صمتٌ مُستنكر
كتبه: علي مشيمع/ ناشط وسياسي من البحرين
حرر في: 2016/02/17
القراءات: 474

نكست بعض الجمعيات السياسية الرسمية المعارضة في البحرين الأعلام، طواعيةً، وأعلنت الحداد على رحيل ولي العهد السعودي نايف بن عبد العزيز آل سعود حين خطفه الموت في حزيران/ يونيو 2012. وبالغت الجمعيات في تقديم «واجب العزاء» بإرسالها خطاباً ووفداً لتقديم «أحرّ» التعازي والمواساة للقبيلة السعودية، بحسب بعض المصادر.

لم تكن الجمعيات الرسمية المعارضة تجهل منْ يكون نايف، وما هو دوره في دخول الجيش السعودي للبحرين، وضلوعه في الحروب الطائفية بالمنطقة، وعداؤه الكبير للشيعة، وغروره وتجبره واستخفافه بالأرواح والأعراض.

أرادت تلك الجمعيات بذلك الموقف أن تُظهر «حسن النوايا» إزاء أي تقارب يفضي إلى تفاهم لإنهاء الصراع بين البحرانيين والنظام الخليفي المدعوم من قبل المقبور نايف ونظام قبيلته المتوحش، إيماناً منها بأن الخروج من الواقع المرّ في البحرين لا يمرّ إلا بتوافق مع نظام آل سعود المتجبر والمهيمن على الجزيرة الصغيرة (البحرين)، وصاحب اليد الطولى في المنطقة. وكذلك لقناعتها هي بأن الحلول السياسية عبر المفاوضات أو المناشدات هي الأنجع لتخفيف معاناة الناس، وتحقيق أهدافهم نحو الحرية والكرامة والتخلص من قيود الاستبداد والديكتاتورية.

في المقابل اختار الشهيد المجاهد آية الله الشيخ نمر النمر، أن يؤكد ومن داخل المنطقة الشرقية، أنّ نايف لم يكن مصيره إلا كمن سبقه من الطغاة. عادّاً موته فرجاً للمؤمنين، وعبرة لمن يعتبر. كما استغل الحدث لفضح دور نايف، غير آبه بجبروت آل سعود إيماناً منه بأن لغة الوعظ والتودد لا تكون لسفاكي الدماء، ومنتهكي الأعراض. ووجه الشهيد النمر في وقتها نقداً لاذعاً لكل من وجه رسائل العزاء للنظام السعودي، أو البيعة لمن خلف نايف في داخل السعودية، فضلاً عن الموقف لمن هم خارج الجزيرة العربية.

ومع الإقرار بأن كلا الطرفين يتحرك من منطلق الحرص على مستقبل الناس والصالح العام، فيقدر للشهيد النمر الفضل الأكبر حيث كان يحمل هم البحرين ويقدمها على وطنه، ويقارع النظام السعودي من داخل بلده، وهو الذي كان يقول بشكل واضح عن وقوفه مع شعب البحرين: «دمُنا دمهم. نموت لكي يحييوا. ونُسجن لكي يتحرروا...».

وبغض النظر عن الطريقة والمنهج الأصوب في مخاطبة الخصم، بل العدو، عدو الشعب والإنسانية والحياة والدين؛ فقد بات معروفاً أن تلك الجمعيات السياسية تفضل لغة التواصل عوضاً عن القطيعة، والتقارب بدل التباعد حتى مع نماذج الطغيان والفساد الذين لا قابلية لإصلاحهم أو وعظهم إذ «إن الله لا يصلح عمل المفسدين».

ويُسجل للجمعيات السياسية الرسمية المعارضة كذلك، أنّها سباقة في إعلان التضامن والتنديد بكل حوادث الإرهاب والقتل خارج حدود البحرين، ومن وراء القارات، كما حدث مع إعلان التضامن مع ضحايا التفجيرات الإرهابية في فرنسا وغيرها، وهو أمر محمود، وبوادر طيبة تُحسب لها. والجمعيات كذلك حرصت على أن «تسبق» حتى وزارة الداخلية لآل خليفة في المسارعة بالتنديد والإدانة لأي عمل يُصنف في دائرة «العنف» أو «الإرهاب» في داخل البحرين، على غرار الحوادث التي أُعلن فيها عن استهداف عناصر تابعة لقوات آل خليفة.

لكن المستغرب وغير المبرر، هو الصمت المطبق من جانب تلك الجمعيّات، وعدم مسارعتها لإعلان «التعزية» حتى بشأن جريمةٍ ورزيةٍ كبرى على قلوب أهل البحرين والمنطقة الشرقية «من السعودية»، وكل أصحاب الضمائر الحيّة وطلاب العدالة في العالم، وهي جريمة قتل آية الله المجاهد الشيخ النمر، الذي سُفك دمه دفاعاً عن حقوق أهل البحرين، ومقارعته لطغيان آل سعود الذين أرسلوا جيشهم ليعيث إرهاباً ودماراً فيها، وقد قال الشيخ المظلوم المجاهد، وهو يؤكد ويكرر وقوفه مع شعب البحرين في مواطن ومواقف عديدة: «لن نسكت، لن نتراجع، ولن نتخلى عن نصرة أهلنا في البحرين...». فأعذر في الدعاء، وبالغ في الجهد حتى سُفك دمه ولم يُسلم جثمانه، وأخفيَ قبره.

وهنا يرد السؤال الاستنكاري: كيف لهذا الصمت «من جانب الجمعيات» حتى من تعزية بالشهيد النمر؛ أن يُبرّر في مقابل تنكيس الأعلام وتقديم العزاء لعدو الله ورسوله وشعب البحرين نايف! وكيف لنا أن نتفهم بيانات التضامن مع ما يجري وراء القارات مع ضحايا الإرهاب في فرنسا - مع العلم أنها بيانات ليس لها أي وزنٍ في الإعلام الفرنسي أو على مشاعر المواطنين في ذلك البلد- ويكون الصمت سيد الموقف أمام جريمة نكراء، معروف مَنْ ارتكبها، وما هو دوره في داخل البحرين وفي عموم البلدان الإسلامية! بل إن الصمت لم يقتصر فقط بالامتناع عن تقديم العزاء علناً، بل بلغ الصمت حد تجنب نقل أخبار التظاهرات الواسعة التي شملت معظم البلدات البحرانية وهي تعلن الحداد والغضب على جريمة اغتيال العالم الجليل! ثُم أليس اليمن أولى بالتضامن من فرنسا إذ يتعرض شعبه المسلم الفقير لحرب عدوانية وغارات إرهابية بمشاركة النظام الحاكم في البحرين!.

هل ثمة من يقبل بحجة تهديد السلطات الخليفية من تقديم العزاء، ليكون ذلك عذراً وسبباً يقابل به ضمير التاريخ، وشرف الموقف، ومسؤولية الكلمة! أين هذا الموقف من وصايا أمير المؤمنين، عليه السلام، في لحظات وداعه: «كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً». وتشديده، عليه السلام، على واجب العلماء  «ألا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم»؟ وأين هم من بيان الإمام الحسين، عليه السلام، عن جده رسول الله، صلى الله عليه وآله: «من رأى منكم سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله»؟ وأين يُصنف هذا السكوت مع تهديد القرآن الكريم للمؤمنين:{وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ}!، (سورة هود: 113).

أتذكر جيداً حادثة مقتل الضابط الإماراتي طارق الشحي، وهو ضابط مرتزق ومحتل كان يقود قمع المتظاهرين الذين شاركوا في ختام فاتحة الشهيد جعفر الدرازي. في تلك الحادثة سارعت الجمعيات بإصدار البيانات، إلى الداخلية الخليفية، وبعثت بعض الشخصيات رسائل المواساة لعائلته، وطالب بعض السياسيين إنزال أشد العقوبة على المتورطين في الحادثة. هذه المواقفُ لم نر ما يُشبهها مع جريمة اغتيال الشهيد النمر، حتى صار المرتزق المعتدي، أولى بالمواساة من العالِم الشهيد المظلوم!

وكيف يفسر هذا الصمت بمفهوم «الحنكة» السياسية، و»النظرة الثاقبة»، والظروف الموضوعية، والتشخيص الحكيم! وكيف يندرج هذا السكوت مع مفهوم «السلمية» والمقاومة المدنية التي صموا بها آذاننا ليل نهار، وتغنوا فيها بنضال الزعيم الهندي غاندي الذي وضع قوانين الاستعمار وهيبته تحت قدمه، وبذا استطاع تحرير بلاده! وهل إن السلمية التي يُنظَّر لها، هو بطريقة الاستئذان من السلطات الظالمة للاعتراض على ظلمها! أم مقابلة التهديدات بالمناشدات والخطابات التي تزيد السلطات غروراً وتشجعها على ارتكاب مزيدٍ من الظلم والإرهاب!. هل يتنافى التنديد بجريمة اغتيال الشهيد النمر مع مفهوم السلمية، وهل تُعد التعزية عنفاً، أم نقل أخبار التظاهرات لتأبين الشهيد، إرهاباً وعملاً غير حضاري! أليست السلمية في المعارضة تعني المقاومة المدنية؟ أليس التمرد على قانون حظر التظاهر مثلاً، هو وسيلة سلمية بدل الاكتفاء بنقل الأخبار في حساب تويتر! أليس في التخلي عن المقاومة المدنية السلمية تشجيع على «العنف» الذي لا يسبقكم سابق لإدانته!.

إنه من المثير للأسى أن تُنكَّس الأعلام على موت نايف، ويتم اجتناب تعزية الشهيد النمر، «وهو أضعف الإيمان». ومن المثير للامتعاض أن ترتفع الأصوات بتعزية طارق الشحي الإماراتي، فيما يلوذ «الجمْع» بالصّمت، ويمتنع عن الاعتراض والتنديد بجريمة اغتيال الشهيد النمر، الجريمة التي ارتكبتها العصابة السعودية جناية عظيمة بحق الدين والمعتقد والإنسان، وإن الحدث لجلل والفاجعة كبرى، وإن للمظلوم المجاهد آية الله النمر لموعداً ينتقم فيه الله سبحانه وتعالى له من قاتليه، ولكن المظلوميّة لا تقف عند هذه الحدود، بل تمتد إلى خذلان البعض من نصرته، يوم اعتقاله وبعد إعدامه.

إن الاستضعاف والإهانات التي يوجهها آل سعود لنا جميعاً؛ إنما هي بأسباب ردود الفعل الخجولة، و الصمت غير المبرَر، واستعظام الطغاة في مقابل استحقار قدرة المستضعفين على التغيير، والاستغناء عن النصر الإلهي بالاتكاء والتوكل على الغرب الذي {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً}، سورة النساء: 120، والله سبحانه وتعالى يقول: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، سورة آل عمران: 123.

يجب أن يكون واضحاً أن ما كُتب أعلاه، لا يعني أن الجمعيات ليست مستهدفة، أو أنها عميلة لآل خليفة، أو أنها لا تحمل في داخلها الألم والتوجّع لعموم الأوضاع في البحرين والمنطقة الشرقية وغيرها، لكن المسؤولية المناطة بالسياسيين والمتصديين، وحتى علماء الدين، كبيرةٌ ولا يمكن مساواتها مع مسؤوليات عامة الناس. وإن كل شخص ومن موقعه مسؤولٌ لأنْ يصدح بالحق، وأن يتصدى للعدوان السعودي، وأن يدافع عما تبقى من حرمة وكرامة ما سحقها آل سعود وما استخفوا بها بقتلهم خيرة البشر وعلماء الدين في حادثة يندى لها جبين الشرف والنبل والأخلاق.

إن السياسيين لمدعوون بأن يقولوا كلمة الحق، «فكيف ما تكونوا يول عليكم»، و «ما غزيَ قوم في عقر دارهم إلا ذلوا».

-------------

 ناشط وسياسي من البحرين

علي مشيمع/ ناشط وسياسي من البحرين


ارسل لصديق