إضاءات في منهج التدبر في القرآن الكريم
صفات نفسية و عقلية لابد منها
كتبه: السيد سجاد المدرسي
حرر في: 2012/09/25
القراءات: 1956

بعد ان فتحنا منافذ عقولنا، ومسامع قلوبنا على آيات الذكرالحكيم و روايات الأئمة الطاهرين في بيان مقام القرآن الكريم ، تحصّل لنا انه رسالة حضارة وكتاب دين ومنهاج حياة، فلا يمكن للامة – بأي حال من الاحوال- ان ترغب عنه الى غيره ، لان في هذا الامر ضياع لهويتها واندثار لحضارتها وسلب لدينها، وحينها يكون الموت خيراً لها من الحياة.

إلا ان السؤال المطروح أمامنا، يكمن في المنهجية المُثلى في التعامل مع القرآن الكريم، فكيف يمكننا ان نستفيد منه الاستفادة الكافية لترفعنا تعاليمه من حضيض الجهل والتخلف؟

في الحقيقة؛ لكل علم ومنهج، طريقة للتعامل معه و فهمه، فحين يبدأ الانسان بدراسة منهج الرياضيات مثلاً، فانه يبدأ مشواره مع هذا المنهج بتعلم قواعده التي ستبقى معه حتى النهاية، من جمع وتفريق وضرب وتقسيم، وهكذا الذي يبتدأ بدراسة الكيمياء، فان واضع المنهج، يفتح امامه طريقاً للتعامل معه، فلابد له من دراسة العناصر الكيميائية ومعرفة رموزها و...

بمعنى ان واضع المنهج يرسم الطريق لفهم المنهج، وهذا ان كان ينطبق على العلوم الطبيعية ومناهجها،  فانه ينطبق على القرآن الكريم أيضا، بل انطباقه على القرآن الكريم اولى من انطباقه على سائر العلوم، اذ انه كتاب منزَّل من قبل حكيم عليم ، فهو الذي يرسم لنا طريقة فهمه والتعامل معه.

ومن هنا نجد خطأ من رسم لنفسه طريقاً لفهم القرآن الكريم بعيداً عن المنهجية الموضوعة من قبل القرآن الكريم نفسه، كمن قال بلابدية فهم فكر "ماوتسي تونغ" للتمكن من فهم القرآن، او الاخر الذي ادعى عدم فهم القرآن الكريم الا من خلال منهج "ارسطو".

والمنهج الذي يرسمه القرآن الكريم لنا، انما هو منهج التدبر في آياته ، حيث يقول تعالى:  (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْباب‏)[1] ، ويقول ايضاً: (أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ القرآن وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فيهِ اخْتِلافاً كَثيرا)[2] ، وفي الحديث عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عليه السلام، ‏ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى‏ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ‏ قَالَ:  (يُرَتِّلُونَ آياتهِ وَ يَتَفَهَّمُونَ مَعَانِيَهُ وَ يَعْمَلُونَ بِأَحْكَامِهِ وَ يَرْجُونَ وَعْدَهُ وَ يَخْشَوْنَ عَذَابَهُ وَ يَتَمَثَّلُونَ قِصَصَهُ وَ يَعْتَبِرُونَ أَمْثَالَهُ وَ يَأْتُونَ أَوَامِرَهُ وَ يَجْتَنِبُونَ نَوَاهِيَهُ مَا هُوَ وَ اللَّهِ بِحِفْظِ آياتهِ وَ سَرْدِ حُرُوفِهِ وَ تِلَاوَةِ سُوَرِهِ وَ دَرْسِ أَعْشَارِهِ وَ أَخْمَاسِهِ حَفِظُوا حُرُوفَهُ وَ أَضَاعُوا حُدُودَهُ وَ إِنَّمَا هُوَ تَدَبُّرُ آياتهِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى‏ كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتهِ‏)[3].

والتدبُّر يعني اعمال الفكر في عواقب الامور ومآلاتها، ومن هنا فان معنى التدبر في القرآن الكريم يعني إعمال الفكر معمقاً في الآيات المباركات.

إلا ان ذلك لا يعني ان كل شخص بما يحمل من افكار مسبقة، واراء مختلفة، يجلس على مائدة القرآن الكريم لينتقي منها ما يتوافق مع آرائه وافكاره واهوائه بحجة التدبر، بل يعني التخلّي من كل المسبقات الفكرية والاهواء الشخصية والجلوس على مائدة القرآن بكل اخلاص وتواضع.

ومن هنا فإن هناك صفات نفسية وعلمية وبالتالي شروطاً موضوعية لابد ان تتكامل في شخص المتدبر في القرآن الكريم ليكون تدبره نافعاً وصحيحاً، وإلا فلا يؤمن الارتطام بمحذور التفسير بالرأي المحرم شرعاً والعياذ بالله.

صفات المتدبر:

أ‌-   الصفات النفسية

للحالة النفسية تأثيرٌ كبير في اسلوب تعامل الانسان مع الحياة، ومع ما حوله من حقائق، فنجد آيةً ترشد الانسان الى الطريق، وتُظل شخصاً آخر، في حين إنها هي الآية نفسها، فآيات القرآن الكريم، هُدىً ونور، لكن للنفوس المؤمنة والمحسنة، بينما هي ظلال وخسران لمن كان ظالماً لنفسه، ومن هنا نجد ضرورة التحلّي ببعض الصفات النفسية للاستفادة من القرآن الكريم وهذه الصفات هي:

اولاً: الايمان بالقرآن على انه كتاب اوحى به الله، رب السماوات، ليكون لعباده بشيراً ونذيراً، وهادياً الى الحق بإذنه وسراجاً منيراً.

فلابد ان يقرأ الانسان القرآن ويعتبره خطاباً مباشراً من رب العزة والجلالة لنفسه ، فهو وثيقة ارتباطنا بالمبدء المعيد ، الرب عزوجل ، فقد جاء في الحديث الشريف عن الامام الصادق عليه السلام : (مَنْ قَرَأَ القرآن وَ لَمْ يَخْضَعْ لِلَّهِ وَ لَمْ يَرِقَّ قَلْبُهُ وَ لَا يُنْشِئُ حَزَناً وَ وَجَلًا فِي سِرِّهِ فَقَدِ اسْتَهَانَ بِعِظَمِ شَأْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِينا..) وفي الحديث اشارة واضحة الى ضرورة الاستعداد النفسي لتلقى الهدى الذي تدعو اليه آيات الذكر، ثم يقول الامام عليه السلام : (فَقَارِئُ القرآن مُحْتَاجٌ إِلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ قَلْبٍ خَاشِعٍ وَ بَدَنٍ فَارِغٍ وَ مَوْضِعٍ خَالٍ فَإِذَا خَشَعَ لِلَّهِ قَلْبُهُ فَرَّ مِنْهُ الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏ فَإِذا قَرَأْتَ القرآن فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ‏ فَإِذَا تَفَرَّغَ نَفْسُهُ مِنَ الْأَسْبَابِ تَجَرَّدَ قَلْبُهُ لِلْقِرَاءَةِ وَ لَا يَعْتَرِضُهُ عَارِضٌ فَيَحْرِمَهُ بَرَكَةَ نُورِ القرآن وَ فَوَائِدَهُ فَإِذَا اتَّخَذَ مَجْلِساً خَالِياً- وَ اعْتَزَلَ عَنِ الْخَلْقِ بَعْدَ أَنْ أَتَى بِالْخَصْلَتَيْنِ خُضُوعِ الْقَلْبِ وَ فَرَاغِ الْبَدَنِ اسْتَأْنَسَ رُوحُهُ وَ سِرُّهُ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ وَجَدَ حَلَاوَةَ مُخَاطَبَاتِ اللَّهِ تَعَالَى عَزَّ وَ جَلَّ عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ ... فَانْظُرْ كَيْفَ تَقْرَأُ كِتَابَ رَبِّكَ وَ مَنْشُورَ وَلَايَتِكَ‏ وَ كَيْفَ تُجِيبُ أَوَامِرَهُ وَ تَجْتَنِبُ نَوَاهِيَهُ وَ كَيْفَ تَتَمَثَّلُ حُدُودَهُ فَإِنَّهُ كِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ...)[4]

ثانياً: وتنشأ من صفة الايمان بالقرآن الكريم، صفة نفسية حسنة اخرى هي : الاستعداد التام لتطبيق آياته المباركات عملياً. ان هذه الصفة شرط هام في فهم آيات الله، اذ ان التسليم المسبق لنتائج البحث عن الحق يساعد النفس على البحث المجرد، بعكس الاستكبار والتردد في قبول نتائج البحث العلمي، اذ انه يقلل من قيمة هذا البحث عند الانسان وبالتالي يصرفه عنه.

من هنا كان على الانسان ان يجعل القرآن امامه ويسلم اليه زمام أمره قبل ان يبدأ بتلاوة آياته ، حسبما يصف الامام عليه السلام المؤمن الصادق فيقول: (قَدْ أَمْكَنَ‏ الْكِتَابَ‏ مِنْ زِمَامِهِ فَهُوَ قَائِدُهُ وَ إِمَامُهُ يَحُلُّ حَيْثُ حَلَّ ثَقَلُهُ وَ يَنْزِلُ حَيْثُ كَانَ مَنْزِلُه‏)[5].

ان فريقاً من الناس يتلون القرآن فيؤولون آياته حسب أهوائهم، ابتعاداً عن العمل بها، ان هؤلاء لا يؤتون فهم القرآن أبداً، بل ان تلواة القرآن ستزيدهم وزراً ووبالاً.

انما يؤتى علم القرآن من تواضع للحق، وسلم لله ، وفتش عن الواقع، واستعد سلفاً لاتباع الحقيقة لو انكشفت له.

ب- الصفات العقلية

ان اهم الصفات العقلية التي لابد ان يتحلى بها المتدبر في القرآن الكريم هي:

اولاً: التركيز

فتركيز شعاع الشمس عبر زجاجة مقعرة، هو الذي يسبب في تحويل الشعاع المتراكم الى طاقة قوية، وكذلك تركيز شعاع الفكر نحو نقطة معينة سيضاعف من فاعلية الفكر ويكشف الحقائق بوضوح.

وبمقدار أهمية التركيز تكون مدى صعوبته. ان النفس تقاوم التفكّر في أمر واحد، ولكن على الذي يريد الفهم ان يروّض نفسه على صفة التركيز، فيظل يوجه اهتمامه الى شيء واحد عدة لحظات، حتى يعرفه.

ومن هنا نجد الامر من قبل القرآن بترتيل آياته، لكي يتسنى للانسان التفكير في الآيات وامعان النظر في معانيها.

ثانياً: الشجاعة

من شاء العلم وطلب الحصول، عليه أن يتحلى بصفة الشجاعة، ذلك ان عدم الثقة بالنفس يتسبب في بتشكيك الشخص بنتائج بحوثه.

ان الحق يظهر لكثير من الناس، الا ان قليلاً منهم يراه، لأن اكثرهم يهاب رؤيته، ويخاف ان يتعارض الحق مع مسبقاته الفكرية ورواسبه التقليدية، ويخشى ان يتعارض الحق مع افكار مجتمعه وبيئته ، لذلك لا يقترب منه بل يغمض جفنه اذا اقترب الحق منه.

لابد لنا من الاستعداد النفسي للتخلي عن افكارنا السابقة اذا ما اكتشفنا خطأها ، فبروح الشجاعة فقط نستطيع ان كشف الحقائق.

وهناك شروط موضوعية لابد من توفرها في المتدبر في القرآن ليتسنى له الاستفادة من تعاليمه وارشاداته ، وهي ما سنتحدث عنها في العدد القادم ان شاء الله تعالى.

------------------------

[1]  سورة ص : 29

[2]  سورة النساء: 82

[3] مجموعة ورام : ج2،ص 237

[4] مصباح الشريعة : ج 29

[5]  نهج البلاغة : في خطبة له عليه السلام في بيان صفة المتقين وصفات الفساق.


ارسل لصديق