الحاجة الى النور الذي يرفع الانسان الى السماء
كتبه: زكي الناصر
حرر في: 2016/05/03
القراءات: 456

{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ}، (سورة الشورى: 53). نحن دائماً وأبداً بحاجة الى جهد كبير نبذله لكي نصل الى فهم بعض البصائر القرآنية، وهذا يأتي عبر استنفار ما وهبه الله -تعالى- للانسان من عقل وضمير، وايضاً؛ كل ما أوتي من قدرة بدنية البدني، أو لم نقرأ كيف ان نبينا الأكرم، صلى الله عليه وآله، حينما كان ينزل عليه الوحي، كان حتى في الشتاء البارد يتفصّد عرقاً، لانه وحي عظيم وكلام نازل من السماء.

وأما فضل القرآن على غيره، كفضل الله على خلقه، لذلك يستلزم علينا أن نقرأ القرآن في الاوقات التي يكون فيها الذهن خال من مشاغل الحياة ومؤثراته، لذا قال الله - تبارك وتعالى-: ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ، (سورة الإسراء: 78)، وبعض التفاسير؛ يُقصد به السور التي تقرأ في صلاة الصبح.

ولا يتصور البعض، أن قراءته للقرآن الكريم لا تعطيه الفائدة السريعة، فالإنسان عندما يجلس على مائدة الطعام، يأكل ويستفيد جسمه، كذلك القرآن الكريم، عندما نجلس على مائدة القرآن الكريم، نأخذ - قطعاً- شيئاً من هذه المائدة، بيد أن المائز هنا؛ في القدرة على الاستفادة الاكثر والاكبر، مثال ذلك نور الشمس الذي يدخل بيوتنا وغرفنا، فكلما كان الشباك أوسع، كانت أشعة الشمس الداخله أكثر، وهذا ما يؤكده القرآن في قوله وتعالى: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا، (سورة الرعد:17)، فبمقدار استيعاب وعلم الإنسان وأيمانه، بامكانه من الاستفادة من البصائر القرآنية.

 

 النور أم الورح؟!

جاء الآية الكريمة التي صدرنا بها المقال: ﴿وَكَذَلِكَ.

يجب علينا التوقف عند مثل هذه الكلمات، فهيَ من أسماء اشارة، أي لو أن شخصاً ما قال لك: في ذلك المتجر يوجد بضاعة بنصف قيمة، فأنت لا تكتفي بهذا القول، إنما تذهب بنفسك لترى، فاسم الإشارة تنقلنا من واقعنا الحالي إلى واقع ذلك الشيء، كذلك القرآن الكريم؛ عندما قال: ذلك أو كذلك، أو ما شابه من أسماء الإشارة، فانه يشير إلى أنه يجب علينا أن نذهب ألى ما قبل هذه الآية المباركة.

هنا ربنا يقول «كذلك» اشارة الى الآية السابقة، تقول: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ}، وما كان لبشر؛ يعني لا تتصور أن البشر يصل الى الله -تعالى-، فإن البشر موجه من قبل الله -تبارك وتعالى- وهذا الحكم يجري على كل البشر، بمعنى أن ليس هناك نبيٌّ يُسمى «ابن الله».

{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا}، هذه الكلمة العظيمة التي ربما تستوقف العقول، ففيها ﴿روح من أمرنا، و «الروح» غير مفهوم تماماً بالنسبة للانسان، سوى انه يعكس على ذهنه، أمر الخلقة والتكوين الإلهي، فنحن - مثلاً- نرى الاشياء في الطبيعة، كما نتحسس وجود الكهرباء والجاذبية وغيرها من الحقائق العلمية، ونعرف أنها محدودة، لها بداية ولها نهاية ايضاً، ولكن نجهل ماهية هذه الاشياء لذلك ربنا يقول: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، (سورة الشمس:7)، بمعنى أنه -تعالى- رتبها ووضع لها ابعاد و صفات، و»التسوية» نوع من أنواع الخلق، فإن الروح من جنود الله المجندة، نحن عقولنا قاصرة على أن تصل إلى ماهية الروح، وما نفهمه؛ هو نور من أنوار الله، ونفهم هذه الأنوار من آثارها، ومؤثراتها، وقوله سبحانه وتعالى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}، (سورة الإسراء: 85).

إن القرآن الكريم في مكان يقول: «روح منه»، وفي مكان آخر؛ «نور»، والنور في القرآن لا يعني نور الشمس أو نور القمر، إنما يشير هنا إلى العقل، ومن ثم العلم، والهدى يعني الإرادة، وهي انوار مقدسة متعالية. وهذه هي حقيقة القرآن، لذلك نحن نقول ربنا - سبحانه- جعل روح القدس يتجلّى في الانبياء، وفي نبينا محمد وفي الائمة، صلوات الله عليهم أجمعين.

 

 الهداية بشروط

عندما تقترب من انسان نائم، فانت قريبه منه، بيد أنه ليس كذلك، لانه لا يعي وجودك، كذلك الحال في العلاقة مع الله -تعالى- وفي دعاء دعاء أبي حمزة الثمالي: «وأن الراحل اليك قريب المسافة، وانك لا تحتجب عن خلقك إلا ان تحتجب الاعمال دونك»؛ فهذه المسافة بيننا وبين الله، هي التي يجب ان نقطعها للوصول اليه -تعالى-، ومن لم يتقدم الى الله في رحلة الحقيقة في هذه الدنيا، فانه في الاخرة لن يحصل على شيء.

والسؤال؛ كيف نصل الى الله؟

نحن في حالة من الغفلة والجهل او السبات، وكل هذه الآيات القرآنية و الادعية والصلوات، كلها؛ من اجل ان نذكر الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا* وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}، (سورة الأحزاب: 41 - 42)، أي اذكروا الله ذكراً كثيرا، لان في أي لحظة غفلة عن ذكر الله، فإن الشيطان يكون حاضر، {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}، والأعشى الذي يرى، ولكن نظره ضعيف.

فهل بامان الإنسان - والحال هكذا - أن يتغير بشكل جوهري؟

يظهر أن ذلك ممكن إذا توكل الله، ولكن كيف له أن يغير نفسه، من حيوان الى انسان، ومن انسان الى ملاك، ومن ملاك الى ما هو اعظم من الملائكة، هذا يحتاج إلى تأمل ونظر في نفس الإنسان، وما بها من عوامل التخلف عن الوصول إلى الله تعالى؛ منها الإرادة، مع شرط أن تتصل بالله تعالى، لأن هذه الارادة ربما تأخذك إلى صواب أو إلى غيره، فلكي نقرر أن نصل إلى الله، يجب أن نكون على هدى، ولكي نكون كذلك، نحتاج إلى هادي، ويجب أن يكون هذا الهادي من عند الله تعالى، لان اصل الهداية من الله، لذلك انت تقرأ في الآيات الآنقة الذكر: ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا، فهنا الهداية إلى من؟ تجيبنا الآية التي بعدها: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}، فهذه الهداية نسبتها إلى رسول الله، صلى الله عليه وآله، فإن أصل الهداية من الله، بيد أن الرسول، يمثل الواسطة بين الله وعبده.

وهنا ثمة ملاحظة لابد من الاشارة اليها، لماذا القرآن الكريم غير أسلوبه حينما قال: ﴿نَهْدِي، ومن ثم قال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي، فإنه في مقام بيان أن الهداية الإلهية تتمثل في شخص النبي، صلى الله عليه وآله، لذلك يستحب أن يُقال قبل الصلاة: «أعوذُ بالله القوي مِنَ الشيطان الغوي، وأعوذ بمحمد الرضي من شَر ما قَدر ورضي، وأعوذ بأهل بيته الطيبين من شَر الجن والإنس اجمعين، وأعوذ بالله رَبِ الناس مَلكِ الناس إله الناس من شر الوَسوَاس الذي يُوَسوِسُ في صدور الناس الله اكبر»، لان الله خلق تقديره وفوضه الى النبي الأكرم، لذلك فهو رضيّ من شر ما قُدر وقضي، فإن الله هو الذي يهدي بهداية الرسول الأكرم: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، إذ ان الصراط الذي يوصلنا إلى الله تعالى، فاليه المنتهى وإليه الرجعى، وهذا هو كمال العلاقة مع الله - تعالى- فعندما يصل الانسان الى الله، كما وصل الامام الحسين، سلام الله عليه، فانه لن يوجد شيء بعده يصل إليه: {أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ}.

بالمحصلة؛ فقد خوّل الله الاخرين أموراً وفوضها اليهم بهدف الامتحان والابتلاء، فتنتهي اليه سبحانه، فيجب علينا أن نتبع الصراط، من خلال هادي ونذير، وهو النبي، صلى الله عليه وآله، ويبقى شيء واحد في أذهاننا، ألا وهو؛ أن الله تعالى غير محجوب عنّا، كما جاء في الدعاء الآنف الذكر، إنما يجب أن نكون نحن دائمي الذكر له - تعالى- ولا يلهينا شيء عن ذكر الله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}، (سورة المنافقون: 9).

------------

* مقتبس من درس التفسير لسماحة المرجع المدرسي .


ارسل لصديق