إثارة مشاعر الضعف وتغييب عوامل القوة الحقيقية
كتبه: حيدر الرماحي
حرر في: 2016/05/03
القراءات: 438

حينما ينحسر الماء عن الشجر وتتساقط أوراقه، تراه يأخذ شكلاً آخــر، لا يقــل نضــارة وجمالاً عــن شكله الأول.

هكذا يجب أن يكون الإنسان إذا مرّ في حالة من حالات الضعف والانكسار، فعليه ألاّ يسقط، بل يؤمن بأن لديه طاقة عظمى جعلته يحمل ما عجزت السماوات والأرض والجبال عن حمله.

 

طبيعة الإنسان

ان طبيعة خلق الإنسان {فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}،(سورة التين: 4). تتطلب منه أن لا يتنازل أمام مختلف الظروف ولا يضعف، بل يبقى قوياً يعتلي مركز الصدارة «الأحسنية» بين مخلوقات الله تعالى. إلاّ أنه وبحكم تكوينه الداخلي المتكون بين بعدين أساسيين هما العقل والعاطفة، تراه بين مدِّ وجزر، بين أن يستجيب لنداء العقل والفطرة وبين أن يستجيب لعاطفته فيلبِّي احتياجاته الغرائزية، وهذا ليس بمعيب إذ إنه هذا يقع ضمن قانون الخلقة وطبيعة البشر.ألا أن المعيب في الأمر أن يضعف ذلك الإنسان ويستسلم أمام الظروف الاجتماعية المختلفة، ويخضع لغيره على حساب مبادئه وقيمه العليا.

 

التضليل ثم الاستضعاف

على طول التاريخ الإنساني للبشرية لا يوجد إنسان ضعيف وإنسان قوي بأصل خلقته، إنما يوجد الإنسان الذي يملُك الاستعداد والطاقة لأن يكون قوياً ذا بأس شديد، ويوجد الإنسان الذي يستجيب لحالة الضعف والانكسار فيكون ضعيفاً لا يقوى على شيء.

لذلك جاءت رسالة السماء وكلمات الوحي الالهي مشحونة بعناصر القوة المعتدلة ومملوءة بالطاقة الإيمانية تدعو الإنسان إلى التمسك بها لتحمل مسؤولية الاستخلاف في الأرض وبناء الحضارة.

بيد أن المشكلة تبدأ من نزعة التسلّط والاستحواذ على الملك والأموال والمقدرات، عندما تستفحل وتدفع أصحابها للتوسّل بكل شيء لتحقيق مآربهم، حتى الوسائل الدنيئة والمحرمة.

ومن هذه الوسائل؛ تضليل وتزييف الحقائق الدينية، لاستنزاف قوى الامة وثرواتها، بتجيير مفاهيم وقيم مقدسة، وجعلها ستاراً لحقيقة اهدافهم السلطوية ومصالحهم الخاصة للوصول إلى الحكم والتسلط على رقاب الناس، ثم الترويج في أوساط الأمة بأنهم القادة الحقيقيون الذين سيحققون لهم اهدافهم وطموحاتهم من العيش الرغيد والرفاه الاجتماعي.

ولعل أول من مارسوا الدجل في الدين واتبعوا اسلوب التضليل والتغرير، هم بنو العباس، عندما تسلقوا الى قمة الحكم، وقاتلوا الأمويين تحت شعار «يالثارات الحسين»، و»الرضا من آل محمد»، وما أن وصلوا إلى السلطة واستحكم أمرهم، أخذوا يمارسون مختلف ألوان الظلم والاضطهاد بحق الناس وتحديداً شيعة أهل البيت، عليهم السلام. وقد جاءت سياسة الاستضعاف ببعض نتائجها في المجتمع الاسلامي آنذاك، عندما تعرض النسيج الاجتماعي داخل الأمة للتفكك والتشرذم، واصبح عبارة عن جماعات صغيرة تتبع تيارات فكرية ومذاهب عقائدية، وهذا هو الضعف بعينه، وقد أكد هذه الحقيقة القرآن الكريم في الآية المباركة: {مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}، (سورة الروم: 32).

وعندما يكون المجتمع متفرقاً والامة ضعيفة غير متماسكة، يسهل على الحكام وأهل السلطة والطامعين بالمكاسب المادية، ممارسة مختلف الموبقات والجرائم دون خوف او وجل أو رادع من أحد، لذا نجد تفشي الفساد الاخلاقي والفكري الى جانب الانحراف بعيداً عن خط الرسالة، رغم ما يدعونه من «الخلافة»، وهم أبعد ما يكونون عن هذا اللقب العظيم، وايضاً أبعد ما يكونون عن عموم الامة ومشاكلها.

من هنا نعرف؛ أن سكوت جماهير الشعب على سياسات التضليل والاستضعاف من قبل الحكومات الفاسدة يعطي الضوء الاخضر للحاكم الفاسد أن يمارس ظلمه بامتياز، وتحت غطاء الشرعية المزيفة المتوفر على يد وعاظ السلاطين، والتاريخ الاسلامي حافل بالعديد من الصور التي خرج فيها نظام الحكم عن العدالة الاجتماعية ورعاية الرعية بالحق والرحمة، إلى ممارسة مختلف اشكال الظلم والقتل والتنكيل وسلب الحقوق والحريات وانتهاك الأعراض. فمن حكومة بني أمية إلى حكومة بني العباس، ضاعت الهوية الاسلامية وتشتت ولاء الناس إلى فرق ومذاهب واحزاب أكثر من تشتتهم بعد وفاة رسول الله، صلى الله عليه وآله، وكان من أهم المفاهيم المزيفة التي حاول الحاكم الظالم اشاعتها بين السذج من الناس من أجل تقييد الرأي العام في المجتمع الاسلامي، هو استخدامه لوعاظ السلطان اتباع الدينار والدرهم، لإضفاء الشرعية على حكمهم، فطفق علماء السوء هؤلاء، لوضع الاحاديث الكاذبة على رسول الله، صلى الله عليه وآله، التي تفيد عدم المساس بالحاكم مهما كان وفعل، وبالفعل تم تلقين الأمة بحرمة الخروج عن طاعة الحاكم الفاسد وعدم جواز مخالفة أوامره وإن فعل ما فعل، فقد روى البعض في كتبهم عن النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، أنه قال: «...في ولي الأمر الجائر الظالم تسمع وتطيع للأمر وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع..»(1) وجاء في رواية موضوعة اخرى نُسبت الى رسول الله، صلى الله عليه وآله: «... وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يداً من طاعة».

وهذا ما فعله «الإمام احمد بن حنبل» مع بني العباس مع أنهم كانوا في شر مقالة....(2).

ورد في «صحيح البخاري» ما يؤكد التحريف العلني والتقوّل على النبي الأكرم، حيث روى في صحيحه عن ابن عباس عنه، صلى الله عليه وآله: «من كره من أميره شيئاً فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبراً مات ميتةً جاهلية»! (3)

وهكذا تمكن هؤلاء الظلمة من خداع أغلب افراد الأمة وتقييدها بهكذا احاديث وروايات موضوعة لغايات سلطوية أنانية.

الأمر الذي أدى بالأمة أن تخضع وتستسلم وتعيش بقية حياتها تحت وطأة هؤلاء الفاسدين، وهم يمارسون ظلمهم بمرأى ومسمع من الجميع.

ونسيت الأمة أو تناست أنها أمة القرآن الذي جاء لرفض الظلم ومحاربة الفاسدين.

فكان الأولى بها وهي تمر بنوع كهذا من الاستغلال السياسي، أن تلجأ الى مفاهيم القرآن الكريم لترسم لها صورة أخرى من صور البطولة والفداء، غير أنهم ابتعدوا عن القرآن وعن أهل البيت، عليهم السلام، فنالوا ما نالوا.

 

البحث عن عوامل القوة

وعلى الجانب الآخر تَمَيَزَ جمعٌ من هذه الأمة بالقوة والايجابية، حيث يحمل هذا الجمع افكار الوحي الالهي ويؤمن بمفاهيم القرآن الكريم، وما ثبت من احاديث و روايات النبي وأهل بيته، سلام الله عليهم اجمعين.

إن الإسلام الحقيقي هو الذي يهب للأمة عوامل بناء الذات الإيمانية، وأُسس تشييد الحضارة الإنسانية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، مفهوم الصبر وأهميته في بلوغ النجاح وعبور المحن والمصائب، فالإنسان إذا كان صابراً وابتلي بأمرٍ من الأمور، فإنه لن يسقط في الامتحان ولا ينهار أمام المشكلة، بل يصبر ويصمد بكل قوة حتى يتجاوز المرحلة.

من هنا؛ أمرنا الله تبارك وتعالى أن نستعين بالصبر حيث قال: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ}، (سورة البقرة: 45).

وذلك لمقاومة ضعفنا الداخلي، لأن كل عمل من الاعمال سواء كان دينياً أو اجتماعياً، لا بد معه من الصبر وإلاّ لن نقوى على تأدية الأعمال، ولا الاستمرار عليها، ومن هنا كان «الصبر مفتاح الفرج».

وهكذا سائر المفاهيم القرآنية، كمفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومفهوم التقوى، والورع، والعِلم، والإخلاص، والزهد، والتعاون، والاحترام، والامانة، والصدق، والمحبة وغيرها من المفاهيم والقيم، كلها ذات قيم عالية، وقوة مؤثرة في بناء ذات الإنسان وتكوين شخصيته القوية، مما يمكّن الإنسان من العيش في ظل المبادئ والايمان بالقيم كدستور أعلى لحياته الاجتماعية.

هذا التطور في استثمار القوة الايجابية يجعل الانسان صانع الاحداث والظروف لا العكس، ولنا في رسول الله، صلى الله عليه وآله، أسوة حسنة، إذ لو لم يكن يحمل مبادئ سامية وقيماً عالية، لما نجح بحركته الرسالية وشيّد لنا حضارة الوحي الإلهي، الحضارة الإسلامية.

إن الهدف الأساسي الذي انطلقت لأجله كل هذه المفاهيم، هو تكوين حضارة الإنسان الذي يحمل هذه القيم والمبادئ السامية، إذ ما فائدة هذه القيم بدون وجود الإنسان، من هنا يتبين لنا مدى أهمية مفاهيم القرآن الكريم في بناء الحضارة الإنسانية عبر إيجاد الإنسان القيمي، صاحب الارادة الحرة.

وهذا يقودنا إلى معرفة مساحة المفاهيم القرآنية التي تشكل عوامل قوة حقيقية لنهضة الأمة ضد الاستبداد السياسي والاجتماعي، إذ من الضروري تشخيص هذه العناوين ودراستها بشكل مستقل عن تأثيرات عاملي الزمان والمكان، حيث إن واحدة من أهم خصائص آيات القرآن الكريم أنه جاء ليخاطب الناس جميعاً في جميع الأزمنة ومختلف العصور. وهذا ما يدفع بمزيد من الاهتمام والتدبر في هذه الآيات لاستظهار مفاهيمه وتصوراته عن الكون والحياة والعالم الآخر، مما يساعد على الفهم الحيوي للنص القرآني ذي المرونة العالية. فالحضارات العالمية كالحضارة الرومانية والفارسية السابقتين على ظهور الإسلام، على اختلافها، مليئة بأمثلة من حالات الضعف القيمي والظلم والاستبداد السياسي والاجتماعي، مارسه أفراد وجماعات على مختلف المستويات. ونظراً لغياب المبادئ والقيم والقوانين الاجتماعية التي ساهمت بشكل أو بآخر بسقوط هذه الحضارات الكبيرة، جاء الإسلام محملاً بمبادئ الوحي وقيم السماء لأجل أن تولَّد عند بني البشر أفكاراً مضادة لواقع الظلم والفساد، ولكي لا تسقط الحضارة الإسلامية كسقوط الحضارات السابقة.

 ويظهر مما مرّ معنا، أن مشاعر الضعف التي تبثها الثقافات المنحرفة الصادرة عن الفاسدين والطامعين، التي غرضها تضعيف كيان الأمة للسيطرة عليها، لا تمت إلى الاسلام بصلة. والحقيقة تؤكد أن هناك تلازماً بين الوعي الديني بمفاهيم القرآن الكريم وبين النهوض الحضاري وأنه يشكل حقيقة تاريخية وشرطاً موضوعياً لا يقبل النقاش. إذ تحتوي مفاهيم القرآن على كل عوامل القوة الحقيقية لبناء المجتمع الإسلامي العادل وبناء الإنسان المثقف بثقافة القرآن والسنة.

------------

(1) صحيح مسلم/ المجلد الثالث/ ص 401.

(2) اللآلي البهية في شرح العقيدة الواسطية/صالح بن عبد العزيز/ ج2/ ص20.

(3) صحيح البخاري/ج4 /كتاب الفتن/ الحديث 705.


ارسل لصديق