الشيخ محمد حسن الحبيب يتحدث الى (الهدى) عن:
الروح النهضوية في شرق السعودية، وجذور الحركة الرسالية في الخليج، وخشية الحكّام والتكفيريين من الحقوق المشروعة
كتبه: محمد علي جواد تقي
حرر في: 2012/09/23
القراءات: 1445

:: لو تحدثونا قليلاً عن المنطقة الشرقية والأجواء الثقافية فيها، والمشاريع المنجزة خلال الفترة الماضية؟


- في البدء ينبغي أن نعرف أن المنطقة الشرقية وهي أكبر منطقة في البلاد تتألف تاريخيا من واحتي القطيف والأحساء المعروفتين بـ (الخط) و (هجر)، ويضاف إليهما جزيرة (أوال) المعروفة اليوم بالبحرين، وهذا الاسم كان يطلق تاريخيا على المناطق الثلاث: أعني الخط، و هجر، و أوال، ولذا ترى التشابه الكبير بينهم في الثقافة والإنتماء والعادات والتقاليد، بل لا يمكن لباحث في تاريخ المنطقة الشرقية أن يتجاوز أوال (البحرين) نتيجة للتداخل الكبير بينهم، ويشتد التداخل بين الخط و أوال، (القطيف والبحرين).
وقد ارتبطت هذه المناطق بالإسلام مع بداية الهجرة النبوية الشريفة، وأعلنت اسلامها عن قناعة تامة، ومن دون قتال، ويشير بعض المؤرخين، أن المنذر بن عائذ العبدي المعروف بـ (الأشجّ)، بعث ابن أخته الى مكة قبل الهجرة وقيل في عامها، وهناك التقى مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فعاد مسلماً، وأبلغ الأشج فأسلم أيضا وكتما اسلامهما.
وفي السنة السادسة، بعث الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله، الصحابي الجليل العلاء بن الحضرمي الى المنذر بن ساوى العبدي الحاكم على البحرين، فدفع إليه كتاب النبي صلى الله عليه وآله فأعلن اسلامه ثم عرض الإسلام على أهل البحرين فمنهم من أسلم ومنهم من فضل دفع الجزية.
وفي السنة السابعة للهجرة، ذهب وفد من أهل البحرين يتقدمهم الأشجّ، وقبل أن يصلوا قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (ليأتينّ ركب من المشرق لم يُكرهوا على الإسلام). وحين وصلوا قال صلى الله عليه وآله: (مرحباً بالقوم لا خزايا ولا ندامى) ثم دعا لهم: (اللهم اغفر لعبد القيس). وأوصى أصحابه بهم: (يا معشر الأنصار أكرموا إخوانكم فإنهم أشبه الناس بكم في الإسلام، أسلموا طائعين غير مكرهين ولا موتورين).
هذه المقدمة أردنا منها التعرف على أمرين أساسيين لأبناء هذه المنطقة: 
الأول: الأصالة، من خلال ارتباطهم بالإسلام عن وعي وقناعة، و التزامهم بمنهج أهل البيت عليهم السلام، إيمانا منهم بأن أهل البيت هم من يمثل الامتداد الحقيقي لرسالة الرسول صلى الله عليه وآله.
الثاني: الانفتاح على مختلف الأطياف والثقافات نتيجة للموقع الجغرافي المتميز والخيرات التي تزخر بها المنطقة. وهذا الأمر قد يؤثر سلبا في ثقافة أبناء المجتمع، إلا أنهم جعلوا منه عامل قوة من خلال الاتكاء على أرضية الأصالة في عملية الانفتاح.
من هنا يمكن لنا أن نفهم الأجواء الثقافية السائدة اليوم في المنطقة، فبالرغم من التحديات الكبرى التي تعرض لها أبناء المنطقة وخصوصا المرتبطة بهويتهم وانتمائهم، إلا أنهم تمكنوا من الحفاظ على ثقافتهم وقيمهم بل وعاداتهم وتقاليدهم أيضا.
ونظرا للالتصاق الشديد بين أبناء المنطقة والدين الإسلامي، فقد كان الهاجس الأكبر هو الحفاظ على المراكز الدينية؛ (الحوزة، المسجد، الحسينية)، باعتبارها المنطلق لأي نشاط ديني أو ثقافي أو اجتماعي، وهذا ما تم فعلا فالحوزات التي تم إغلاقها لعشرات السنوات عادت كأمر واقع تزاول نشاطها في بناء العلماء والتصدي لدفع الشبهات والعمل على بناء القدرات والمواهب لغير المتخصصين من الجنسين، وهكذا بالنسبة للمساجد والحسينيات.
هذه المراكز تمكنت من بناء مؤسسات تطوعية تحمل على عاتقها البعد التنموي لأبناء المنطقة، ومعالجة السلبيات الناتجة عن العولمة والمدنية الحديثة، وتعزيز الإيجابيات الوافدة، شكلاً ومضمونا، ما لم تتعارض وقواعد الشرع الحنيف.
 ويمكن لنا القول بصراحة: بالرغم من التضييق الشديد وانعدام القانون الواضح، فان أبناء المنطقة تمكنوا من السير قدما نحو (مأسسة المجتمع)، أو ما يطلق عليه بمؤسسات المجتمع المدني، لذا تجد بالإضافة إلى الحوزات العلمية، هنالك المراكز المتخصصة في علوم القرآن، والمنتديات واللجان والمراكز الثقافية والأدبية، والمراكز الأسرية، والهيئات الحسينية، ولجان التمثيل والتصوير والرسم، ومراكز التدريب، ويضاف إلى ذلك ونتيجة للحصار الإعلامي على أبناء المنطقة، فقد توجهوا إلى عالم (النت) حيث المئات من المواقع المتنوعة على الشبكة العنكبوتية، والإسهام في العديد من الفضائيات، وغيرها من الأنشطة.
كل ذلك خرج من رحم التحدي والمعاناة والجهد المتواصل الممزوج بالألم والتضحيات. 


:: كيف ترون دور الارضية الثقافية في عملية التغيير والإصلاح؟


- كثير من الناس يخشون التغيير، ويخافون من الإصلاح، لأن من يطالِب بالإصلاح يتعرض إلى التنكيل والتعذيب والسجن وربما التصفية الجسدية أيضا، ومن يطالَب بالإصلاح يخشى من تحديد نفوذه وتقليص صلاحياته وإخضاعه إلى المحاسبة والمساءلة، ولذا يلجأ إلى القمع والإرهاب والبطش.
وهذه حقيقة مرة، ولكنها ليست حتماً مقضيا على الشعوب، والقمع ليس هو الحل للحكام، بل يمكن لكلا الطرفين التوافق على عقد جديد، شريطة أن لا تصطدم بنوده مع ثوابت المجتمع وهي في مجتمعاتنا، قواعد وقيم الشرع الحنيف.
وهنا يأتي دور الثقافة النهضوية التي تؤمن للإنسان المعرفة بحقوقه وواجباته الخاصة والعامة وتدفعه لممارسة ذلك على أرض الواقع وتبعث في نفسه الثقة بالذات والدين.
فمن لا يعرف أنه والطبقة الحاكمة متساوون في الحقوق والواجبات، كيف له أن يطالب بالعدل والمساواة؟ ومن يعتقد جهلا أن قدره أن يكون عبداً، والحاكم سيداَ كيف له أن يطالب بالحرية؟ 
ومن لا يعرف، لكنه لا يمارس ذلك على أرض الواقع، فهذا يعني أنه مكبل بالإصر وملتزم بالأغلال، فيحتاج إلى الثقافة الرسالية الأصيلة التي تعالج ذلك من خلال زرع الثقة في النفس والدين حتى يتمكن من كسر القيود والتعاطي مع الواقع، مما يؤمن به، وليس من خلال الموجود الخاطئ، وحينها ينطلق نحو التغيير والإصلاح.


:: مع وجود قدر كبير من التفاعل بين الجماهير وبين علماء الدين، في المنطقة الشرقية، من خلال البرامج والفعاليات المختلفة عندكم، كيف تقيمون العلاقة بين القاعدة والقيادة الرسالية؟


- في سبعينيات القرن الماضي شهدت الساحة الإسلامية عموماً والشيعية خصوصاً، صحوة اسلامية من خلال عمل متراكم لتصدي العلماء والمفكرين لفترات طويلة، ومنطقتنا هي إحدى المناطق التي تأثرت بذلك وتفاعلت معه، ولكن الأثر الأكبر هو للدور الذي قام به كل من سماحة المرجع الديني المرحوم آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي (قدس سره)، وسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله)، أثناء إقامتهما في الكويت في تلك الفترة، حيث كان لهما بالغ الأثر في زرع بذور الصحوة وتنميتها في المنطقة.
وقد عمل سماحة السيد المرجع المدرسي على تجذير الصحوة هناك، من خلال نشر الثقافة الرسالية بالوسائل المتاحة حينها في صفوف الشباب، وتربية جيل من العلماء والمثقفين الرساليين قادرين على تحمل أعباء الصحوة وقيادتها.
ومع اقتراب نهاية السبعينات، جاء انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني (قدس سره)، ليرفع منسوب الصحوة، ويفتح المجال لبناء مشاريع متعددة الجوانب والأبعاد لرفد حالة الصحوة وتطويرها من خلال مؤسسات تخصصية، خرّجت الكثير من الشخصيات التي عملت ولا تزال تعمل في هذا المضمار.
ولعل من المفيد بيان أن من آثار الصحوة الاسلامية، تعزيز العلاقة بين المرجع ومقلديه، فالاقتصار في العلاقة بينهما على الفتوى في القضايا العبادية والشخصية واستلام الحقوق الشرعية، لم يعد مقبولا عند أبناء الصحوة، لأنهم يرون أن العلاقة يجب أن تكون بين مرجع، و قائد متصدٍ، وبين مجتمع ناهض وطموح ينتظر من قيادته أن يسير به لتحقيق العدل والحرية والكرامة والمساواة، ويرفع عنه الظلم والاضطهاد والتبعية والاستسلام.

 
:: كيف تقيمون رد الفعل الشيعي بشكل عام عندكم على عملية اختطاف سماحة آية الله الشيخ النمر؟ وما هو المطلوب بتصوركم في هذه المرحلة الحرجة؟


- أولاً: سماحة آية الله الشيخ القائد نمر النمر، من رموز الطائفة في المنطقة، وعلم من أعلامها، وقد رفع راية الحق آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، ومنتهجا سبيل الإصلاح، ومتسلحاً بسلاح الكلمة الصادقة والحجة البالغة، من أجل إحقاق الحق والعدل والحرية والكرامة لكل الناس سنة وشيعة، لذا فإن الاعتداء عليه بإطلاق النار، ومن ثم اختطافه واحتجازه، يعد اعتداءً على هذه القيم، واعتداءً على رموز الطائفة وقاماتها العالية واعتداءً على الطائفة كلها.
ثانياً: كان أبناء المنطقة ولا زالوا سبّاقين إلى الوقوف مع كل مظلوم من أبناء الأمة الإسلامية، بغض النظر عن الجغرافيا والانتماء والحسابات الضيقة، وتاريخهم شاهد على ذلك، ففي العراق المنصور، اكتشف أبناء المنطقة الدكتاتور صدام حسين قبل أسياده وداعميه، وقبل حكومات المنطقة فانحازوا إلى الشعب العراقي الأبي المظلوم وناصروا أطيافاً مختلفة من العاملين في ميدان مقاومة ظلم المقبور صدام، ولم يسجل التاريخ أنهم وقفوا إلى جانب حكوماتهم في تأييده، حين كانوا يؤيدونه، وفي نصرته حين كانوا يناصرونه، وفي لبنان الأبي وفي كل المحطات، كان الموقف هو ذات الموقف المنطلق من قاعدة مناصرة المظلوم والوقوف في وجه الظالم، فقد وقف أبناء المنطقة نهارا جهاراً، ليعلنوا خلاف الموقف الرسمي ويظهروا مناصرتهم وتأييدهم للمؤمنين المقاومين للعدوان الصهيوني الغاصب.


ارسل لصديق