من يدفع العراقيين الى الانتحار؟!
كتبه: رئيس التحرير
حرر في: 2016/04/28
القراءات: 469

انه ليس الانتحار الذي يسلب الانسان حياته ويجعله جثة هامدة، إنما الذي يسلب ارادته وبصيرته ومعنوياته، حتى لا يرى سوى السواد الحالك، ولا يشعر سوى بالعجز عن كل شيء، رغم وجود ما يعارض هذه الحالة المفروضة والمصطنعة، ففي العراق الثروات المعدنية والقدرات الانسانية والعقول وغيرها من عوامل النهوض والتقدم، بيد أن كل هذا أشبه بأجزاء متناثرة لبناء فخم، كل جزء في مكان، تنتظر الارادة والهمّة للاستفادة منها والخروج من هذا النفق المظلم.

لكن كيف يتسنّى للشعب تلمّس طريق النور والأمل عندما يسمع من نائب يفترض انه منتخب من هذا الشعب، وهو يشكك في وطنية رئيس الوزراء ورئيس أعلى سلطة في الدولة، ويعد وجوده مستحيلاً حتى «ليوم واحد لولا الدعم الدولي»؟!

كان من المتوقع ممن يطلق عليهم لقب «مسؤولين» في الدولة أن يتقدموا خطوة بعيدة نحو إحياء روح الأمل وشد العزيمة بعد مرور 13 عاماً على تشكل النظام السياسي الجديد، بغية إزالة بعض - وليس كل - الترسبات مما تركته افرازات الفساد الاداري والمالي وهدر المال العام وتفشي المحسوبية والمنسوبية، وكل بواعث اليأس والاحباط التي ما يزال العراقيون يتخبطون فيها، لكن يبدو أن من الاسقاطات السلبية للإصلاحات القشرية الراهنة، إبقاء الناس فترة أطول في الطريق المسدود، فهم يعيشون حياتهم اليومية مع أزمات الكهرباء والماء والتعليم والبطالة، ثم نسمع الرثاء والتأوه على قلّة التخصصات والتجاذبات السياسية في الوزارات الخدمية.

فماذا يعني هذا...؟

بكل بساطة، يعني أننا نشهد يومياً حالات انتحار معنوية واسعة النطاق في العراق، منها داخل الصفوف الدراسية بسبب التعقيد القاتل والضغوط النفسية الهائلة، لاسيما في المرحلة الاعدادية وكذلك في بعض الجامعات، ومنها على اعتاب المستشفيات او العيادات الطبية الخاصة، هذا فضلاً عن ساعات الظهيرة في فصل الصيف مع انقطاع التيار الكهربائي (الوطني).

إن اصداء هكذا نوع من الانتحار له ميز خاصة، فهو يبقى يتردد لفترة طويلة وبآثار مدمرة، لان الحالة ليست لشخص واحد، إنما هي جماعية، وربما هنالك شريحة لا بأس بها في المجتمع تجد أن أي حديث عن التفاؤل بالمستقبل ضرباً من الخيال والاستغراق في الاحلام الوردية، ومن ثم فهم غير معنيين بأي مشروع تنموي وإصلاحي في طريق التغيير نحو الافضل، مهما كانت النوايا وحجم الجهود المبذولة والقائمين عليه. والنتيجة؛ تكوين شريحة من الاموات من اصناف مختلفة؛ من الابداع ومن الضمير ومن الشعور بالمسؤولية وهكذا...

هذه الشريحة تكون مطلوبة بشدّة من لدن طبقة خاصة من السياسيين الموغلين في الفساد والافساد، فمن بيده معول الهدم، لا يجرؤ على تحريكه اذا كان من حوله يقظاً وحذراً يتابع تحركات المسؤولين الذين انتخبهم، لذا كلما اتسعت رقعة هذه الشريحة في المجتمع، كلما استمتعت حيتان الفساد بمساحة اكبر وابتلاع الاكثر. وحتى نكون بعيدين عن عدوى الاحباط واليأس، نقول: ان فرص التنمية والنهوض ثم التقدم التي أشرنا اليها بداية، كثيرة جداً في العراق، يُضاف اليها القدرات الذاتية المكنونة في الانسان العراقي والقائمة على جذور عميقة من قيم دينية و اخلاقية، كل هذه وغيرها كثير، بإمكانها ان تتضافر وتساعد على نهضة حقيقية في المجالات كافة، وهذا يتطلب بالمقابل تضافر جهود اخرى في مؤسسات الدولة الى جانب مؤسسات المجتمع المدني والكيانات الناشطة في المجتمع، على إنعاش الروح الايجابية بالبحث عن المواهب والطاقات الشابة ومحاولة صقلها وتحفيزها.

في ظل هكذا أجواء مشجعة، فان الانسان العراقي، ليس فقط لن يفكر بالسقوط في وادي اليأس والاحباط، وإنما يكرس تفكيره ونشاطه الذهني نحو الابداع والتطوير واكتشاف فرص جديدة لتقديم حلول لازمات قائمة.


ارسل لصديق