«العربون» والتطبيقات القانونية الصحيحة
كتبه: محمد جواد منذور
حرر في: 2016/03/21
القراءات: 1071

ان عقود المعاوضة ممتدة في الزمن منذ القدم وحتى يومنا هذا فهي تدخل في معظم اتفاقاتنا كالمأكل والملبس وغيرها من العقود التي نبرمها يوميا، الا انها ليست كلها بهذه البساطة كشراء عقار او عقود استصناع او غيره من العقود التي تستلزم وقتا من التفكير والتنفيذ، وبما ان العقود هي عقود معاوضة فأطرافه تسعى الى تحقيق الأرباح وعدم الوقوع في الخسارة لذا فأوجدت أنماطاً عقدية عديدة يلجأ اليها المتعاقدون ومن هذه الوسائل؛ (العربون)، فقد يتفق المتعاقدان في مثل هذه العقود على جميع المسائل الجوهرية ويبرمان العقد، فيدفع احدهما الى الآخر مقدارا معينا من المال كعلامة لإبرام العقد وجُعل باتّاً او كتعويض عن النكول في التعاقد يعرف بـ(العربون).

وللوقوف على معنى العربون ودلالته القانونية نجد من المناسب مناقشة الموضوع في فقرتين:

نبحث في الأولى، مفهوم ومعنى العربون في الفقه القانوني والتشريعات الوضعية لاسيما العراقي والمصري، فيما نبحث في الثانية حكم العربون في تلك التشريعات.

 

أولاً: مفهوم العربون

التشريعات العراقية والمصرية، مثل سائر التشريعات الأخرى، تخلت عن اعطاء تعريف جامع مانع للعربون، تاركة أمر ذلك الى الفقه القانوني، فيما ركزت تلك التشريعات على دلالته القانونية، أي وظيفته وأحكامه، ونحن لا نرغب هاهنا في الخوض بتفاصيل معنى العربون ولكن نقدم موجزاً مختصرا لفهم معناه اللغوي والاصطلاحي:

1ـ معنى العربون في اللغة

جاء في لسان العرب: «لم نعثر على معنى واضحا بما يتداوله الناس اليوم لمعنى العربون اليوم»، اذ جاء فيه «العربون، والعربان: الذي تسميه العامة الأربون، تقول منه عربنته إذا أعطيته لك»(1)، اما قاموس المحيط وهو من القواميس الحديثة العهد، فذكر معناه على أن «العربان والعربون بضمهما، والعربون محركة وتبدل عينهن همزة، ما عقد به المبايعة من الثمن»(2)، فيما جاء في المصباح المنير أن «العربون بفتح العين والراء، هو أن يشتري الرجل شيئا، أو يستأجره، ويعطي بعض الثمن أو الأجرة ثم يقول إن تم العقد احتسبناه وإلا فهو لك»(3).

2ـ معنى العربون في الإصطلاح القانوني

أما معنى العربون في الاصطلاح، فذهب في تعريفه القانونيون الى اتجاهين؛ يرى الاتجاه الأول انه عبارة عن مبلغ للإلزام بالتعاقد فإن تم العقد عد جزءاً من التنفيذ وان لم ينعقد، فيكون تعويضاً للنكول، اذ يرى هذا الفريق العربون عبارة عن: «مبلغ من المال يدفعه أحد المتعاقدين إلى الآخر وقت التعاقد، فإن تم التعاقد حسب المبلغ المدفوع من جملة ما هو متفق عليه، وإذا لم يتم التعاقد خسر من عدل قيمة العربون»(4).

أما الإتجاه الثاني، فيرى في العربون انه دليل على انعقاد العقد وكونه باتّاً، فيعرّفه على انه: «مبلغ من النقود يدفعه أحد المتعاقدين للآخر عند إبرامه العقد وذلك للدلالة إما على أن العقد أصبح باتّاً لا يجوز الرجوع فيه، وإما على انه لكل منهما حق العدول عن العقد مقابل خسارة قيمة العربون، وأكثر ما يحصل ذلك في عقد البيع وعقد الإيجار»(5).

وهنالك توجه آخر يؤيد الاتجاه الثاني في كونه عبارة عن جعل العقد باتّاً لا يمكن الرجوع عنه إلا انه لم يحصره في مبلغ من المال، اذ يرى امكانية ان يكون أي شيء مثلي آخر فيقول فيه انه: «مبلغ من المال، أو أي شيء مثلي آخر يدفعه أحد المتعاقدين للآخر وقت إبرام العقد، إما للتأكيد على أن لكل من الطرفين الحق في العدول عن العقد في مقابل تركه ممن دفعه، أو رده مضاعفا ممن قبضه، وإما للتأكيد على أن العقد الذي أبرماه أصبح باتا لا يجوز الرجوع فيه»(6).

وبذلك نفهم ان العربون قد يكون تعويضاً او غرامة على النكول في إبرام العقد كما انه قد يكون دليلا ان العقد اصبح باتّاً كذلك، كما أن القانونيين اختلفوا في حصره بمبلغ من النقود او اي شيء آخر.

 

ثانياً: دلالة العربون في التشريعات الوضعية

من خلال ما تقدم تبين لنا ان الفقه القانوني لم تتوحد كلمته تجاه مفهوم العربون وهذا الاختلاف أدى الى انقسام التشريعات الوضعية تجاهه أيضاً، اذ إن القوانين تختلف في الأخذ بدلالة دون أخرى من دلالات دفع العربون، فمنها ما اخذ بفكرة التأكيد ومنها ما أخذ بفكرة تمكين المتعاقد من العدول:

1ـ العربون حق للعدول

إن التشريعات الوضعية تترأسها في الغرب، القانون الفرنسي، وفي القوانين العربية، يتقدمها القانون المدني المصري اذ تنص المادة (103) منه على ان «دفع العربون وقت ابرام العقد يفيد ان لكل من المتعاقدين الحق في العدول عنه، فاذا عدل من دفع العربون، فقده، واذا عدل من قبضه رد ضعفه، هذا ولو لم يترتب على العدول أي ضرر»(7)، ويقصد بالعدول هنا، تعبير المتعاقد عن رغبته في عدم تنفيذ الالتزام دون تقديم مبررات وذلك لأنه حق إرادي يمكن صاحبه من التحلل من العقد بإرادته المنفردة، حيث يتم الاتفاق مقدما بين الطرفين على منح هذا الحق لكِلا المتعاقدين فيكون بالخيار بين استعماله من عدمه خلال المدة المحددة. فالحق المنبثق عن العربون حق إرادي يعتمد على إرادة صاحبه بحيث تكون له مكنة القضاء على العلاقة التعاقدية بمقتضى إرادته، دون أن يكون للطرف الآخر المعارضة في ذلك ولا تكون لإرادته في رفض العدول أي أثر قانوني.

2ـ العربون دلالة على تنفيذ العقد

 أما التشريعات الجرمانية المتمثلة في جانبها الغربي بالقانونَين الألماني والسويسري(8)، ونحى منحاه في الجانب العربي، القانون المدني العراقي فيما يتعلق بدلالة العربون اذ تنص المادة (92) منه في فقرتها (1) على انه «يعتبر دفع العربون على ان العقد اصبح باتا ولا يجوز العدول عنه الا اذا قضى الاتفاق بغير ذلك»(9)، وبذلك نجد هذا التوجه عَدَّ العربون كدلالة على ان العقد أصبح باتّاً وان ما دفع هو تنفيذ جزئي لالتزامات المتعاقد، فلا يجوز لأي من المتعاقدين العدول عن العقد، وان امتنع أحد المتعاقدين عن تنفيذ باقي التزاماته دون عذر قانوني جاز للطرف الآخر المطالبة بالتنفيذ العيني أو الفسخ، إضافة الى التعويض ان كان له مبتغى، اذ ان التعويض هنا غير مرتبط بالعربون فقد يزيد عنه او ينقصه، فإن ذلك مرتبط بمقدار ما يؤديه عدم التنفيذ من ضرر الى المتعاقد الآخر.

ومن خلال ما تقدم يمكن القول ان القانون العراقي كان أقرب الى العدالة القانونية في جعل العربون دلالة على كون العقد باتاً فالتعويض يجب ان يكون مقدراً بحسب الضرر، فلا تعويض من دون ضرر، ويوضح ذلك نص المادة (170) من القانون المدني العراقي اذ تذكر في فقرتها الثانية «ولا يكون التعويض الاتفاقي مستحقاً اذا اثبت المدين ان الدائن لم يلحقه أي ضرر ويجوز تخفيضه اذا ثبت المدين ان التقدير..».

ويتضح لنا من مناقشة الاتجاهين ان نصوصه في هذا الشأن ليست قواعد آمرة لا يمكن الاتفاق خلافها، بل إنما هي قواعد تفسيرية مكملة، يتم اللجوء إليها اذا سكت المتعاقدان عن بيان نيتهما من العربون، أما اذا كان هنالك اتفاق صريح او ضمني بخلاف ما تقدم من نصوص سواء في القانون المصري او القانون العراقي فإن هذا الاتفاق يكون مقدما على القانون اذ تنص الفقرة (2) من المادة (92) من قانون المدني العراقي «فإذا اتفق المتعاقدان على ان العربون جزاء للعدول عن العقد كان لكل منهما حق العدول، فان عدل من دفع العربون وجب عليه تركه وان عدل من قبضه رده مضاعفاً»، وهذا نص واضح وصريح على امكانية الاتفاق على خلاف ما أقرته الفقرة الأولى من ذات المادة.

--------------

1- أبو الفضل محمد بن مكرم بن منظور لسان العرب دار إحياء التراث العربي بيروت 1996 الجزء 9 ص 119.

2- مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز أبادي القاموس المحيط دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان 1991 الجزء الأول ص 253.

3- عبد الحكم فودة الوعد والتمهيد للتعاقد والعربون وعقد البيع الابتدائية دار الفكر العربي القاهرة 1992 ص 144 هامش 1.

4- عبد الرزاق السنهوري الوسيط في شرح القانون المدني ( الجزء الأول مصادر الالتزام) دار إحياء التراث العربي بيروت ص 259.

5- أسعد فاضل منديل الجياشي محاضرات الالتزامات لطلبة كلية الحقوق جامعة النهرين

6- محمد شريف أحمد مصادر الالتزام في القانون المدني دراسة مقارنة بالفقه الإسلامي دار الثقافة للنشر والتوزيع لبنان 1999 ص 66.

7- ويوافقه في ذلك القانون الجزائري والسوري والليبي والأردني.

8- أسعد فاضل منديل الجياشي مصدر سابق.

9- ويوافقه في ذلك القانون التونسي والقانون المغربي.


ارسل لصديق