أزمة نظام... وجنون حاكم
كتبه: فؤاد إبراهيم
حرر في: 2015/11/17
القراءات: 469

خيّب أهل الحكم في المملكة السعودية آمال من راهنوا على نوبة «العقل» الطارئة لجهة الحؤول دون تنفيذ حماقة أخرى فادحة بإعدام رمز الحراك الشعبي في المنطقة آية الله الشيخ نمر النمر.

في الحديث عن التوقيت، يرد سؤال: ما الذي يدفع نظام سلمان لارتكاب هذه الجريمة في هذا الوقت، على الرغم من أن لا شيء استثنائياً حصل في مناطق المواطنين الشيعة يدعو الى هذا الفعل الردعي زعماً؟

يميل المراقبون في الخارج إلى وضع إعدام الشيخ النمر في سياق الصراع الإقليمي، أو بالأحرى صراع المحاور وفصله الأخير المتمثل في تصفية الرموز؛ «زهران علوش»، «أبو عمر الشيشاني»، قادة في تنظيمات «أحرار الشام»، و»جيش الإسلام»، و «النصرة» و «داعش»، ويضيف البعض الى ذلك خسارة السعودية في اليمن وسوريا ورجحان كفّة المحوّر الآخر.

من الصعوبة بمكان المبالغة في التعويل على مقاربة كهذه، وإن بدت في الظاهر مريحة لوقوع حوادثها في فترة زمنية متقاربة. لا ريب أن لمجمل التطوّرات الإقليمية واختلال ميزان القوى لمصلحة هذا المحور أو ذاك دوراً ما في عملية صنع القرار السياسي في السعودية، ولكن من الضروري عدم إغفال عوامل أخرى ذات أهمية كبرى.

 

 سياسة «العصا والجزرة» والقنبلة الموقوتة

بالنظر الى العوامل البنيوية، فإنّ السعودية تشهد تحوّلاً غير مسبوق يلامس جذور وجودها. بكلمة أخرى، إن التهديد الذي تواجهه السعودية يطاول مجمل الضمانات التي وفّرت استقراراً وتماسكاً لدولة لم تكتمل شروط وحدتها حتى اليوم، أي الانتقال إلى دولة وطنية مكتملة النمو. من بين تلك الضمانات، السياسات الريعية التي اتبعتها السعودية على مدى نحو نصف قرن.

تتحدّث الدراسات الأكاديمية عن اللعبة الذكية التي مارستها السعودية في علاقتها مع الشعب، تلك اللعبة القائمة على ثنائية: العصا والجزرة.

تقليدياً، كان يلجأ النظام السعودي الى العصا لردع الحركات الاحتجاجية في وقت يغدق فيه المال «الجزرة» من أجل تحقيق التوازن بين الاستبداد والرفاهية، ولكن التهديدات المستهدفة لوجوده، وتآكل موارده، جعلته يميل الى استخدام العصا لتأمين مستقبله.

باختصار؛ النظام السعودي يواجه قنبلة موقوتة وعليه التصرّف بصورة عاجلة في سبيل احتواء التهديدات السياسية والاقتصادية الكامنة، في النتائج، بقيت لعبة العصا والجزرة سارية المفعول على مدى عقود، وحقّقت نجاحاً الى حد كبير في إبقاء النظام على قيد الاستقرار. السؤال ما الذي تبدّل؟

في الأيام الأخيرة من العام المنصرم وبداية العام الجديد، بتنا أمام مشهد غير مسبوق. لأول مرة يجتمع القمع

السياسي والحرمان الاقتصادي في وقت واحد. في تفاصيل ذلك، غاية ما أثبته سلمان منذ توليه العرش في 23 كانون الثاني 2015 أنه فاشل ودموي. بعد مرور نحو عام على إمساكه بزمام السلطة وتشكيل نظام سياسي يقوم على لجنتين: لجنة الشؤون السياسية والأمنية برئاسة محمد بن نايف، ولجنة الشؤون الاقتصادية والتنمية برئاسة محمد بن سلمان، يثبت النظام السعودي بأنه فاشل.

في غضون أسبوع تكشّف الفشل على المستوى الاقتصادي بعد إعلان الموازنة العام لسنة 2016 بعجز قياسي بلغ 87 مليار دولار، وتالياً سياسة ضريبية باهظة من شأنها إلحاق ضرر فادح بالأوضاع المعيشية بالمواطنين، ويثبت بأنه دموي على المستوى الأمني بعد الإعلان عن أولى وجبات الإعدام ضد عدد من المواطنين بانتظار وجبات أخرى. وقد سجّلت السعودية أعلى نسبة إعدامات على مستوى العالم بواقع 154 حالة خلال عام 2015. لم يشأ أن يجعل الوجبة الأخيرة من حصّة العام الماضي تفادياً لفضيحة مزلزلة، فكانت على رأس السنة الجديدة.

وعلى الضد من تفسير البعض لتنفيذ حكم الإعدام في الشهيد الشيخ النمر بأنه علامة قوة، فإن قراءة في مجمل العوامل المؤثرة في قوة وضعف النظام السعودي، الاقتصادية والسياسية والأمنية بما في ذلك تحالفاته الأقليمية والدولية، توصل الى حقيقة أن تلك العملية تعكس أزمة النظام، وأنّ غاية ما تفشيه جولات الإعدامات المتعاقبة أن مشروعية النظام تتآكل على نحو سريع نتيجة فشله الاقتصادي والسياسي والأمني، وأصبح يتصرف بوحي «قلق المصير».

 

 تأكيد خيار الحراك الشعبي للتغيير

رهان «تكسير» المعارضين للنظام السعودي سواء عبر اعتقال الرموز والعناصر الفاعلة في مجال حقوق الإنسان والإصلاحيين وصولاً إلى اختراق فضاء التواصل الاجتماعي عبر تجنيد آلاف العناصر «يقدّر عددهم بنحو 80 ألف عنصر» من أجل السيطرة على اتجاهات الرأي العام قد يحقق نجاحاً على المدى القصير، ولكنه لا يوفّر ضماناً من أي نوع لاستقرار النظام.

وبإمكان الأخير والمراقبين معاً مراجعة مجمل التدابير الأمنية السعودية على مدى ثلاثة عقود، إلى أين انتهت، وهل النظام بالقوة التي كان عليها قبل ذلك؟ على مدى السنوات الثلاث الماضية، سعى النظام السعودي لاستعادة هيبته ومكانته كدولة إقليمية كبرى.

وفي الداخل، كان النظام يسعى الى المحافظة على قاعدته الشعبية متماسكة، وبصورة رئيسة في المنطقة الوسطى، عقب الانفجارات الشعبية في الشرق الأوسط. في النتائج، بات الإرباك سيد الأداء السياسي السعودي، كما تعكسه التحالفات الكرتونية التي يعلنها منذ العدوان على اليمن.

إعدام آية الله الشيخ النمر لم يسدل الستار على قضيته، ولا على قضية شعب يرزح تحت حكم الصبية، بل في الواقع يؤكد رسوخ خيار الحراك الشعبي لوقف مسلسل الانهيار في أوضاع المواطنين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية، بإعدام الشيخ النمر، فإنّ فصلاً جديداً قد فتح في المنطقة عموماً، لما يمثّله الشهيد النمر من رمزية سياسية ودينية تحظى باحترام القوى السياسية والحقوقية نتيجة مناصرته لقضايا الحريات السياسية والدينية في دول الخليج عموماً. وعلى رغم من أنه من المبكّر الحديث عن ردود الفعل المتوقّعة على إعدامه، فإنّ المنطقة قدّ تشهد أوقاتاً صعبة في المرحلة المقبلة. قرار آل سعود بدفن جثمان الشهيد النمر وإخفاء قبره ورفض تسليمه لذويه ومجتمعه هو دليل على تلك الرمزية التي يخشاها جلاوزة الجزيرة العربية.

في الأخير، فإنّ الشهيد النمر كان رمزاً في المكان الجزيرة العربية - وأصبح رمزاً في كل الأمكنة، إذ تحوّل أيقونة دولية، وكان رمزاً في الزمان الحراك الشعبي في القطيف - وبإعدامه أصبح رمزاً لكل الأزمنة ودخل التاريخ من أوسع أبوابه، بينما العار كان من نصيب آل سعود.

---------------------

 كاتب وباحث من القطيف


ارسل لصديق