النفس اللوامة وامتلاك جهاز المناعة
كتبه: حسين محمد علي
حرر في: 2016/05/03
القراءات: 455

القسم يعني الربط بين حقيقتين مع بعضهما، وقد يكون الربط مجهولاً عند المجتمع، ومعلوماً عند المتحدث، كما لو اقسم شخصٌ بعمره بقوله: «بحياتي» فيربط عمره بذلك الأمر، ويرى أن قيمة عمره تساوي قيمة ما يقسم عليه من الأمور.

والبارئ - تعالى - تارةً يقسم بالظواهر الطبيعية؛ كالشمس، بقوله: ﴿والشمس وضحاها، أو بالنجم كقوله: ﴿والنجم اذا هوى، كما يُقسم بأمور تتعلق بالانسان؛ مثل «نفسه»، كقوله تعالى: ﴿فلا أقسم بالنفس اللوّامة، والغاية، التنبيه إلى عظمة ما يقسم به وأهميته، ويرشدنا الى ضرورة دراسة هذا الأمر العظيم، وهو النفس الانسانية، وما لها من مراتب وحقائق، لنعرف -من ثمّ- عظمة هذه النعمة، حتى نصل الى الكمال النفسي، فللنفس مراتب منها الأمّارة بالسوء، ثم اللوّامة، ثم المطمئنة، والنفس اللوّامة يمكن أن تتسافل لتصل الى الأمّارة بالسوء - والعياذ بالله- ويمكن أن ترتقي الى النفس المطمئنة.

و"اللوم"، حالة وجدانية تحصل عند الانسان بعد إحساسه بأنه ارتكب عملاً خاطئاً، وإذا ما كان هذا الخطأ عبارة عن ذنب ارتكبه العبد بحق الله، او بحق الناس، فإنه ينمّ عن وجود ضمير حيّ في داخله، هذا الضمير يمثل المناعة المعنوية للنفس ضد الذنوب. فكما أن لكل انسان مناعة في جسمه تصد عنه هجوم الفيروسات، فان للنفس الانسانية قوة مناعة معنوية. فقد أودع الله - تعالى - في كل انسان فطرة سليمة، وشرط بقاء السلامة لهذه الفطرة، في عدم الاقتراب من المعاصي ومداومة المحاسبة والمراقبة التي يسميها القرآن الكريم «النفس اللوامة»، التي تقوم بدور جهاز المناعة قبل الانزلاق في منحدرات المعاصي؛ فإذا اراد أن يقدم الانسان على ذنب بتسويل من النفس، تنبه العقل لذلك ونبّه النفس منه؛ ولكن إذا اصرّت وارتكب صاحبها المعصية، يأتي هنا دور النفس اللوامة، التي تكون بعنوان «الضمير» ايضاً، فتؤنب صاحبها، لتكون بداية التوبة.

أما إذا ارتكب الانسان المعصية ولم يحاسب نفسه، فإن شعلة الضمير تخبو ويتراجع وهجها الى أن تنطفئ كاملة، فيكون -حينئذ- ميت الضمير، فلا يأبه بما يعمل ويتصرف من أخطاء بحق نفسه والآخرين؛ لانه تسافل من النفس اللوّامة الى الأمّارة بالسوء التي تزيّن له سوء عمله، فيرى الحق باطلاً، والباطل حقاً.

واذا اردنا معرفة معنى الاستغفار بشكل دقيق، ما علينا إلا التوقف عند الحديث المروي عن الامام علي بن أبي طالب، عليه السلام، في جوابه على قول رجل في حضرته: «استغفر الله، فقال، عليه السلام: ثلكتك أمك! أتدري ما الاستغفار؟! الاستغفار درجة العليين، وهو اسم واقع على ستة معانٍ؛ أولها: الندم على ما مضى، والثاني: العزم على ترك العود إليه ابداً، والثالث: أن تؤدي الى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله -عز وجل- أملس، ليس عليك تبعة، والرابع: أن تعمد الى كل فريضة عليك ضيعتها فتؤدي حقها، والخامس: أن تعمد الى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالاحزان، حتى يلصق الجلد بالعظم وينشأ لحم جديد، والسادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة، كما أذقته حلاوة المعصية؛ فعند ذلك تقول استغفر الله».

وهذا يعني أن يكون الانسان دائم الاستغفار وطلب القوة والعزيمة لقوة النفس والوازع الديني من الله - تعالى- لا أن يختار العزلة بداعي الحصول على الورع والتقوى، وحسب الروايات الواردة في هذا الشأن، فان الله -تعالى- لا يحب من يختار قمة الجبل أو الكهوف لقضاء ايام حياته بالعبادة والأذكار بعيداً عن عوامل الانحراف والمعصية، إنما يحب أن يتعرض الانسان للفتنة بشكل دائم، وإن يتوب إليه تواضعاً، إذا ما أخطأ وارتكب ذنباً من الذنوب فيدخل الوسط الاجتماعي ويدخل السوق ويتعرض لإغراء الرشوة فيضع نفسه بين الله - سبحانه وتعالى- وبين الشيطان فيختار الله على الشيطان ويعلن تمسكه بالعقل والحق والهدى.

قال الامام الحسن عليه السلام: «أحبّ العباد الى الله المفتنون التوابون».

حقاً إن الله تعالى يحب عبده الذي يتعرض للامتحان بصورة متواصلة فإن وقع في الخطأ عاد الى جادة الحق بفضل نفسه اللوّامة التي قد ترتقي به الى النفس المطمئنة.


ارسل لصديق