المرشدون في قوافل الحجاج.. مسؤولية شرعية وفرصة تاريخية لإصلاح العقيدة والاخلاق
كتبه: الشيخ عبد الحسن الفراتي
حرر في: 2012/09/25
القراءات: 2251

لقد استجاب الله دعاء خليله عليه السلام، فجعل البيت الحرام كعبة القلوب؛ يتوافد اليها الناس، وتجلب اليها الثمرات من كل بلد. كما جعل الله البيت الحرام، مثابة للناس، كلما زاروه عادوا إليه لما فيه من عطر التوحيد ورَوح الايمان و روحه، وكان اول بيت وضع للناس، فقال تعالى:"إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" (سورة آل عمران/96ـ 97)

نعمة الإسلام

ونستفيد من هذه الآيات المباركات، ونحن في صدد تبيين أهم مهام المرشدين الدينيين في موسم الحج، البصائر التالية:

1ـ ان بيت الله الحرام هو اول بيت لعبادة الله سبحانه وتعالى على وجه الارض، وذلك بشكل خالص لا شائبة فيها، من تقديس غير الله، من قوم او عنصرٍ او لون او أية صبغة بشرية اخرى.

2ـ هكذا كان هذا البيت للناس جميعا اي للعالمين؛ اسودهم و ابيضهم اعجميهم و عربيهم، العاكف منهم القريب، والباد منهم البعيد، فهو بيت الجميع كلهم فيه سواء.

3ـ وفيه البركة لكل الناس، حيث يتوافدون اليه ليشهدوا منافعهم ويتزودوا بالتقوى والطيبات.

4ـ وفيه هدى للناس، حيث يتفقه الوافدون في دين الله الحق، ويزدادون ايمانا وعلماً. أليس فيه ايات بينات من آثار ابر اهيم، ومن اثار الانبياء (ع) ومن تصديق وعد الله بنصر عباده واظهار دينه على الدين كله؟ فهذا مقام ابراهيم (ع) يتخذه الناس حتى اليوم محرابا لصلواتهم ودعائهم تكريما من الله لعبده الوفي ابراهيم الخليل (ع).

5ـ ومن آيات الله سبحانه ان من دخل مكة كان آمناً، حيث جعل الله هذا البيت حرماً آمناً، وحيث يمس كل بشر انى كان جنسه او لونه بالسكينة في جوار بيت الله حتى لو كانت الدنيا تحاربه. ان هذا الاحساس هو من ايات الله سبحانه، ومن اسباب حب الناس لهذا البيت وانسهم به.

6ـ جعل الله على الناس جميعاً ان يحجوا الى بيته الحرام، فكانت تلك الشريعة الهية مفروضة كدين لازم في ذمة كل الناس، ولكن الله تعالى خفف عليهم اذ شرط الاستطاعة في وجوب الحج، فقال :"مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا"؛ والاستطاعة شرط مفهوم عند الناس، وهي تتغير مصاديقها حسب كل زمان وكل بقعة وكل شخص. من هنا فان البيت الحرام هو ميراث النبي ابراهيم (ع) الذي جعله الله للناس اماماً وجعل البيت الذي بناه مثابة للناس و امناً، و اكرمه الله حين امر المسلمين بان يصلوا عند مقامه في ذلك البيت، وكان قد امر ابراهيم واسماعيل ان يطهرا بيت الله من كل رجس ليكون مهيئاً للطواف والاعتكاف و الصلاة، فقال ربنا سبحانه وتعالى :"وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ" (سورة البقرة /125)

فاستجاب الله دعوة النبي ابراهيم في مكة اذ جعلها منطقة آمنة ورزق اهلها من الثمرات، ولكن لم يكن ذلك دليلا على ان اهل مكة هم مبعدون ابدا من الضلالة والكفر فقال سبحانه"وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ" (سورة البقرة/126).

وكان ابراهيم عليه السلام قد سأل ربه بان يريه مناسك الحج، فكانت المناسك من بيان ابراهيم وبهداية الله سبحانه، وكانت خلاصتها الدعاء بالقبول والهداية الى الاسلام، قال الله تعالى"وإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" (سورة البقرة /127)

فنستفيد من هذه الايات ان افضل الدعاء عند بيت الله وبعد التوبة هو الدعاء بأن يجعلنا الله من المسلمين حقاً، من الذين اسلموا لله رب العالمين، وان تبقى حقائق الاسلام في ذريتنا الى الابد.

 

الخلوص لله وحده لا لشيء آخر

ويبين القرآن ان هذا البيت قد وضع لعبادة الله وحده فلا يجوز ان يشرك به غيره، وانه يجب ان يطهر من ارجاس الشرك وكل قذارة، كما يقول تعالى :"وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ" (سورة الحج /26)، ولعل احد معاني الشرك هنا ان يتخذ احد هذا البيت وسيلة لتكريس نفسه وافكاره الخاصة!

ونستفيد من هذه الاية الكريمة ايضا، ان خدمة الحاج تتمثل في الحرص على طهارة البيت، وسقاية الحجيج، وتوفير سبل الراحة لهم، وهي من مسؤوليات ولاة البيت، و انها عمل مطلوب وحميد. كما نفهم من السياق ايضا ان المشرف على هذا البيت كل بيت عبادة يجب ان يكون شخصا ربانياً : نبيناً او وصي نبي او واحداً من اولياء الله الكرام، وهكذا فقد امر الله النبي ابراهيم بإعلان الدعوة الى الحج، قال سبحانه :"وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ" (سورة الحج /27).

وكان القرآن الكريم قد رغّب في الحج ببيان جملة من منافعه الحياتية و الأخروية فقال سبحانه"لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ". (سورة الحج/28).

وهكذا فان الهدف الحياتي الاول هو ان يشهدوا منافع لهم، حيث يتعارفون ويتّحدون ضد اعدائهم، ويتبادلون التجارب ويديرون التجارة ويتشاورون فيما ينفع بلادهم بلاد المسلمين.

ولا يخفى ان تقديم الذبائح لله سنة قديمة، وانه لمن الشعائر المعروفة، ولكن الله تعالى امر بان تُهذب من خرافات الاصنام، وألا يذكر عند إهداء القربان، إلا الله سبحانه وتعالى، وكأن تقديم القربان اشارة الى استعداد الانسان لفداء نفسه وأعز ما يملك، لله تعالى.

 

دور مفصلي للمرشدين

يبقى الارشاد الديني وتواجد المرشدين الدينين، من رجال الحوزات العلمية في صفوف وفود الحجيج، له دور مفصلي في رحلة الحج الالهية. ان استذكار الحد وقيم هذه الشعيرة الالهية من قبل الحاج ابتداءً من خروجه من موطنه مروراً بأداء كافة الطقوس والشعائر في الديار المقدسة وانتهاءاً بعودته الى وطنه، تعد من المهام الكبيرة التي تقع على كاهل المرشدين الدينيين في هذه الرحلة الربانية.

وفي هذا السياق نذكّر باهم المسؤوليات التي تقع على إدارات الحوزات العلمية، وكذلك ادارات الارشاد الديني في هيئات الحج والعمرة الرسمية، وكذلك اهم المواصفات التي ينبغي ان يتصف بها المرشد الديني لقافلة الحج:

1ـ الحوزات العلمية مدعوة ومن خلال باب الحج في دروس الفقه ان يهيئ الطالب للتصدي الارشادي في هذا المجال، سواء لمن ينوي السفر لرحلة الحج او اعداده لدخول امتحان المرشدين، وتوفير الارضية المناسبة لتفوقه على صعيد الاطلاع على دقائق المسائل الفقهية بما يتعلق بشعائر الحج.

2ـ يمكن للحوزات العلمية وضع دورات خاصة لطلابها المتميزين لمراجعة مسائل الحج والتعرف على اراء كافة الفقهاء بهذا الصدد مع اطلاعهم على جغرافيات المواقع الهامة في مكة المكرمة والمدينة المنورة لما لهاتين المدينتين من تأثير على ثقافة الحاج الدينية.

3ـ على ادارة هيئات الحج والعمرة اجراء امتحانات سليمة ومدروسة لكافة طلاب العلوم الدينية في مجال الارشاد وتحاشي الميول لاتجاهات المدارس والنظر لكل طلاب العلوم الدينية بنظرة التآخي والمساواة.

4ـ على هذه الهيئات اعطاء اولوية للمخضرمين واصحاب التجارب السابقة في مجال الارشاد الديني في مواسم الحج وعدم اخضاعهم للامتحانات الروتينية، بل العكس فتح المجال لهم للاستفادة من تجاربهم الميدانية في توجيه وإرشاد الحجيج.

5ـ ضرورة اقامة ندوات مشتركة وتعارف بين المرشدين الدينيين ومتعهدي الحملات من جهة، وكذلك بينهم وبين الحجاج قبل رحلة الحج في برامج مكثفة تعليمية وتوجيهية وذلك تحاشيا للأخطاء في مجال تطبيق الشعائر وكذلك تقديم الارشاد على الصعيد الصحي والامني والثقافي لكل حاج لاسيما السني منهم.

6ـ المرشد الديني يعد البوصلة وسكان مسيرة القافلة على كافة الأصعدة كما ان الحاج يعتبر المرشد الاب الروحي له، من هنا ينبغي على المرشد ان يهيئا نفسه ليكون في مصاف هذه المكانة المرموقة.

7ـ مرشد الحجيج لا تقتصر واجباته في تعليم وتوجيه الحجاج في كيفية اداء مناسك الحج فحسب، بل تتوسع دائرة توجيه لتصل الى ادخال الحاج في دورة تعليمية عامة في اصول الدين وفروعه ومفاهيم الاسلام كافة، بل حتى اختباره في اداء الصلوات الخمس وحسن التلفظ بآيات القران الكريم وغيرها.
8ـ ان الحاج يحرص ان تكون رحلة الحج له هي رحلة العمر، فلا بد ان يستثمر مرشد الحجيج هذه الفرصة التاريخية لتصحيح عقيدته وأخلاق الحاج، وكذلك العمل على نسف العادات السيئة والخرافات الداخلة في الاسلام عبر التراث والعرف الاجتماعي، وتغييرها وفق متبينات القران الكريم واحاديث واخلاقيات اهل البيت (ع)

9ـ المرشد الديني هو ممثل الدين فلا يحق له ان يحصر نفسه في مدرسته التي تخرج منها، او مرجعيته التي يقلدها، بل عليه ان يجيب على كل مسائل الحج، وغيرها بما يتناسب وتقليد الحجاج، وكل على انفراد، وبعبارة اخرى، ان المرشد عليه ان يستجيب ويتفاعل مع كافة الرسائل العلمية لمراجع الدين العظام ويعلم الحاج وفق من يقلد من المراجع الدينيين.

10ـ من المهام الجسمية التي تقع على كاهل مرشد الحجيج هو الاهتمام بصلاة الجماعة والحضور جماعة عند الاثار والمقامات الشريفة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، كالبقيع، ومقبرة الحجون، والمساجد السبع، ومقبرة شهداء احد، ومواطن ولادة الرسول الاعظم (ص) والأئمة الأطهار وفي كافة المواقع التي تذكر الحجيج بعقيدتهم وصلابة الاستقامة اصحاب الرسول الكرام في صدر الاسلام، لكي يعود الحاج وهو سيستحضره في ذاكرته مأثر البسالة والصبر والتضحية والفداء، في طريق الاسلام، ولكي يجعل هذا الموسم الالهي سلّماً للتغيير والتحول الحضاري في واقعه.

----------------

*مناسك الحج /السيد المرجع المدرسي /ص19.


ارسل لصديق