ماذا لو تكررت تجربة الشيخ النمر؟!
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2015/11/18
القراءات: 449

ماذا فعل سماحة آية الله الشيخ نمر النمر، حتى يكسب كل هذا التضامن مع قضيته في شتى أنحاء العالم، فضلاً عن بلادنا الاسلامية؟ انه طالب بالتغيير، ولكن أيّ تغيير...؟ هل هو إصلاحات سياسية، أو دستورية، او الاطاحة بالنظام السعودي فقط؟ انه كان ينشد التغيير الحقيقي الذي يأتي على أسس الفساد والانحراف في المجتمع والدولة، ففي غياب الكرامة والحرية والعدل والقيم، لا فائدة من أي تغيير أو إصلاح مهما اتفقت عليه الاطراف المعنية و أوتي من القوة وفرص النجاح. 

إن كلمات الشهيد النمر في طريق هذا النوع من التغيير، هي التي فضحت نظام آل سعود أمام العالم، كما تفضح سائر الانظمة المشابهة في عالمنا الاسلامي، لأن الحاكم الذي يصنع لنفسه الشرعية والولاء بالمال والتضليل والخديعة، فانه بحاجة الى سلاح يقوّض بنيانه من الداخل، وهو غير السلاح الذي يعرفه ويدمن استخدامه للقمع وتصفية الخصوم، إنما بسلاح من نوع آخر؛ وهو «سلاح الكلمة» التي قال عنها الشهيد السعيد بأنها «أقوى من أزيز الرصاص»، لذا وجدنا كلمات الشهيد النمر عن الكرامة والحرية والقيم الانسانية، تلقى تأييداً من السياسيين في العالم ومن وسائل الاعلام ومن المنظمات الدولية والشخصيات العالمية. ولأن هذا هو سلاحه الوحيد، فقد قرأت بعض الاطراف الدولية ابعاده ونتائجه المستقبلية، وان من شأنه أن يستحيل قنبلة موقوتة تحت عرش آل سعود في حال تنفيذهم حكم الإعدام، أو «انها تسبب في زعزعة الاستقرار في البلاد والمنطقة...»، أو ما شابه ذلك، فهل وعينا نحن ايضاً...؟!

إن الشهيد النمر يمثل امتداداً لتجارب «سلاح الكلمة» التي أطاحت بحكام طغاة لم يكن أحد ليتصور أنهم يتحولون يوماً الى جرذان هاربة، مثل شاه ايران وصدام العراق، فالتغيير الذي حصل في ايران، لم يكن لينجح ويصل الى هذه المرحلة التي نراها، لولا بطولات وتضحيات علماء دين ومفكرين ومصلحين، بدءاً بالسيد حسن المدرس وخطاباته اللاهبة في أول برلمان ايراني مطلع القرن الماضي، ثم الشيخ فضل الله النوري الذي أعدم ظلماً في الفترة ذاتها التي عرفت بـ «ثورة الدستور»، بتهمة العداء لـ «الديمقراطية»! ثم ظهر الشيخ نواب صفوي، ومن بعده الشيخ مرتضى مطهري وآخرين، كلهم قتلوا صبراً أو غيلة دون كلمة الحق، فتحولوا الى فنارات مضيئة للأجيال وما يزالون. وفي العراق شهدنا كيف برز أمثال المرجع الديني السيد محمد باقر الصدر ومن بعده آية الله السيد حسن الشيرازي، ثم ظهر آية الله السيد محمد صادق الصدر، ليحملوا هذا السلاح «الكلمة» بوجه السلطان الجائر، فجاءت النتيجة بعد حين، وكما قيل: «بقدر أهل العزم تأتي العزائم». فكلما كان حملة هذا السلاح أكثر في الساحة، وكثر الصادحون بالكلمة الصاعقة، كلما كانت النتائج أسرع وأكبر، والتأثير اكثر عمقاً في النفوس والواقع. 

كان فيما مضى، على الشعوب ان تبقى عقوداً من الزمن تتجرع الحرمان والقمع والتنكيل ومختلف اشكال الإذلال، حتى يقيّض الله – تعالى- الاسباب لتغيير الواقع الفاسد. فهل يجب أن نعود الى الوراء في تجارب تلك الحقب الماضية؟ أم نستفيد من الفرص المتاحة والتطورات التي شهدها العالم في الفكر والثقافة والسياسة والاقتصاد؟

إن تكرار تجربة الشهيد النمر، يفيدنا في أمرين مهمين، ربما من جملة أمور:

الامر الأول: على صعيد القاعدة الجماهيرية. فان الشجاعة بسلاح الكلمة، من شأنه توفير القدر الأكبر من الدماء والمعاناة المرّة التي تعيشها الشعوب، وهذا بدوره يخلق الديناميكية في حركة التغيير، ويحقق التكاملية بين المجتمع وقيادته، وبين الجماهير والطليعة المؤمنة والمتصدية. ومعروف أن الناس بحاجة الى من يتكلم ويُفتي ويطرح الافكار الأصيلة لتسير خلفه.

الامر الثاني: وهو على صعيد الساحة  السياسية. فاذا كان هذا السلاح يستهدف رأس الحاكم والبنية الديكتاتورية له، فان من المستحيل أن يقدر أحد على مواجهة هذا السلاح والتغلب عليه او انتزاعه. هذه الحقيقة أكدها الشهيد النمر، قبل استشهاده بسنوات، واليوم نرى كيف أن العالم بأسره يقرّ  بهذه الحقيقة، ويعطي الحق للشيخ النمر، و يدين النظام السعودي.

وأخيراً؛ فان هذه التجربة الحضارية العظيمة، من شأنها اليوم ان تشق طريقاً جديداً في عالم الفكر والثقافة وتقلب الموازين أمام منطق القوة والعنف والارهاب. إنها رسالة من الشهيد النمر؛ رسالة الكرامة الانسانية، ﴿لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد.


ارسل لصديق