ظاهرة الفقر والإعلام والذكي
كتبه: محمد صبيح العبودي
حرر في: 2012/09/24
القراءات: 1496

كم هي مؤسفة ظاهرة الفقر والفاقة في مجتمعنا الاسلامي بشكل عام..! وكم هو مؤلم منظر الفقير وصاحب الحاجة، سواءً الى المال او العلاج او السكن، وغيرها من ضرورات الحياة.. فهذا يدلّ على نقيض ما نقرأه ونؤمن به من تعاليم سمحاء لديننا الحنيف، ونقيض تربية أهل البيت عليهم السلام، بالعمل على مكافحة هذه الظاهرة بشكل كامل، ليعيش الناس كلهم في حالة من الكفاف .
نعم؛ الجميع يرغب من كل أعماق قلبه بوضع حد نهائي لحالة العوز والحاجة التي يعاني منها البعض، لكن القليل – مع الأسف- من يجد الطريق الصحيح لذلك، والسبب في ذلك – حسب اعتقادي- هي حالة التسرّع و(الاستعجال) في العمل، وأن نجد ثمرة اعمالنا سريعاً.. واذا اردنا تسليط الضوء على بعض الطرق الصحيحة والكفيلة بإزالة هذه الوصمة السيئة من وجه مجتمعنا، فهذا بحاجة الى حيّز أكبر مما هو مخصص لنا في هذه الصفحة، لذا أجد عليّ لزاماً أن أسلط الضوء على طريقة واحدة، اصبحت ظاهرة فرضت نفسها على سائر الحلول، وهي بالحقيقة تعود علينا بنتائج عكسية، ربما لا نلمس آثارها في الوقت الراهن. فعملية نشر صور الفقراء والمحتاجين من شرائح مختلفة، في وسائل الاعلام المتعددة والسريعة الانتشار، و تسليط الضوء بشكل محدد على الطفل والمرأة، لها آثار سريعة في الواقع الاجتماعي، من الناحية النفسية، والاخلاقية وحتى الدينية، وواضح أن هدف القائمين على هذا الجهد الاعلامي، سواءً من يعملون على مواقع (النت) او في القنوات الفضائية او المطبوعات المختلفة، هو إيصال الحالة السلبية الى أوسع دائرة ممكنة من المجتمع، على أمل تحفيز الناس للمبادرة على مساعدة الفقراء. ومن خلال هذه الطريقة، نشطت مؤسسات، ونجحت أعمال ومشاريع كثيرة، بل وكبر بعضها وتوسع في المجتمع، ونال عدد كبير من المحتاجين انواعاً مختلفة من المساعدات العينية والمالية، بلغت مستوى العلاج الباهظ الثمن، وتوفير السكن، وغيرها.
لكن علينا ان ننتبه الى مسألة مهمة، الى جانب أهمية حاجة الانسان المؤمن المادية، فهو ربما يطلب من أخوانه المؤمنين سد حاجته في علاج مريض له مشرف على الموت، او سقف يؤيه، او توفير راتب شهري له وغير ذلك، وهو في ذلك مضطر ومدفوع قسراً من حاجته، وإلا؛ فان الانسان مكرم بالفطرة الالهية، ومحب للعزّة والكرامة والحفاظ على ماء الوجه، فلو كان يرى ان بامكانه تسيير أموره بالقدر الممكن، ما أضطر لأن يعلن حاجته الى الآخرين. بمعنى انه لم يضع حاجته أمانة في رقبة اخوانه المؤمنين، بقوله: اني محتاج... إنما وضع كرامته وماء وجهه أمانة في عنقهم.
واعتقد اننا لو نلتفت قليلاً على سيرة أهل البيت عليهم السلام، يكون كلامنا اكثر دقّة، وهي غير بعيدة عنّا، لكن المشكلة أحياناً ان المشاغل والمتابعات هنا وهناك، تنسينا الدروس والعبر البليغة التي قدمها لنا الأئمة المعصومون، وايضاً الرسول الاكرم والصديقة الطاهرة صلوات الله عليهم... وما حكاية "الجراب" وآثارها على ظهور اكثر من إمام من أئمتنا، إلا شاهد بسيط ، ونقطة مضيئة في مسيرة عملنا، بل وعمل المجتمع كله لرفع حالة العوز والحرمان من المجتمع. فهل الاسلوب الذي اتبعه الأئمة المعصومون أخفى حالة الحرمان والفقر في المجتمع، وجعلها على حالها دون حل؟ ألا يكون مجرد سؤال الايتام والارامل والفقراء عن الأئمة بعد استشهادهم، واكتشاف الناس أنهم هم الذين كانوا يضعون الطعام والمساعدات على ابواب المحتاجين ليلاً، خير وسيلة لمكافحة الفقر في المجتمع؟
وهنا سؤال أجدني ملزماً بطرحه.. لنفترض لا يوجد هنالك (انترنت)، ولا قنوات فضائية ولا كل هذه الوسائل السريعة للنشر، ألا يجب على كل مؤمن في كل مكان الالتفات الى الفقراء والمحتاجين القريبين عليه؟ وهل ان للايتام والارامل والمحتاجين حيّاً خاصاً بهم، بعيداً عن الآخرين؟ 
ربما يقول البعض، ان تحصيل المساعدات للمحتاجين أمر صعب، يسهّله الاعلام، لكن أقول: ان كرامة الناس أهم و أولى، فأين "صدقة السر تطفئ غضب الرب"؟ وهنا تكمن مسؤولية الاعلام، وجميع الاخوة والاخوات المؤمنات اصحاب المبادرات الخيّرة والايادي البيضاء، أن يكونوا اذكياء في العطاء والإحسان.. هكذا علمنا أهل البيت عليهم السلام، ليكون مجتمعنا غنياً وكريماً في آن واحد.

محمد صبيح العبودي

ناشط في إحدى المؤسسات الخيرية



ارسل لصديق