فرسان الكرامة ودماء تتوعد عرش آل سعود
كتبه: علي جواد
حرر في: 2016/02/17
القراءات: 477

الشهيد السعيد آية الله الشيخ نمر النمر، لم يكن وحده في مهرجان الشهادة يوم الثاني من كانون الثاني الماضي، بل كان يرافقه ثلاثة من الشبان الأبطال ممن تربوا في مدارس الكرامة والعزّ والإباء في المنطقة الشرقية، وهم: «علي الربح، محمد الصويمل، ومحمد الشيوخ».

وفيما يلي إطلالة سريعة ومقتضبة عن حياة هؤلاء و أسباب اعتقالهم، وما لاقوه من تعذيب وحشي، وقد تم اقتباسها من قناة «المنار» الفضائية، التي أجرت لقاءات مع أمهات الشهداء، على أمل أن تكون ثمة جهود في قادم الأيام لأداء بعض حقوق هؤلاء الأبطال، بنشر سيرة حياتهم ومواقفهم ومآثرهم، كما سائر شهداء الكرامة والعقيدة:

 

 علي الربح.. استقبال الشهادة بالابتسامة

من مواليد العام 1993، يتوسط أخاً أكبر منه وأختاً تصغره. تميّز «بالحنان والطيبة والابتسامة الدائمة، كان متسامحاً وخدوماً»، هكذا تصف السيدة «زهراء حسن» ابنها الشهيد.

تم اعتقاله في 29 - 2- 2012، ولم يكن يومها قد تجاوز سن الثامنة عشرة. تذكر والدته كيف «تم اقتياده من على مقعده الدراسي بشكل مُشين أمام زملائه ومدرسيه».

جُرمه الوحيد؛ المشاركة في تظاهرات خرجت في القطيف للمطالبة بإصلاحات. إلا أن التهمة التي وُجهت له من قبل الإدعاء كانت «حمل السلاح»، وهي تهمة أكد محاميه بطلانها، وفق ما نقلت صحيفة «خبير» الالكترونية، ويقول المحامي: «نحن أثبتنا بطلان التهمة، وطالبنا الادعاء بتقديم أدلة إثبات. لم يتم تقديم أي إثبات عملي، ومع ذلك جرى إعدامه». وقد أكدت المصادر أن تهمة «حمل السلاح» ثبتت عليه بعد انتزاع اعتراف منه تحت التعذيب الوحشي.

 وتضيف والدته: «في أول زيارة إليه، لم نتعرف على ملامحه، كان هزيل الجسم، خسر ما يقارب نصف وزنه الذي كان ما قبل الاعتقال. جسده كان يرتعش بقوة، وآثار التعذيب والحروق واضحة على كل أجزاء جسده. وعلى أنفه كانت تظهر علامات لكسر لم يُعالج إلى يوم قتله»، وتصف الوالدة كيف كانت حالته في الزيارة الأخيرة، في شهر تشرين الثاني الماضي: «استقبلنا بتلك الابتسامة المعهودة. كان متفائلاً جداً ومعنوياته عالية. كان يسألنا عن الجميع»، وردد بلهجته «لا تخافوا عليّ أنا ما سويت شي أخاف منه ولا خايف من حكمهم. والله مو خايف...». ثم ضحك.

 «شكا لنا من استمرار اعتقاله في زنزانة الانفرادي ومن سوء المعاملة. قال لا أملك غير هذه الملابس أغسُلها وألبسها، وعندما أمرض لا علاج ولا دواء».

 

 محمد الصويمل.. الشهادة في عالم الرؤيا

من مواليد 1991، تم اعتقاله بتاريخ 5-4- 2011، بعد عملية دهس متعمدة من قبل قوات الأمن (القمع) خلال تظاهرات سلمية في مدينة القطيف، على خلفية مشاركته في التظاهرات السلمية، والتي لفقت ضدها السلطات تهمة استخدام السلاح ضد الدوريات.

وتقول والدة الشهيد عن أول زيارة لها: «كان يبكي من الظلم والألم... آثار التعذيب بدت واضحة على جسده، والكسر في يده جراء دهسه لم يكن قد عولج أيضاً».

حدّث الصويمل عائلته عن ليلته الأولى بعد الاعتقال، وعن تعرضه للضرب على يد ملثمين، وعن التعذيب بالصعق الكهربائي الذي تعرض له.

ثلاث سنوات ونصف قضاها محمد الصويمل تحت وطأة التعذيب، إلى أن أصدرت محكمة الاستئناف حكماً بإعدامه تعزيراً، بعدما قدمت العائلة طعناً بحكم إعدامه بحد الحرابة.

وفي أول تشرين الثاني الماضي، سُجلت الزيارة الأخيرة التي جمعت العائلة بابنها. قصّ الشهيد على ذويه أحد مناماته: «كنت أسمع صوتاً شجياً يردد الأبيات الحسينية: «أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً، وقد مات عطشانا بشط فرات. إذاً للطمت الخد فاطم عنده، وأجريت دمع العين في الوجنات». «وبينما كنتُ في حالة من البكاء شديد، رأيت الإمام الحسين، عليه السلام، مقبلاً نحوي، كسّر القيود التي تكبل يدي، وقال لي: ﴿وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ.

 تستذكر الوالدة الاتصال الأخير الذي تلقته من ابنها، قبل ثلاثة أيام من تنفيذ الجريمة. «خمس دقائق استغرقت مدة الاتصال، نقل لنا محمد أن الضابط أخبره بأنّ اتصالاته بدءاً من الأسبوع القادم ستكون مدتها عشر دقائق». وقبل أن ينتهي الأسبوع أُعدم محمد.

 

 محمد الشيوخ.. التهمة: علم البحرين

من مواليد 1993، وهو ابن بلدة العوامية، من أب قطيفي وأم بحرينية، وقضى سنوات طفولته في بلدة الدراز غرب العاصمة البحرينية، وكان يزورها في إجازاته الصيفية.

اعتقل محمد الشيوخ في شباط 2012، أثناء مروره على إحدى نقاط التفتيش، بعد خروجه من النادي الرياضي في بلدة العوامية، وخلال التفتيش وجد رجال الأمن (القمع) علم البحرين في سيارة الشَيوخ، فكان هذا ذريعة وتهمة لاعتقاله وسجنه.

الأم التي فقدت البصر في إحدى عينيها بعد ارتفاع السكر منذ اعتقاله، بدت مرهقة في مجلس عزاء ابنها، تحدثت عن معاناة ولدها في السجن الانفرادي لأكثر من ثمانية أشهر، «عذبوه بالضرب المبرح والصعق بالكهرباء دون أية رحمة».

تضيف الوالدة: «بقي في السجن ثلاثة أعوام و أحد عشر شهراً، ولم تتضح تفاصيل اتهامه و إدانته، وحتى إصدار حكم الإعدام، كان مبهماً، إذ لم يتم إخبارنا بتفاصيل القضايا التي حُكم من أجلها ومن غير إشعارنا بأوقات جلسات المحاكمات أو حضورها».

 في الزيارة الأولى إليه، بدا «الشيوخ» منزعجاً بعض الشيء - تضيف الوالدة- «إلا أنه سرعان ما عاد إلى طبيعته المرحة والمزح»، وفي الزيارة الأخيرة بشهر تشرين الثاني لم يُخبر الشهيد عائلته عن التعذيب الذي تعرض له، «لكنني رأيت على جسده أثار الضرب والتعذيب». تصمت الأم قليلاً وتتمتم: «نفتخر بأن نكون أمهات شهداء، ولكن حرقوا قلوبنا على الشباب، عرسان بعمر الزهور».

 «في اتصاله الأخير الذي صادف ذكرى ميلاده، سألني: أماه هل تعرفي تاريخ اليوم؟ أجبته نعم يا عمري هو ذكرى ميلادك الـ 22 كل عام وأنت بخير ياحبيب قلبي. بعد هذه المكالمة بأسبوع، تلقيت الخبر المفجع…».

 

 اللقاء الأخير.. مع شهيد الكرامة دعوني وتابعوا ملف المعتقلين الآخرين

قبل شهر واحد تماماً، من ارتكاب جريمة الإعدام، كان اللقاء الأخير بين شهيد الكرامة وأسرته في المعتقل وتحديداً في 2-12-2015 . هذا اللقاء حمل معه رسائل وحقائق كبيرة أهمها الموقف من المحاولات للإفراج عنه وإلغاء حكم الإعدام. ففي الوقت الذي كانت أطراف عديدة في الساحة تحمل بعض الآمال لتحقيق ذلك، كان الشهيد السعيد، قد وطّن نفسه قبل ذلك للشهادة وعدم التفريط بها أمام سلطان جائر.

شقيق الشهيد، سماحة الشيخ محمد النمر يروي تفاصيل هذا اللقاء الذي لم يخلُ من غصص وآلام وضغوط نفسية، عدّتها الأسرة الكريمة «بلاءً حسناً» من الله، تعالى، وهم في ذلك يعاضدون أباهم وشيخهم ومعلمهم، ويعاهدونه على مواصلة الدرب حتى تحقيق الأهداف المنشودة. وفيما يلي نصّ حديث الشيخ محمد النمر»:

وصلنا مبكراً إلى سجن الرياض، بمعيّة والدتي وإخواني وأختي وسكينة ابنة الشيخ النمر. وقد أخروا دخولنا لغاية الساعة ١٢ ظهراً، وكان القلق ينتاب والدتي وشقيقي أبو موسى الذي ازداد قلقه و استشعاره منذ مدة.

في العادة؛ ندخل مكان اللقاء وننتظر ولكن هذه المرة دخلنا و إذا به في انتظارنا... حيّا والدته، وكان سعيداً جداً بها.

«الحمد لله رب العالمين» هي سيدة الكلمات السحرية التي كان يكررها علينا منذ زيارتنا الأولى له جريحاً وسجيناً. أما الكلمة الأخرى الأكثر تكراراً على لسانه فكانت رغبته في أن يلقى الله شهيداً تكررت وتكررت... طلبها فنالها.

أجابنا عن أحواله بكلمته الأكثر تكراراً: «الحمد لله أنا بخير ولا تقلقوا». و يطمئننا على إعاقته ورجله المشلولة. ثم أبلغناه سلام محبيه في الجملة وبالأسماء، لمن كان يوصينا كما في كل مرة وكان يبادل بذات الشعور ويسأل عنهم.

رفع يديه بالدعاء للمحكومين الستة وذكرهم اسماً اسماً؛ المرهون، والابن علي، والزاهر والشيوخ، والربح، والصويمل.

زاره وفد من المدينة قبل أسبوع وناقشوه في مفهوم التعايش بين المسلمين أجابهم: «التعايش ضرورة وحاجة إنسانية...» وقال أيضاً: «التعايش موجودٌ في منطقتنا حتى دخل الهمز واللمز في الإعلام والمناهج». استمر النقاش ساعتين.

تحدث عن أهمية القرآن الكريم تدبراً وتلاوة وحفظاً، لم يبق على حفظ القرآن إلا يسيراً و لربما أتمّه في شهره الأخير.

همست في إذنه ونحن خارجون: إنّ كلاماً يدور لمعالجة ملف المحكومين، فرد قائلاً: «دعوني

وعالجوا ملف الباقين». وأضاف هامساً: «أنت والمحامي؛ الدكتور صادق الجبران، مُخولان بكل شيء، إلا أنّ كرامتي أغلى من حياتي فلا تقربوها».

خرجنا الساعة ١:٣٠ مع التوديع المشفوع - كالعادة- بأمل اللقاء القادم.

شقيقي جعفر همس متشائماً: إنّه اللقاء الأخير...!


ارسل لصديق