتين بالمدينة، فجعل هاتين السنتين نجاة له من الهلكة. ومنهم كذلك مالك بن أنس رئيس المذهب المنسوب إليه، وكانت له صلة تامّة بالإمام، عليه السلام، وروى الحديث عنه واشتهر قوله: "ما رأت عين أفضل من جعفر بن محمد، عليه السلام". وغير هؤلاء من حملة الحديث، من أهل الجمهور ومنهم من الشيعة الموالين من أمثال، زرارة بن مسلم، وبريد العجلي، وأبو بصير، وأبان بن تغلب، وهشام بن الحكم الكوفي، ومحمد المعروف بمؤمن الطاق، وهم من أشهر طلابه من حملة فقهه، الذين فازوا بكلام بحقهم من الإمام الصادق، عليه السلام، منه ما قال في حق هشام بن الحكم الكوفي: "أهلاً بناصرنا بيده ولسانه وقلبه" وغيرهم ممن أخلصوا للإمام، عليه السلام، الذين كانوا يرافقونه في كل مكان وخزان أسراره، ومن حملة العلوم الأخرى أمثال جابر بن حيان والحسن بن الهيثم وغيرهما ممن تخرج على يده، عليه السلام، فمنهم من وافاه الاجل في حياة الإمام ومنهم من عاصر اثنين من الأئمة أو ثلاثة، ولا يتسع المجال لذكرهم الآن.

 

 العمق والشمولية وعدم التسطيح

انها لم تكن مدرسة سطحية، بل مدرسة تعتمد الدليل والنقد العلمي، وتحليل الآراء وإرجاع الأقوال إلى أصولها ليتبين صحتها من سقمها، وهناك كلمة جميلة للأديب جوزيف الهاشم يقول فيها: "لم يكن الإمام الصادق، عليه السلام، صامتاً محايداً فأعرض عن الحرب كما اتهموه وعن إنقاذ أساس العقيدة والتشريع، لقد شنـــــها حرباً بلا هوادة على الهراطقة والطغاة والملحدين وامتشق السلاح الأمضى في معمعة الانحراف الديني والخلقي، فأنشأ جيشه المظفر، جيش الأربعة آلاف طالـــــب يعده حارساً أميناً للكيان الإسلامي، وجيلاً سياسياً صالحاً مهيأ لتسلم مقاليد الدولـــــة وصيانة حق الشعب في مواجهة الغوغائيين والانتهازيين". إذاً فمدرسة الإمام جعفر الصادق، عليه السلام، كانت تمثل جيشاً فكرياً يقارع التيارات الفكرية المنحرفة عن خط السماء من داخل المساحة الإسلامية وخارجها، علماً أنّ السلطة الحاكمة آنذاك قد اتخذت جميع التدابير لمحاربة تلك المدرسة، لأنّ شهرة الإمام الصادق، عليه السلام، في العالم الإسلامي كانت تقضّ مضاجعهم، وتبعث في قلوبهم الوجل من نشاطه العلميّ إلى جانب ما لأهل بيته من النشاط السياسي، وكانوا يضعون الخطط التي يأملون فيه الوصول إلى غلق أبواب تلك المدرسة والقضاء على الإمام، عليه السلام، بكلّ وسيلة، على اعتبار أنّ الأنظار أصبحت متجهة إليه، فكان تلامذة هذه المدرسة حماة الدين وحفظة الرسالة حتى أوصلوها سليمة من التحريف، نقية من الشوائب إلى الأجيال التي تلتهم ونحن نرى اليوم الحوزات العلمية الشريفة في كل بقاع الدنيا وبمختلف مواقعها وظروفها هي امتداد عقائدي وفكري للمنهج الذي وضع أسسه وحدد خطوطه أئمة أهل البيت، عليهم السلام.

عطاء متواصل مع الزمن

هناك جملةً من النتائج المهمة لهذه المدرسة العظيمة منها:

1- تحديد معالم المدرسة الفقهية للإسلام الحقيقي.

 2- شمولية العلم من هذه المدرسة للعالم كله دون تمييز.

 3- تعليمنا الرد على الافكار الدخيلة والوافدة ونشر الفكر الاسلامي الاصيل.

4- حرية التعليم والبحث العلمي ، وعدم اقتصار جامعته على فئة او جماعة معينة.

من نتائج هذه المدرسة؛ تعريف الأمة جمعاء بما تحتويه هذه المدرسة الخالدة من أفكار ومبادئ وأسس علمية وثقافية في مختلف الميادين المعرفية الإسلامية. وكذلك التعريف برجالات هذه المدرسة وأبطالها ممن تتلمذ على يد الإمام، عليه السلام، أمثال، زرارة بن مسلم، وبريد العجلي، وأبي بصير، وأبان بن تغلب، وهشام بن الحكم الكوفي، ومحمد المعروف بمؤمن الطاق، وغيرهم من الذين أذعنت الساحة العلمية لهم وأشادت بفضلهم. وأيضاً، بيان المناظرات والمحاججات التي جرت بين الإمام، عليه السلام، أو أحد تلامذته وبين علماء المذاهب وعلماء الملل والأديان والملحدين والزنادقة آنذاك وحكايتها للأمة.

أن مدرسة الإمام الصادق، عليه السلام، كانت مصدراً للعالم وينبوعاً يجود على جميع الناس دون تمييز بمناهل العلم المختلفة من مصادره الاصلية وهي بيت الوحي والرسالة.

إن المنطلقات التي تصدر من لسانه، عليه السلام، وفعله لا تأتي إلا كون أن حركته كانت في إطار السلسلة الذهبية للإمامة، وامتدادها للنبوة، فكان يقول، عليه السلام: "إن حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله وحديث رسول الله، هو قول الله".

فقد كان يعرف أن الشيعة تحتاج إلى مدرسة علمية قوية تكفل لها الصمود أمام التيارات المنحرفة، وتجعلها بمنأى عن التأثر بوفاة هذا أو مجيء ذاك، وكان من رأيه، عليه السلام، أنه ما لم تتوافر للشيعة قوة سياسية وسلطة مقيمة كافية، فلن تستطيع أن تحقق لنفسها موقعاً سياسياً ممتازاً، وارتأى أن أفضل طريق تسلكه هو نشر الثقافة وعلوم أهل البيت النبوي، عليهم السلام. أما الجانب الثقافي الذي أبدعه في رسم قاعدة قوية للشيعة آن ذاك بحيث أصبحت بحق أكاديمية للبحث العلمي الحر، ولا سيما في الأمور الفكرية، كما ولا بد من التأكيد هنا بأن حرية البحث والفكر في مدرسة الإمام الصادق، عليه السلام، لم تتوافر في أي مدرسة دينية سواها .


ارسل لصديق