من هدى القرآن
من آيات الحج
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2012/09/25
القراءات: 1425

*ما المراد بالحج؛ لغةً واصطلاحاً؟

- الحج ـ في اللغة ـ هو القصد على وجه التكرار؛ وفي الاصطلاح قصد بيت الله الحرام والمشاعر المقدسة لاداء أعمال مخصوصة هناك في برهة زمنية معينة.

 

أول بيت للعبادة

*صريح قوله تعالى: "إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ" (سورة آل عمران/ 96) هو ان الكعبة للناس ، في حين اننا نرى بأنها للمسلمين فقط؛ أليس كذلك؟

- ان بيت الله الحرام رمز وحدة الرسالات؛ لانه كان قبل كل بيوت العبادة وفي بيت الله الحرام اكثر من آية بينة تدل على ان بيت الله الاول؛ ومن ابرز تلك الآيات، مقام النبي ابراهيم عليه السلام، تلك الصخرة التي كان يقف عليها لبناء البيت؛ و وجودها وتكريم الناس لها، بالصلاة لله عندها، لدليل على أن باني البيت هو هذا النبي العظيم.

وكان بيت الله الحرام اول بيت لعبادة الله سبحانه؛ عبادة خالصة لا شائبة فيها من تقديس غير الله؛ من قوم ، او عنصر، او لون، او أية صبغة بشرية اخرى.

وهكذا ، كان هذا البيت للناس جميعاً؛ أي للعالمين: أسودهم و أبيضهم، أعجميهم وعربيهم، العاكف منهم القريب، والباد منهم البعيد، فهو بيت الجميع؛ كلهم فيه سواء.

 

أشهر الحج

*تصرح الآية الكريمة بأن: " الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ" (سورة البقرة /197) ، فما هي هذه الاشهر بالتحديد؟

ـ هذه الاشهر هي: شوال ، وذو القعدة، وذو الحجة؛ فلا يمكن ان يبدأ المسلم حجه قبل شهر شوال ولا ان يؤخره عن موسم الحج في شهر ذي الحجة؛ كما كانت عادة الجاهلية "النسيء".

 

إتمام الحج

*لماذا ورد التأكيد على إتمام الحج، وان يكون لله تعالى في قوله: "وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ" (سورة البقرة/ 196)، في حين ان كل عبادة يجب ان تكون خالصة لله تعالى؟

ـ يبين ربنا حدود الحج؛ وأبرزها إتمامه لله. فالحج شريعة إلهية وعلينا ان ننوي بها رضوان الله تعالى ، ولا نؤديها رياءً، او سمعة ، او بهدف العلو في الارض والفساد.

وهكذا نعرف ان كل اعمال الحج يجب ان يستقبلها قصد التقرب الى الله؛ ابتداءً من الاحرام الذي هو اساسه عقد بالقلب وحتى النسك ورمي الجمار.

ولا يجوز ترك الحج (او العمرة) بلا سبب؛ بل يجب الاستمرار فيها و إتمامها؛ وهذا واجب اساسي في الحج.

 

مضطر الترك

*ماذا لو اضطر المسلم الى ترك الحج؟

ـ لا يجوز ترك الحج إلا عند ألاضطرار قبل الحصر بسبب المرض ، وعندئذٍ ، يجب بعث الهدي الى حيث يذبح، ولا يجوز الحلق (والخروج من الاحرام ) إلا بعد ان يبلغ الهدي محله (مكة في العمرة ، ومنى في الحج)؛ وذلك قوله تعالى: " وإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ" (سورة البقرة/ 196).

 

مصاديق الاستطاعة

*واضح من قوله تعالى: "مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا" (سورة آل عمران/ 97)، بأن الله سبحانه خفف بفضله على المسلمين اذ شرط الاستطاعة في وجوب الحج؛ فما هي حدود ومصاديق هذا الشرط؟

ـ الاستطاعة شرط مفهوم عند الناس وتتغير مصاديقها حسب كل زمان وكل بقعة وكل شخص؛ فمتى عرف الانسان من نفسه القدرة على الوفادة الى بيت الله الحرام، وتوافرت عنده صحة البدن وسلامة الطريق، وما يبلغه الى البيت من الزاد والراحلة وما يعود به الى اهله من كفايته فلا يفتقر بعد الحجة الى احد في معاشه، وجب عليه الحج لأنه يستطيع الى بيت الله سبيلا.

 

تنمية التقوى

*يمنع على الحاج الرفث والفسوق والجدال في الحج لقوله تعالى: " فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ "(سورة البقرة/ 197)، فما هي معاني هذه المفردات ؟ ولماذا منع الحاج منها؟

ـ انها من المحرمات الرئيسية التي يجب على المحرم ان يتركها.

أ ـ الرفث؛ وهي مباشرة النساء وقد حرم الشرع مقدمات المباشرة أيضا.

ب ـ الفسوق؛ وهو التفاخر والتعالي على بعضهم بكل وسيلة.

ج ـ الجدال؛ وقد حدده الشرع بالقسم بأن يقول: "لا والله"؛ أو "بلى والله"، وذلك في مقام رد كلام الآخرين، أو اثبات كلامه لهم.

وخلال مدة الحج، يجب ان يتغير الانسان بهذه الأمور والهدف منها: تنمية روح التقوى في النفوس.

ويحتاج المسلم الى التزود بالتقوى لسفر ألآخرة وهو أطول وأوحش من اسفار الدنيا كلها.

ان افضل ما نتزود به: التقوى والالتزام بما اوجبه الله تعالى علينا؛ انه الزاد الوحيد الذي ينفعنا في ذلك الطريق الطويل، وذلك قوله تعالى "وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ"(سورة البقرة/ 197).

 

*ألا نحتاج الى التقوى في أسفار الدنيا ايضاً؟

ـ ان التزود بالتقوى لا يختصّ بالآخرة ، بل يشمل أسفار الدنيا ايضاً.

ان رحلتنا الشاقة في الدنيا بحاجة الى زاد؛ بحاجة الى عقل وإرادة و مثابرة، والتقوى هي التي تعطينا هذه الصفات المثلى والضرورية للحياة الدنيا.

ان الذين لا يتسلحون بالتقوى، فأية مشكلة في الحياة يمكنها ان تصدّعهم، وتحول حياتهم الى جحيم.

 

التمحور حول الايمان

*على المسلم ان يذكر الله دائما، و لاسيما في اثناء مناسك الحج، فلماذا جاء الامر بذكر الله عند المشعر الحرام بالتحديد في قوله تعالى: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ)، (سورة البقرة/ 198).

ـ المشعر الحرام او (المزدلفة) موقف يقع داخل حدود حرم المسجد الحرام، ملتصق بمنى جغرافياً، ويبتعد عن عرفات بضعة كيلومترات.

وكان المشعر الحرام في الجاهلية، موقعاً للمباراة الفكرية بين القبائل التي كانت تهتم بعنصريتها وعصبيتها اكثر من اهتمامها بالشعائر الدينية؛ فكانت كل قبيلة تحيي ليلة المشعر بالإشارة الى أمجادها الغابرة وتعرّض بالقبائل الأخرى فأمرهم الله بان يتمحوروا حول الايمان بالله وينسوا خلافاتهم العصبية والعنصرية؛ وذلك بقوله: (َاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ)، (سورة البقرة/ 198).

 

"الصفا" و "المروة"

*من المعلوم ان جميع مواقف الحج من شعائر الله، فلماذا خصّ تعالى "الصفا" و "المروة"  بهذا الوصف في قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (سورة البقرة/ 158)؟

ـ "الصفا" و"المروة" جبلان؛ اخذت السيدة هاجر ـ زوجة النبي ابراهيم عليه السلام تطوف بينهما طلباً للماء لإبنها الرضيع ، اسماعيل. وعندما اكملت سبعة اشواط من طوافها بين الجبلين ، وجدت آثار الماء تحت قدمي ولدها إسماعيل فشرّع الله السعي بين هذين الجبلين تخليدا لذكرى "هاجر" ورمزاً لسعي الانسان في سبيل الله.

بيد ان المشركين وضعوا حجرين على الصفا والمروة ، واختلقوا لهما قصة خرافية، وأخذوا يعبدونهما ويسعون من اجلهما.

وظن بنو اسرائيل ـ وتأثر بهذه الشبهة بعض المسلمين ـ ان الطواف بين الجبلين اصبح وهماً لمجرد ان الجاهلين وضعوا عليهما صنمين؛ فجاءت الآية تنفي هذا الاعتقاد، وترفع تحرّج المسلمين من أنّه شيء صنعه المشركون

 

ليشهدوا منافع لهم

*في قوله تعالى: "لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ" (سورة الحج /28) ما المراد من المنافع التي يشهدها الحجاج؟

ـ ان الهدف الحياتي الاول هو ان يشهد الحجاج منافع لهم؛ حيث يتعارفون، ويتعاونون ويتبادلون التجارب، ويديرون التجارة ويتشاورون في ما ينفع بلادهم، ويتّحدون ضد اعدائهم.

 

الكعبة: القبلة

*الحديث عن الكعبة حديث عن القبلة؛ فلماذا لا توجد قبلة واحدة لكل المنتمين الى رسالات الله ؟ أليس ذلك من الافضل؟

ـ بلى؛ ولكن المشكلة ان كثيراً من هؤلاء المنتمين الى رسالات الله من غير المسلمين قد ادخلوا أهواءهم في الدين، فلذلك يغيرون الدين حسب هذه الاهواء. وفي ذلك يقول تعالى: "وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ"(سورة البقرة/ 145)، لأنهم يحرفون رسالات السماء بأهوائهم ومصالحهم. وعليك ـ يارسول الله- ان تتصلب في اتباع الحق، ولا تستسلم لضغوط اهل الكتاب؛ لأنك صاحب الحق والعلم: "وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ" (سورة البقرة/ 145).


ارسل لصديق