نعال الشهيد النمر
كتبه: أمجد السادة
حرر في: 2016/02/16
القراءات: 569

ونعالٌ طالما شاهت فيه قدماك تسير بها إلى طاعة الرحمن، هاتان الفردتان حفظتهما عن ظهر قلب، وأستطيع أن أميزهما من بين الملايين، فياترى ماهي قصة هذا النعال الذي له حكايات معك وأسرار عجيبة!، هل هناك من حر يريد أن يسمع منك الحكايا أيها الحذاء العجيب!، إنه بعض تراثك الذي بقي لنا أيها الشيخ الشهيد، ومنه نتعلم الزهد والصمود والإرادة، لو لم يتبق لنا غير هذا النعال، سننسج منه آلاف القيم، ليس هذا غلواً، إنما البصيرة تفتح على مصراعيها لكل ذي لب، حتى من خلال فردتي نعال، أوليس الله تعالى يقول: «فسالت أودية بقدرها»!، أولم تسمعوا بحكاية مقام إبراهيم خليل الرحمن، عليه السلام!، لقد خلد لنا التاريخ والقرآن المجيد أثر قدمين صغيرتين طوال السنين، هاتان القدمان نعتقد أنهما لسيدنا إبراهيم، عليه السلام، الذي رفع مع ابنه اسماعيل، عليه السلام، قواعد البيت العتيق، فقال تبارك وتعالى عن هذين الأثرين: { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}، سورة البقرة: 125، فكان هذا النصبُ الأقدس جزءاً مباركاً قدسياً من أجزاء الحج، يُطاف بهما مع البيت الحرام الكعبة التي شرفها الله تعالى، فهل سنفهم سر هذا المقام!، نعود لنعالك يا نمر...!، أيها الرجل الهميم، لماذا تهرّى نعالك ولم تشتر نعالاً جميلاً يليق بمقامك المرموق، كما يفعل أصحاب الشأن الكبار!، هل الدنيا عندك أحقر، لهذه الدرجة التي لا تريد إرواء قدميك من بهجتها!، أم هو جزء من تهذيب نفسك حتى لا تطمع في المزيد من هذا الحطام الزائل!، أم هو جزء يسير من مواساة الضعفاء والفقراء والمعوزين!، لعلك شاهدت أحدهم في الحجاز أو اليمامة لا يملك نعالاً أو ربما دفعت قيمة النعال إلى فقير، وحين امتلكت قيمة نعال آثرت به لآخر، وهكذا تعذب هذا النعال معك طوال مسيرك البعيد.

نحن نعلم بساطتك يا شيخنا وتواضعك، أقسم بالله إنني كنت أريد أن أحدثك عن هذا النعال الذي كدت أن تعثر به حين وطأتَ على الجزء المقطوع منه، لكنني والله خجلت أن أحدثك في ذلك، فذهبتَ دون أن يجري بيني وبينك ذلك الحديث الجميل الذي لم أستطع أن يدور بيننا، لعلنا يوماً نتحدث عنه في مكان قريب، لا أدري كيف ومتى سيكون ذلك اللقاء!، سنعود للنعال مجدداً، ليس غلواً - يا سادة - أن نتحدث عن هذا النعال، صدقوني يا كرام؛ فأنا قرأتُ -غير مرة- عن فردة نعال «لمهاتما غاندي»(1) محرر الهند من العبودية، حيث سقطتْ منه أحداهما دون اختيار وهو على متن القطار المسرع، فألقى بالأخرى ليستفيد منها الفقير الذي يجده، في لحظة نبيهة ذكية، تحولت هذه اللقطة لدروس وعروض سينما نالت ما نالت من جوائز، فلا تقولن: إنه مجرد فردة نعال!، فهل استحق غاندي الحديث لكونه تبرع بفردة نعال واحدة، ولا يستحق الحديث من كان له فردتان تبرع بصاحبهما عوضاً عنهما!، والله إني لأخجل من تقصيرنا من هذا الشهيد الكبير، وأنا أتحدث عن نعالك يا شيخنا علك تغفر لي تقصيري معك، أو تصفح عن خطيئتي وأنا أراك تقتل دون أن أتفوه بكلمة أو أجر حرف قلم، طلبتَ منا يا شيخنا أن نعفو عمن ظلمنا وقد ظلمناك بسكوتنا فاغفر لنا.

إننا ندعو الله دائماً أن يثبت أقدامنا وأن يجعل سعينا فيما يرضيه، فالأهم من السير المادي، السير الفكري والمعنوي، فهل سنعيد النظر في سيرنا؟ إذا تأملنا وحاسبنا أنفسنا في سيرها، حينها فقط سنقول تعلمنا درس «الحذاء» من سماحة الشيخ الشهيد.

---------------

(1) لمهاتما غاندي: غاندي معروف في جميع أنحاء العالم باسم المهاتما غاندي بالسنسكريتية: (महात्मा) المهاتما أي «الروح العظيمة»، وهو تشريف له.


ارسل لصديق