جرائم الحاكم ضد المحكوم ..... حادثة الشيخ النمر أُنموذجاً
كتبه: حيدر الرماحي
حرر في: 2016/02/17
القراءات: 507

{... وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ وإذا... }، سورة النساء:  58

تقوم العلاقة ما بين الحاكم والمحكوم على أساس الحق والعدل، وتعتمد على عدة مرتكزات أساسية تمثل قاعدة الانطلاق نحو الحريات والحقوق المشتركة بين أبناء البلد الواحد، فإنّ الحاكم -أي حكم- يستحيل عليه أن يسُوس الناس بالحقِّ، والعدل مهما كانت مواهبه، وكفاءاته إلا إذا استفتى جميع المحكومين في جميع تصرفاته وعمل بالتعاون معهم على تحقيق رغباتهم ومصالحهم، أو كان عالماً بكل ما يصلح الناس من أمور الدِّين والدنيا، عاملاً بعلمه قد نصب نفسه لله وللخير، وهو ما يعبر عنه في الفقه الشيعي بالحاكم المكتمل الشروط. 

ولأجل رصد هذه العلاقة الجدلية بينهما تمهيداً لتقييمها، قد لا نتمكن من تصنيفها وفق ما تحمل دساتيرها من بنود ومواد قانونية ترسم للرأي العام خارطة حقوق الإنسان في البلد، بقدر ملاحظة سلوك السلطة وتطبيق ذلك على أرض الواقع. ففي الوقت الذي يحفل دستور المملكة العربية السعودية بالعديد من المواد القانونية ذات الصبغة الإنسانية، إلاّ أنّ ذلك لا يعدو أن يكون حبراً على ورق بعد ملاحظة همجية حكامها في اتخاذ القرارات ومدى تمسكهم بالروح القبلية التي تسيطر عليهم بشكل كبير، بحيث نلمس بوضوح غياب عناصر الوعي الحضاري لحكام المملكة وضياع موازين العدالة والحق والحرية، فهم لا يتورعون عن إراقة دماء العديد من المؤمنين الأبرياء من أجل ضمان سلطتهم الظالمة. في الوقت الذي كان من المؤمّل أن تلعب هذه الدولة دوراً مغايراً لما تقوم به الآن وهو دور الدولة الراعية للسلام والأمن في المنطقة وأن تكون أحد أكبر عوامل الاستقرار والتهدئة. ولكن  حينما يصبح الحكم أداةً لقمع الآخرين، فحينها لن نبحث عن أسس العلاقة بين الحاكم والمحكوم ؛ لأنّ ذلك لا وجود له في قاموس الحاكم الظالم، بل نبحث عن العلاج المناسب لهذه الحالة المرضية. لذلك سالت دماء الشهيد المبارك الشيخ النمر، قدس سره، كدواء لداء لا تنفعه إلاّ الشهادة في سبيل الحق.

 

 قراءة في اتهامات السلطة

اتهمت السلطات السعودية سماحة آية الله الشيخ الشهيد نمر باقر النمر، قدس سره  بعدة اتهامات أبرزها تهمة ممارسة العمل الإرهابي في المنطقة الشرقية ذات الأغلبية الشيعية، وتحريضه الجماهير على عدم السمع والطاعة للحاكم، وإثارة الفتنة الطائفية، وعدم مبايعته لنظام الحكم الملكي، وهذه التهم ما هي إلا مبررات ساقها النظام الحاكم أمام الرأي العام، للتغطية على جرائمه الكبيرة وبالتحديد جريمة الشيخ النمر، قدس سره. والحق أنّ خلف هذه المبررات أسباب حقيقية دعتهم إلى ذلك كان أهمها النقاط الآتية :-

1- تنفيذ مخططات أسيادهم من الصهاينة وغيرهم، وتطبيق نظرية الولد المطيع لسيده.

2- القضاء على الجهة المعارضة لنظام الحكم الملكي، حفظاً لبقاء حكمهم الفاسد

3- إقصاء الفكر الحر المناهض لمفاهيم السلطة الظالمة، وهذه الحالة لم تكن وليدة اليوم، بل هي حالة متجذرة منذ شيوع أفكار السلفية الوهابية الداعية إلى القتل والدمار.

4- استفزاز مشاعر المسلمين الشيعة، ومحاولة جرهم إلى حرب لا تحمد عقباها، وبالخصوص إيران الدولة الإسلامية كونها الراعي والداعم الأول لأغلب قضايا الشيعة في المنطقة. 

واليوم وبعد شهادة الشيخ النمر، قدس سره، اتسعت دائرة الحراك الشعبي في

السعودية وخرجت قضية إعدام الشيخ عن إطارها الداخلي لتصبح قضية رأي عام، ونتيجة لذلك حدثت ردود أفعال كبيرة في بلدان إسلامية عدة كالعراق وإيران والبحرين و...الخ. ومن ذلك يتضح فشل حكام آل سعود فيما خططوا له هم وأسيادهم فشلاً ذريعاً.

 

 منطلقات السلطة

يحلو للبعض أن يسمي دولة آل سعود بالدولة المتقدمة المعتمدة على نظام المؤسسات الحكومية، في حين بات واضحاً للجميع أنّ نظام الحكم عندهم يتميز بطابعه القبلي المعتمد على نظام البداوة ذات الاتجاه العنصري الهمجي، وقد لاحظنا ذلك عند اتهامهم الشيخ النمر، قدس سره، بأنه خارج عن بيعة الحاكم ويرفض مبايعة ولي الأمر عندهم، حيث يعد هذا الأمر سابقة خطيرة جداً على الأمة الإسلامية وقيادتها. ويظهر من ذلك أنّ المنطلقات التي تنطلق منها العائلة الحاكمة هي منطلقات جاهلية رعناء لا ترتضى بأن يخرج أحد لينتقدها ولا ترضى لأحد أن يخرج عن طاعتها فضلاً عن مبايعتها، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل على مدى تمسكهم بروح القبيلة وعاداتها الجاهلية، أضف إلى ذلك نفاق العائلة القذرة في السعودية وهي ترفع راية الإسلام والدين المحمدي الأصيل وهي أبعد ما تكون عن ذلك، وعليه حينما نعمل على  دراسة هذه الظاهرة من زاوية أخرى، فهل يمكن أن نجد نظاماً أو جماعة سياسية لم تستخدم الشعار القومي أو الإسلامي ؟ الكل يستعملون الشعارات نفسها ويحاربون خصومهم بالشعارات ذاتها. إذن المنطلقات الأساسية لعائلة آل سعود هي منطلقات جاهلية رعناء وهي لا تختلف عن أي حكومة ظالمة على مدى التاريخ مثل حكومة بني أمية وبني العباس لعنة الله عليهم، فالقضية سياسية بحته ولا علاقة لها بالمعتقدات الدينية لا من قريب ولا من بعيد، غير أنّ حكومة آل سعود قد تستعين بمكر ابن العاص في محاربة خصومهم الشيعة الإمامية، عبر استخدام المتطرفين كسلاح تضرب به من تريد منهم ومتى شاءت بحجة أنّ هؤلاء يعبدون الإمام علي، عليه السلام، ويسجدون على التربة ويشركون بالله وغير ذلك من الأكاذيب والافتراءات المذهبية. ولذلك نجدهم يتبنون منهجاً إجرامياً بل ووحشياً في محاولة لحسم نتائج الصراع لصالحهم، عبر إزاحة جميع خصومهم بشتى الطرق والوسائل.

 

 قراءة في مطالب الشيخ النمر

في الوقت الذي نقرأ فيه لافتات كُتب عليها شعارات تطالب بالحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، نجد في المقابل من يحاول أن يقرأ هذه المطالب بعدسات نظارته السوداء، وينظرون إليها وكأنّها مطالب جاءت وفق تعليمات من خارج حدود البلد. لقد رفع الشهيد النمر ورفاقه الثائرون شعارات وطنية في تظاهراتهم وشعارات إنسانية تطالب بالعدالة الاجتماعية في البلد، ولا يوجد فيها أيّ مطلب غير شرعي أو غير قانوني على الإطلاق، فمجموع مطالبهم تلخصت بما يلي :-

1- تحقيق الكرامة الحقيقية للجميع.

2- العدالة الشاملة.

3- الحرية وعدم التضييق.

4- إطلاق سراح جميع المعتقلين من السنة والشيعة.

5- الاستجابة إلى حوار الكلمة الصادقة.

بعد ذلك لا أرى أي عاقل يمكن له أن يرفض هذه المطالب لا شرعاً ولا قانوناً، وفوق كل ذلك كانت أفعال المتظاهرين وسلوكهم العام يدل على حسن نواياهم وصدق مطالبهم وحبهم لوطنهم، فمن المجحف جداً الاعتقاد أنّ هؤلاء المتظاهرين خارجون عن قانون الدولة واعتبارهم مخربين خائنين لبلدهم، مع أنّهم لم يرفعوا إلاّ راية الإصلاح، لذلك كان الأفضل للحكومة أنْ تقوم بمحاورة المتظاهرين والاستماع إلى مطالبهم المشروعة والاستجابة لحقوقهم المسلوبة. لا أنْ تقوم بحملة اعتقالات واسعة وإعدام قائد الحِراك الشعبي ورفاقه تحت ذريعة الخروج عن طاعة الحاكم وتهديد أمن البلد.

 

 منطلقات الشهيد النمر

لقد انطلق سماحة الشيخ الشهيد نمر باقر النمر، قدس سره، من القيم العليا للإسلام التي تدعو إلى حقن الدماء وصيانة الأعراض وحفظ الأنفس والأهل والأموال العامة والخاصة. فسماحته وبحكم انتمائه لمدرسة أهل بيت النبوة، عليهم السلام، وبحكم متبنياته الفكرية والعقدية كرجل دين شيعي من داخل الحوزة العلمية الشريفة أخذ على عاتقه التصدي لفساد السلطة الحاكمة والوقوف بوجه مختلف أنواع الظلم والاضطهاد الذي يجري على أتباع مدرسة أهل البيت، عليهم السلام، الشيعة الإمامية، لذلك انطلق سماحة الشيخ الشهيد النمر، قدس سره، للمواجهة مع السلطة الفاسدة من خلال قواعد القرآن الكريم وتعاليم الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، ووصايا أهل البيت، سلام الله عليهم، الدالة على تحكيم العقل والمنطق السليم والداعية إلى تأسيس المجتمع الإيماني الفاضل، الذي تسوده العدالة والمحبة والسلام. هذا ما كان يؤمن به سماحة الشيخ النمر، قدس سره، وما كان ينطلق منه للدفاع عن المظلومين.

 ويتبين لنا من خلال ما مرَّ معنا الفارق الكبير بين أقوال آل سعود ومنطلقاتهم التكفيرية وبين مطالب ومنطلقات الشيخ الشهيد ورفاقه المظلومين، فسلام الله عليه يوم ولِد ويوم استُشهِد ويوم يُبعثُ حياً.


ارسل لصديق